Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ليوناردو شاشا يروي حكاية راهب زيف "صحائف مصر"

تشهد الرواية على حياة صقلية القديمة وعلى تعدد هوياتها وفساد سلطتها

الروائي الإيطالي الصقلي ليوناردو شاشا (غيتي)

ملخص

"صحائف مصر" رواية تاريخية، للكاتب الشهير ليوناردو شاشا، صدرت حديثاً بترجمة عربية عن الإيطالية قام بها الكاتب عرفان رشيد (دار المتوسط- 2026). تدورالرواية حول مخطوطة تعود إلى كاتب عربي مسلم من صقلية نسخها راهب مالطي، يدعى دون جوزبه فيلا، ما بين 1782 و1795.

ولد الكاتب الإيطالي الشهير ليوناردو شاشا (1921-1989) في جزيرة صقلية الإيطالية، وعايش غالب مشكلاتها، وكشف عن تطلعات الناس البسطاء فيها، ونقل بأمانة ونبرة واقعية ما خبره هؤلاء من تجارب وصعاب، ومضايقات، لا سيما من عصابات المافيا التي كانت تتغذى من معين الفساد في البلاد.

وهو الذي جادل كثيرين من زملائه الكتاب في وجوب ملازمته صقلية، موطنه، ومسقط رأسه، وموئله الأحب إلى قلبه، ما دام يحيا إلى جانب الناس، وملتزماً الكتابة عنهم، كما أسلفنا.

علماً أن الكاتب يتحدر من عائلة فقيرة، إذ كان والده يعمل في مناجم الكبريت وكذلك عديد من أقاربه، في حين اتجه إلى التعليم، وما لبث أن انصرف عنه إلى الكتابة. كذلك عرف عن الكاتب انتماؤه إلى الحزب الشيوعي الإيطالي الذي لم يطل المقام فيه أيضاً. إلى ذلك، فقد شغل الكاتب مناصب سياسية في الدولة الإسبانية، وعنيَ بتحقيق مطالب العمال في المناجم، بتظهير مواطن الفساد وشبكات المافيا المتغلغلة في أجهزة الدولة الإيطالية الحديثة.

حبكة الرواية

بداية، تطلعنا الرواية التاريخية "صحائف مصر"، للكاتب ليوناردو شاشا، على خبر مفاده أن راهباً مالطياً، يدعى دون جوزبه فيلا، عمد في السنوات ما بين 1782 و1795، إلى نسخ مخطوطة تعود إلى كاتب عربي مسلم من صقلية، إبان الفتح الإسلامي للجزيرة في القرن الحادي عشر، وتزييفها على النحو الذي يدحض فيه ادعاءات النبلاء في صقلية، لتجريدهم من أحقية امتيازاتهم التي أثقلت كاهل المواطنين الفقراء فيها.

وقد حضه وآخرين على ذلك الانتحال، والتزوير المحامي المثقف فرنشيسكو دي بلازي، والذي كان يهدف، من خلال دعمه هذا التحريف أن يرسم لوحة إجمالية عن الطبق العليا في بالرمو، عاملاً على النيل منها وإذلالها. وبالطبع، تنتهي الرواية باكتشاف السلطات الملكية في الجزيرة، بالتعاون مع السلطات الدينية المتشددة، خيوط هذه المؤامرة، ويساق الأربعة المساهمون في تحريف المخطوطة إلى المحاكمة، ويعدَمون، شنقاً وعلى حد السيف، تبعاً لدرجة مسؤولياتهم في الجريمة، أي خيانة السلطة الملكية ومصالح الأمراء الإقطاعيين، على حد سواء.

بين النسخ والتحريف

من المعروف أن نسخ المخطوطات كان لا يزال متبعاً، في إيطاليا، وصقلية، حتى القرن الثامن عشر، قبل حلول تقنيات الطباعة، وكان بعض الرهبان، في الأديرة، يعملون على نسخ المخطوطات القيمة وذات الفائدة العلمية الجليلة. ولما كان العرب، الذين احتلوا جزيرة صقلية قرابة المئتين والخمسين عاماً، وتركوا أعمالاً تاريخية دالة على حسن تنظيمهم الأمور في البلاد، فقد أغرى ذلك العديد من رجال الدين البسطاء، أمثال الراهب المالطي دون جوزبه فيلا، والمونسنيور آيرولدي، واثنين آخرين، أحدهما فرنشيسكو دي بلازي، السابق ذكره.

ولئن كان التحريف جائزاً، في الأزمنة السابقة للطباعة، بحكم جهل الناسخ بلغة المنسوخ عنها، كما هو حاصل في الرواية، إذ كان الراهب دون جوزبه فيلا، ودون جوزبه كاميليري، منصرفيْن إلى النسخ فإن التحريف الجاري على وقائع في الجزيرة (صقلية) وعلى العلاقات السائدة بين الحكام العرب أو الأمراء (من الأغالبة التونسيين، والفاطميين المصريين، وبني كلب العباسيين) إبان حكمهم الجزيرة الذي امتد قرابة المئتين والخمسين عاماً، في الواقع التاريخي، فإنه (التحريف) طاول ما كان مستحسناً في حكم العرب، عهدئذٍ، من تنظيم لشؤون الناس، ومن تحقيق المساواة بين المواطنين- ولا سيما في عهد بني كلب الأخير- مقابل استنكار الناسخين ما آلت إليه أمور الحكم، في زمنهم، حيث تسحق كرامة عامة الناس، لمصلحة قلة من رجال الدين، والأمراء الإقطاعيين، والملك المستبد.

ومع ذلك، فقد افترض القائمون بهذا الجهد التحريفي أنهم يستحقون مكافأة أكبر من المكافأة التي حصل عليها أي مؤرخ حقيقي. لكأنه هنا يشير إلى العمل الأدبي المتخيل الذي يبتدع تاريخاً فوق التاريخ، وواقعاً مختلفاً عن الواقع الحقيقي، وإن يكن ممكن التصديق وواقعياً.

التأريخ والأيديولوجيا والأدب

ومنْ غير الكاتب، قادر على إعادة كتابة التاريخ، من وجهة نظره الخاصة، يكون للناس البسطاء فيها حضور ومكانة؟ للإجابة نقول إن الروائي ليوناردو شاشا يدرك تماماً أن وجهة نظره، المشبعة بقدر من الأيديولوجيا (الشيوعية، واليسارية) هي منطلق النظر في التاريخ. وبالطبع، لن يبلغ في يساريته حد المطالبة بكتابة كل التاريخ، من ألفه إلى يائه، بحسب مؤسسي الشيوعية الأوائل (لينين، وستالين)، إلا أنه يقر بأن التاريخ المصوغ، في حينه- زمن الرواية الواقعي، في القرن الثامن عشر- كان لا يزال تاريخ الخاصة والزعماء، والبابوات، من دون عامة الناس.

وقد نسب (الكاتب) كلاماً إلى أحد الناسخين المحرفين، يقول فيه: "إن العامة لا يكتبون تواريخ حياتهم، مع أنهم يستحقون ذلك. في حين أن كتابة التاريخ حاصلة فقط للملوك والنواب والبابوات والقادة والكبار. لنشعلْ بهم بعضَ النار، ولنثرْ بعض الدخان لخداع الشعوب، الأمم، البشرية الحية. ماذا عن أبي؟ ماذا عن أبيك؟ ماذا عن غليان أحشائهم الفارغة؟" (ص71)

أما الأدب فهو محصلة عملية التخييل والتحريف، اللذين يصوغ بهما الكاتب شاشا شبه العالم في روايته، ويختلق شخوصاً نموذجيين ذوي طبائع معينة، ويرسم حدوداً زمنية صارمة لحبكته القصصية، ما بين العام 1782 و1795؛ كأن يجعل راهباً برتبة متواضعة، يحيك مؤامرة كبرى تمس البنية القيمية والتراتبية الصارمتين في المجتمع الإيطالي، يعاونه راهبٌ آخر، ومحامٍ ذو طموح إلى الترقي الطبقي، إضافة إلى تخيله أفراداً من طبقة النبلاء والأمراء وبعضاً من نسائهم ذوات المغامرات الغرامية التي تتداولها الألسن، وجعلهم يتصرفون ويتحدثون وفقاً لطبيعة انتمائهم إلى طبقتهم الاجتماعية، وانطلاقاً من حرصهم على مصالحهم وامتيازاتهم التي ضمنها لهم النظام الإقطاعي السائد، في حينه.

وبالطبع، لن يصل الأمر بالكاتب ذي التوجه اليساري الواضح، أن يضمن خطاب شخصياته المعارضة- بل الهامشية والشعبية- عبَراً أو دروساً أخلاقية وسياسية تعكس انتماءه السياسي الصريح. إذ يضع الكاتب، على ألسنة الشخصيات ما يتفق مع مكانته، وطبيعة عمله، وتكوينه الفكري.

وفي هذا الشأن، يمكن للقارئ تبين الفوارق الواضحة، بين الراهب دون جوزبه فيلا، ذي التربية الدينية المحافظة والنظرة المسيحية المنفتحة إلى المرأة، وبين الراهب الآخر دون جوزبه كاميليري المتهتك، والمؤمن بخرافات تتصل بالمرأة لا تمت إلى جوهر الإيمان بصلة، ومرتكب الخطايا الجنسية من دون أي مراعاة لمكانته الدينية أو لشرط العفة (الامتناع عن معاشرة النساء) الذي يفرضه القانون الكنسي عليه، والتكرس لخدمة الدين وحده. إذ كان الراهب المذكور يعوض النساء اللواتي يأتينه بمسكوكات فضية لقاء إمتاعه، مكتفياً بالقليل منها، ما دام بخيلاً مقيتاً بنظرهن.

خطاب فكر الأنوار

ومن اللافت، في هذه الرواية أن الكاتب قصد الإحالة مرات عدة على آراء تعود إلى مفكرين وأدباء من عصر الأنوار، ولا سيما ديدرو، صاحب الفكر الموسوعي، وروسو الرومنطيقي والمجدد في التربية، وفولتير وآراؤه في حرية الرأي، وفي التسامح، والتعصب، "وسائر الأفكار التي توقفت عند عتبة صقليا" ودالمبير العالِم وشريك ديدرو في إعداد الموسوعة العتيدة، وذلك في سياق تحميله خطاب إحدى الشخصيات المعارضة للسلطة الملكية، في باليرمو، نظير كاراتشولو، وغيره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولعل هذا الخطاب يكون ظاهراً حيناً، على لسان إحدى الشخصيات المساهمة في صوغ التحريف، أو المؤيدة لفكرته، إما نصرةً للفئة المتضايقة من السلطة الإقطاعية المتحالفة مع السلطة الدينية المتشددة في حينه، وإما يكون غير ظاهر، وغير مباشر، من خلال العديد من المشاهد التي توجه فيها انتقادات لاذعة لرجال الدين، وللأمراء والنبلاء، ولمواقفهم من الفقه الإقطاعي، ومن الإرث الإسلامي والعربي الذي تركه الحكام العرب والمسلمون وراءهم، بعد أكثر من أربعمئة عام، في نفوس الصقليين ونصوصهم.

وقد صورهم الراهب المالطي جوزبه فيلا على النقيض من صورة الإقطاعيين المالطيين، كرماء، ومحققين للعدل في البلاد، وعاملين على ازدهارها. ولا يخفى أن أخبار الثورة الفرنسية وموجات التحرر التي هبت على غربي القارة الأوروبية، كانت تضاعف خشية الحكام الصقليين من بلوغ الثورة ديارهم، لتجردهم من امتيازات طال تمتعهم بها. وتضاعف كذلك قمعهم كل فكر، أو تزييف يلحق بقوانينهم، وصورة مجتمعهم، وإن منقولة على محمل مخطوطة تدعي وصف أحوال العائلات الحاكمة إبان الحكم العربي، تنقض بها امتيازاتهم وأصالة مكاناتهم الحاضرة.

التقميش والتزييف

وفي أي حال، لا يكاد يغيب الانطباع، لدى قراءة هذه الرواية التاريخية بأن كاتبها ليوناردو شاشا، أنجز عملاً تقميشياً لافتاً، إذ لم يبق تفصيل يتصل بالحياة الثقافية والاجتماعية والدينية في تلك الحقبة التاريخية من حياة صقلية إلا تناوله.

والنتيجة كانت عملاً أدبياً باهراً، يرسم حالاً من التحول الفكري والاجتماعي حاصلاً في صقلية، ويفتح أفقاً جديداً حول هوية صقلية العربية والإسلامية المطموسة، وإن جزئية في الزمن. وهي هوية تزيد الهوية الصقلية غنىً وقدرة على الانفتاح نحو الحضارة الأخرى، المجاورة لها، في المقلب الشرقي من المتوسط.

أما التزييف، وهو الثيمة الأثيرة للكاتب في الرواية، فيجعله الكاتب فعلاً خاصاً بالمجتمع الإنساني، وأن ما فعله الأب فيلا، ليس جريمة مبتذلة، وإنما هو "أعاد محاكاة جريمة عاكساً شروطها"(ص145)، فالجريمة المحاكاة، في رواية "صحائف مصر" إن هي إلا الانقلاب الذي أحدثته السلطة، ممثلة بالإقطاع والأمراء، على المواطنين الصقليين وتراثهم وقيَمهم ومصالحهم.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة