ملخص
تلعب لغة الجسد للحيوانات دوراً مهماً فقد تنحني أو ترتجف أو تطوي ذيولها عند شعورها بالخوف، بينما ينسحب بعضها الآخر من التفاعل الاجتماعي أو يبقى ساكناً عند التهديد.
يصنف البكاء كإحدى أكثر الإشارات العاطفية البشرية وضوحاً، إذ تظهر الدموع عند الشعور بالحزن أو الراحة أو الفرح أو التوتر الشديد. ولأن هذه الاستجابة مألوفة جداً، فغالباً ما يفترض المراقبون أن الحيوانات التي تدمع عيونها تبكي لأسباب عاطفية أيضاً.
وتعزز مقاطع الفيديو المنتشرة للحيوانات التي تسيل دموعها على وجوهها هذا الاعتقاد، ومع ذلك، يفرق العلماء بدقة بين البكاء العاطفي وسوائل العين الطبيعية التي تحافظ على صحة العين.
لكن هناك بكاء لا يدل على المشاعر، بل على فقدانها وعدم وجودها من الأساس مع سهولة خلق اللحظة التي تجعلها تسيل على الخدين لخداع الآخرين وإيهامهم بالتعاطف وهي ما اصطلح عليها باسم "دموع التماسيح"، فمن أين جاء هذا التعبير، وهل فعلاً تبكي التماسيح وباقي الحيوانات؟
عبر العصور
بدأ الاستخدام الواسع النطاق لعبارة "دموع التماسيح" في اللغة الإنجليزية على الأرجح في القرن الـ14 تقريباً خلال العصور الوسطى، إذ كان الناس آنذاك يعتقدون أن التماسيح التي تقتل البشر وتأكلهم تبكي على ضحاياها رغم استمرارها في التهامهم. ورغم شيوع هذه العبارة في القرن الـ14، فإن جذورها قد تعود إلى ما قبل ذلك، إذ يشير بعض الروايات إلى أن بلوتارخ الفيلسوف والكاتب القديم من القرن الأول الميلادي، استخدمها في كتاباته، لكن بلوتارخ كان يتحدث اللاتينية، ولم تترجم العبارة إلى الإنجليزية إلا بعد ذلك بكثير.
وأول مرة استخدمت عبارة دموع التماسيح على نطاق واسع في اللغة الإنجليزية كانت حوالى القرن الـ14 عندما استخدمها السير جون ماندفيل في كتابه القصصي. وبمجرد ترجمة العبارة واستخدامها في الكتابة الإنجليزية، جرى استخدامها بصورة أكبر وإضفاء طابع مسيحي عليها من قبل اللاهوتي فوتيوس الذي استخدمها للحديث عن التوبة الحقيقية.
ولكن شهرة دموع التماسيح زادت بفضل شكسبير، فقد أشار لها في مسرحية عطيل خلال الفصل الرابع، بل إن شكسبير استخدم هذه العبارة في مسرحيات هنري السادس، وأنطونيو وكليوباترا وغيرها. وفي الوقت ذاته، بدأ كتاب مسرحيون آخرون باستخدامها للدلالة على النوايا الخادعة والحزن. وسرعان ما أصبحت عبارة شائعة الاستخدام، وتناقلتها الأجيال حتى العصر الحديث.
الدموع... حماية
وينتج معظم الحيوانات الدموع لحماية العين لا للتعبير عن المشاعر، وتعمل هذه السوائل على ترطيب سطح العين وغسل الغبار أو المهيجات. أما الدموع العاطفية، التي يذرفها البشر عند الشعور بمشاعر قوية، فتبدو أقل شيوعاً بكثير في عالم الحيوان.
ورغم ذلك، تظهر عديد من الأنواع سلوكيات أو استجابات جسدية تشبه بكاء الإنسان في بعض النواحي، ففي بعض الأحيان تظهر على عيون الأفيال دموع ظاهرة أثناء المواقف العاطفية، كما تصدر الرئيسات أصواتاً عند شعورها بالضيق تشبه بكاء الرضع. وقد تذرف الكلاب دموعاً أكثر قليلاً أثناء اللقاءات السعيدة مع أصحابها، فكل حيوان من هذه الحيوانات يجسد جانباً مختلفاً من بكاء الإنسان، مع أن أياً منها لا يطابقه تماماً.
وتحتاج عيون الحيوانات البرية إلى الرطوبة لتبقى سليمة وقادرة على أداء وظائفها، وتنتج الغدد الدمعية سائلاً ينتشر على سطح العين مع كل طرفة عين، يزيل هذا السائل الغبار والبكتيريا والجسيمات الصغيرة التي قد تلحق الضرر بالأنسجة الحساسة.
كيف تعبر الحيوانات؟
حول ما إذا كانت الحيوانات تنتج دموعاً مرتبطة بحالاتها العاطفية، أعادت دراسات حديثة فتح باب النقاش، ودفعت الملاحظات التي أُجريت على الأفيال والرئيسات والكلاب الباحثين إلى دراسة العلاقة بين العاطفة وإنتاج الدموع لدى الحيوانات بصورة أعمق. ولا تزال الأدلة غير مكتملة، فتشير بعض الدراسات إلى زيادة إفراز الدموع خلال بعض المناسبات الاجتماعية، بينما لا تجد دراسات أخرى أي صلة بين العاطفة وسوائل العين. ويؤكد العلماء أن تفسير مشاعر الحيوانات أمر صعب لأنها لا تستطيع وصف تجاربها الداخلية.
وتعبر الحيوانات عن حالاتها العاطفية عبر مجموعة واسعة من الإشارات، وغالباً ما تعد الأصوات أوضح تعبير عن الضيق، إذ تصدر صغار الثدييات المنفصلة عن أمهاتها نداءات عالية وإيقاعية تحث الكبار على الاستجابة بسرعة، وتحمل هذه النداءات معلومات مهمة للبقاء على قيد الحياة داخل المجموعة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما تلعب لغة الجسد دوراً مهماً أيضاً، فقد تنحني الحيوانات أو ترتجف أو تطوي ذيولها عند شعورها بالخوف، بينما ينسحب بعضها الآخر من التفاعل الاجتماعي أو يبقى ساكناً عند التهديد. ويتعلم القائمون على رعاية الحيوانات الذين يعملون معها عن كثب التعرف على هذه الأنماط كإشارات موثوقة للتوتر أو الخوف. وعليه تُظهر هذه الاستجابات أن التواصل العاطفي لا يعتمد على الدموع الظاهرة، فصغير الشمبانزي الذي ينادي أمه بصوت عالٍ، أو الكلب الذي يئن بعد تركه وحيداً، يعبر بوضوح عن الضيق من دون أن تدمع عيناه. ويساعد فهم هذه الإشارات الباحثين على تفسير سلوك الحيوانات من دون فرض توقعات بشرية عليها.
دموع التماسيح
أما في ما يخص التماسيح، فيذرف هذا الحيوان الدموع أثناء تناوله الطعام، ولكن ليس للأسباب التي قد تتبادر إلى ذهنك، فالأمر لا يتعلق بالشعور بالذنب أو الحزن أو الندم، بل إن الدموع ناتجة عن عملية جسدية بحتة. فعندما ينقض التمساح على فريسته، تحدث حركة شديدة في فكه وحلقه، تدفع هذه الحركة الهواء عبر جيوبه الأنفية، مما يحفز بدوره غدده الدمعية، والنتيجة؟ تبدأ الدموع بالانهمار بصورة لا إرادية تماماً.
وعليه، فالحيوان ليس حزيناً. إنها مجرد قوانين فيزيائية في جسده، والدموع ناتجة عن ضغط الجيوب الأنفية أثناء الأكل، وليست دليلاً على وجود مشاعر. وبما أن هذه الدموع منفصلة تماماً عن المشاعر الحقيقية، فقد بدأ الناس باستخدام مصطلح "دموع التماسيح" لوصف التعبيرات الزائفة أو المبالغ فيها عن الحزن.
لذا باختصار، إذا تظاهر شخص ما بالانزعاج وهو في الحقيقة ليس كذلك، يقال إنه يذرف دموع التماسيح. ويستخدم هذا المصطلح غالباً في المواقف التي يتظاهر فيها شخص ما بالاهتمام، وربما أثناء الاعتذار أو في السياسة، أو عندما يحاول التلاعب بمشاعر الآخرين، وقد أصبح هذا المصطلح اختصاراً لكشف الخداع العاطفي.