ملخص
تقول الأرقام إن نشاط البريطانيين في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي قد تغير، فتراجعت مشاركتهم للمحتوى، وتسرب القلق إلى نفوسهم من البقاء الطويل خلف الشاشات، والتربص بتغريدات سابقة لهم قد تجلب لهم المشكلات.
انخفض عدد البالغين الذين ينشرون أو يعلقون أو يشاركون المحتوى على وسائل التواصل، في مقابل ارتفاع أعداد المستخدمين للذكاء الاصطناعي وفقاً لأحدث استطلاع أجرته "أوفكوم" حول أنماط وعادات استعمال البريطانيين للإنترنت.
وهيئة "أوفكوم" هي الجهة التنظيمية والرقابية المعنية بالشبكة العنكبوتية في المملكة المتحدة، ترصد المحتوى الإلكتروني المنتج على اختلاف أنواعه، وتتتبع أنماط استخدام البريطانيين منصات نشر ذلك المحتوى في جميع أنحاء البلاد.
يقول استطلاع "أوفكوم" إن 49 في المئة من سكان المملكة المتحدة نشروا بنشاط على منصات التواصل مثل "إنستغرام" و"فيسبوك" و"إكس" عام 2025، مقارنة بنسبة 61 في المئة سجلتها الهيئة التنظيمية في العام الذي سبقه.
واكتشف الاستطلاع أيضاً أن غالبية البريطانيين باتوا يشعرون اليوم بالقلق إزاء وقت يقضونه أمام الشاشات، وبعض الأشخاص يختارون نشر محتوى أقل ديمومة، فيما تصاعد "الاستخدام السلبي" لوسائل التواصل الاجتماعي.
ينبع القلق من الآثار النفسية المرتبة على قضاء وقت طويل أمام الشاشات، لكن قلقاً آخر يكبر بين المستخدمين إزاء "منشورات غير مدروسة" باحوا بها سابقاً، وقد تعرضهم اليوم للانتقاد، بحسب جوزيف أوكسليد، مدير الأبحاث في "أوفكوم".
فقدت كارلا صوفيا غاسكون فرصة الفوز بجائزة أوسكار لأفضل ممثلة بسبب تغريدات قديمة لها حول الإسلام وجورج فلويد، بينما تشاجرت شركة ديزني مع المخرج جيمس غان بسبب منشورات سابقة عن الاغتصاب وأحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول).
ثمة أمثلة كثيرة في هذا الصدد على امتداد عوالم المشاهير بمجالات الحياة كافة، وفي العمل السياسي يمكن أن تصبح المنشورات القديمة على وسائل التواصل الاجتماعي مصدر إزعاج كبير جداً لأصحابها، وتهدد بتقويض مستقبلهم المهني.
أفادت "أوفكوم" بأن نسبة البالغين القلقين من تسبب تعليقاتهم بمشكلات لهم مستقبلاً قد ارتفعت من 43 في المئة عام 2024 إلى 49 في المئة نهاية العام الماضي، ولعل السبب في هذا هو اشتداد حال الاستقطاب الشعبي إزاء القضايا المختلفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بالنسبة إلى المتخصص في النشر الإلكتروني مات نافارا، يشير استطلاع "أوفكوم" إلى أن الناس يسعون إلى "الحفاظ على ذواتهم رقمياً" عبر اللجوء إلى مساحات افتراضية أصغر، وأكثر خصوصية، مثل الدردشات الجماعية والرسائل المباشرة.
ويعتقد نافارا أن "البريطانيين لم يفقدوا حبهم لوسائل التواصل، ولكنهم أصبحوا أكثر وعياً بكيفية ظهورهم عليها واستخدامهم لها، وبتعبير آخر يقول الباحث المتخصص إن "’السوشيال ميديا‘ لم تصبح أقل اجتماعية، بل أصبحت أقل علانية".
من جانبه يقول آندي بوروز، الرئيس التنفيذي لمؤسسة "مولي روز" التي أنشأتها عائلة مولي راسل، المراهقة التي انتحرت بعد مشاهدة محتوى ضار على الإنترنت، إن بيانات الاستطلاع في شأن مخاوف الصحة النفسية تشكل اليوم "نقطة تحول".
ومن وجهة نظر بوروز تشير أرقام "أوفكوم" إلى أنه "من المحتمل أن يكون هناك تيار قوي من الدعم بين البالغين في البلاد لحمل المنصات على تصميم منتجاتها بطريقة تمنحنا جميعاً قدرة أكبر على التحكم في كيفية استخدامنا لها".
بدأت لجنة العلوم والتكنولوجيا في مجلس العموم تحقيقاً في علم الأعصاب والطفولة الرقمية، وبحسب رئيسة اللجنة تشي أونوراه، "نحن نعرف القليل جداً عن كيفية تأثير العادات الرقمية في صحة الأطفال ورفاههم وقدراتهم المعرفية".
في المملكة المتحدة أيضاً، سيخضع مئات المراهقين قريباً لتجربة حظر وسائل التواصل والأجهزة الرقمية في أوقات معينة ضمن برنامج تجريبي حكومي، لمعرفة إذا ما كان ينبغي منع من هم دون 16 سنة من استعمال "السوشيال ميديا".
شمل استطلاع "أوفكوم" أكثر من 7500 بالغ في المملكة المتحدة، تبلغ أعمارهم 16 سنة أو أكثر، فسئلوا حول استخدامهم وسائل التواصل، وكيفية بحثهم عن الأخبار عبر الإنترنت، إضافة إلى الخصوصية الرقمية وقضايا أخرى مرتبطة.
أرقام الاستطلاع الذي أجري في الربع الأخير من 2025 تبين أيضاً زيادة عدد مستخدمي الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة وفق المقارنة ذاتها، إذ ارتفعت النسبة من 31 في المئة عام 2024 إلى أكثر من 54 في المئة العام الماضي.
وتبرر "أوفكوم" زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي بميول الشباب نحو التكنولوجيا، إذ قال أربعة من كل خمسة أشخاص تراوح أعمارهم ما بين 16 و24 سنة، وثلاثة أرباع الذين أعمارهم بين 25 و34 سنة، إنهم يستخدمون أدوات التقنية الجديدة اليوم.
للمرة الأولى يسأل الاستطلاع المشاركين عن رأيهم في شأن وقت يقضونه أمام الشاشات، وقد أفاد نحو 70 في المئة منهم بأنهم يقضون أحياناً وقتاً طويلاً جداً على أجهزتهم، والسؤال هو ماذا يفعلون إن كانوا لا يشاركون عليها إلا القليل.
في تقرير نشر أواخر عام 2025 ذكرت "أوفكوم" أن البالغين في المملكة المتحدة يقضون 31 دقيقة إضافية على الإنترنت مقارنة بفترة الجائحة عام 2021، ولكن طول المدة لم يعد يترافق مع زيادة في نشر المحتوى بمختلف أنواعه.
يقول مشاركون في استطلاع "أوفكوم" إنهم تحولوا من نشر كل شيء على وسائل التواصل، إلى اتباع سياسة انتقائية صارمة في المحتوى الإلكتروني الذي يودون مشاركته مع غيرهم، ولهذا السلوك تفسيرات مختلفة وفق المتخصصين.
تقول المحاضرة الأولى في الإعلام الرقمي والمجتمع بجامعة "شيفلد"، إيزابيل جيرارد، إن النشر على وسائل التواصل الاجتماعي فقد بريقه وإثارته التي ترافقت مع ظهور منصاته في منتصف وأواخر العقد الأول من الألفية الثالثة.
وتلفت الأكاديمية إلى أن بعض الشباب باتوا يستبدلون بهواتفهم الذكية أخرى عادية، مما يدلل على إصابتهم بـ"التعب الرقمي"، فيما يقول استطلاع "أوفكوم" إنه وجد انخفاضاً في المشاعر الإيجابية بصورة عامة تجاه الوجود على الإنترنت.
وفق الاستطلاع الحديث، رأى 59 في المئة من البريطانيين عام 2025 أن فوائد الوجود على الشبكة العنكبوتية أقل من الأضرار، لكن اللافت أن هذه النسبة قد انخفضت من 72 في المئة عام 2024، و71 في المئة خلال سابقه.
الفارق في النظرة الإيجابية لاستخدام وسائل التواصل لم تعد تذكر بين الفئات العمرية النشطة جداً والأقل نشاطاً على الإنترنت، لكن الجديد أن مقاطع الفيديو القصيرة باتت المحتوى الأكثر شعبية بالنسبة إلى الغالبية الكبيرة من المستخدمين.
وهيمنة مقاطع الفيديو المعروفة باسم "ريلز" تشير وفق الباحث في الإعلام الرقمي بن وودز، إلى أن وسائل التواصل تحولت إلى منصات ترفيهية بالدرجة الأولى، وهو ما قد يعزز ظهور أشكال جديدة من المحتوى تخدم هذا الغرض.
وفق وودز "عندما تتشبه منصات التواصل بالتلفزيون يتحول المستخدمون من مشاركين إلى مشاهدين للمحتوى المعروض فيها"، وربما هذا ما يجعل بريطانيا أكبر قاعدة مشتركين في "تيك توك" بأوروبا بنحو 30 مليون شخص.
بحسب الأرقام ثمة نحو 50 مليون مستخدم نشط لـ"فيسبوك" في المملكة المتحدة، وما يقارب 40 مليوناً لـ"إنستغرام"، إضافة إلى أكثر من 22 مليون شخص يستعملون منصة "إكس" التي يملكها الملياردير الأميركي إيلون ماسك.
يستخدم 9 من كل 10 من مستخدمي الإنترنت منصة واحدة في الأقل من وسائل التواصل، وتقول شركة " TechUK" إن استطلاع" أوفكوم" يظهر تحولاً في كيفية استعمال "السوشيال ميديا" وليس تغييراً في المزاج العام إزاءها.
إذا كان البريطانيون اليوم يساورهم الشك في شأن وسائل التواصل فإنهم قد يتبنون نوعاً آخر من التكنولوجيا، ولكن لا يوجد ضمانات بألا تنتقل معهم كل المخاوف المتعلقة بالصحة العقلية والانغماس المفرط إلى استعمال التقنية الجديدة.