ملخص
تحول البحر الأحمر إلى منفذ بديل لصادرات الخليج يرفع كلفة أي اضطراب، فيما تحذر مؤسسات بحثية من تأخر الشحنات السعودية المتجهة إلى آسيا وارتفاع أسعار النفط.
لم تعد أسواق النفط العالمية تقيس الأخطار بحجم البراميل المنتجة فقط، بل بقدرتها على الوصول إلى الأسواق في الوقت والكلفة المناسبين.
ومع انتقال جزء متزايد من صادرات الخليج إلى البحر الأحمر بعد اضطرابات مضيق هرمز، اكتسب باب المندب ثقلاً استراتيجياً غير مسبوق، وأصبح أي تهديد للملاحة فيه ينعكس سريعاً على تكاليف الشحن والتأمين، قبل أن يظهر أثره في حجم الإمدادات نفسها.
ومع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط مجدداً وفي ظل تراجع هوامش الأمان في السوق العالمية، لم يعد السؤال يدور حول احتمال إغلاق المضيق، بل حول كلفة استمرار التهديدات على تجارة الطاقة، ومدى قدرة المسارات البديلة والمخزونات الاستراتيجية على احتواء صدمة جديدة.
وفي السياق، أكد متخصصون لـ"اندبندنت عربية" أن تصاعد التهديدات في مضيق باب المندب يرفع أخطار الملاحة وأسواق الطاقة، لكنه لا يمنح جماعة الحوثي القدرة على إغلاق الممر بالكامل بصورة مستدامة، في ظل الوجود العسكري الإقليمي والدولي، وإن كانت قادرة على استهداف السفن وتعطيل العبور جزئياً ودفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها.
وبدأت الأخطار تتحول إلى أثر فعلي، بعدما غيرت خمس ناقلات اتجاهها في البحر الأحمر أخيراً، فيما عادت ثلاث ناقلات محملة بالخام السعودي والمتجهة إلى الصين والهند نحو قناة السويس الثلاثاء. وقدرت شركة "برايمار" أن إعادة توجيه الشحنات من ينبع إلى المشترين الآسيويين عبر السويس والدوران حول أفريقيا تضيف نحو 10 آلاف ميل بحري و34 يوماً إلى الرحلة، وترفع كلفة الشحن بأكثر من 5 ملايين دولار للسفينة، من دون احتساب الوقود والتأمين، إلى جانب نحو مليون دولار رسوم عبور لقناة السويس.
وتكتسب التطورات حساسية أكبر، لأن باب المندب تحول إلى منفذ رئيس لصادرات الخليج بعد اضطراب هرمز.
ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، ارتفعت تدفقات النفط عبر المضيق إلى 5.4 مليون برميل يومياً في الربع الأول من 2026، في مقابل 3.7 مليون قبل عام، بينما تراجعت تدفقات مضيق هرمز إلى 14.6 مليون من 20.4 مليون برميل يومياً، كما مر عبر قناة السويس وخط "سوميد" 4.9 مليون برميل يومياً.
وارتفع خام "برنت" قرب مستوى 96 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ الـ11 من يونيو (حزيران)، بينما صعد الخام الأميركي فوق 86 دولاراً للبرميل. واتسع الفارق بين عقود برنت الفورية وعقود الأشهر الثلاثة إلى 8.80 دولار، في مؤشر إلى تشدد الإمدادات القريبة.
طرق أطول
على الصعيد ذاته، يرى ريتشارد برونز من "إنرجي أسبكتس" أن إغلاق باب المندب سيشكل محفزاً لموجة صعود جديدة، مقدراً أن أكثر من 3 ملايين برميل يومياً من الخام السعودي المتجه إلى آسيا قد تضطر إلى طرق أطول.
وتوقع مدير أبحاث السلع في "كبلر" مات سميث أن تواجه المصافي الآسيوية تأخراً يقارب شهراً، في الشحنات الواردة عبر مضيق باب المندب.
تكيف الأسواق
من جانبه، قال الصحافي المتخصص في أسواق النفط والطاقة وائل مهدي إن تجربة إغلاق مضيق هرمز خلال الأشهر الماضية أظهرت أن الأسواق باتت أكثر قدرة على التكيف مع الاضطرابات الجيوسياسية، متوقعاً أن يتكرر المشهد إذا تصاعدت التهديدات في باب المندب، بحيث ترتفع كلفة الشحن والتأمين من دون أن تتحول الأزمة إلى صدمة عالمية تعطل الإمدادات بالكامل.
وأوضح مهدي أن التأثير لن يتوزع بالتساوي، إذ ستكون المصافي الآسيوية الأكثر تعرضاً لتأخر الشحنات وارتفاع الكلفة، بينما تبقى أوروبا والولايات المتحدة أقل تأثراً نسبياً. وأضاف وائل مهدي أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الإغلاق بحد ذاته، بل في اعتياد الأسواق على استمرار التهديدات وتحولها إلى جزء دائم من كلفة تجارة الطاقة العالمية.
تحول جوهري
من جهته، قال الباحث في الشؤون النفطية والاقتصادية طارق الوزان إن أمن الطاقة العالمي يشهد تحولاً جوهرياً، إذ لم يعد يقاس بحجم الإنتاج أو الاحتياطات فقط، بل بقدرة الإمدادات على الوصول إلى الأسواق عبر ممرات بحرية آمنة. وأوضح الوزان أن باب المندب تحول من معبر ملاحي إلى ورقة ضغط جيوسياسية تؤثر في كلفة وسرعة تدفقات النفط، مشيراً إلى أن خطورته لا تكمن في حرمان الأسواق من البراميل بقدر ما تتمثل في إبطاء وصولها ورفع تكاليف الشحن والتأمين، بما يضيف علاوة أخطار إلى الأسعار. وأضاف طارق الوزان أن الأسواق تستطيع استيعاب اضطراب محدود في المضيق عبر إعادة توجيه الناقلات، لكن قدرتها على امتصاص صدمة ممتدة أو متزامنة مع اضطرابات في مضيق هرمز ستكون أكثر محدودية، لأن البدائل تعوض جانباً من الإمدادات ولا تعوض مرونة النقل. وأكد الوزان أن التهديدات الحالية تثبت أن أمن الطاقة أصبح نتاج توازن بين الإنتاج، وأمن الممرات، والمرونة اللوجستية، مما يجعل تنويع مسارات التصدير، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، وحماية طرق الملاحة، ضرورة استراتيجية لضمان استقرار أسواق النفط العالمية، لا مجرد خيار احترازي.
تهديد محدود
قال المتخصص في شؤون الطاقة وضاح الطه إن أية محاولة حوثية لتعطيل الملاحة لن تكون بعيدة من توجيهات النظام الإيراني، في إطار السعي إلى تخفيف الضغوط على طهران، بعد تعثر محاولاتها لفرض هيمنة كاملة على مضيق هرمز. وأوضح أن الجماعة لا تمتلك القدرة العسكرية على إغلاق باب المندب بصورة كاملة ومستدامة، في ظل وجود قوات يمنية في جزيرة ميون، وانتشار عسكري فرنسي وصيني وأميركي في قواعد قريبة بجيبوتي، لكنها قادرة على استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة لاستهداف السفن ورفع مستوى الأخطار في الممر. ورجح الطه أن يقابل أي تصعيد واسع برد عسكري يستهدف مواقع الجماعة وقدراتها، بما يجعل أي اضطراب محتملاً في حدود تعطيل موقت للملاحة أو تغيير بعض مسارات السفن، أكثر من كونه إغلاقاً فعلياً للمضيق.
إعادة رسم المسارات
قال رئيس قسم الأبحاث لدى شركة "إيكويتي غروب" رائد الخضر إن أهمية باب المندب تضاعفت بعد تحول البحر الأحمر إلى منفذ رئيس لصادرات الخليج، وهو ما يعني أن أي اضطراب فيه ستكون كلفته الاقتصادية أعلى من السابق حتى من دون توقف الإمدادات. وأضاف أن الأزمة قد تدفع المنتجين إلى زيادة الاعتماد على خطوط الأنابيب، وفي مقدمها خط شرق - غرب السعودي، إلى جانب إعادة توزيع الشحنات وفق مسارات بديلة، وإن كانت هذه الخيارات ترفع كلفة النقل وتحد من مرونة الإمدادات. وأشار الخضر إلى أن الأسواق أصبحت أقل قدرة على امتصاص صدمة جديدة في ظل ارتفاع كلفة الشحن والتأمين وتراجع المخزونات العالمية، وهو ما يزيد حساسية الأسعار لأي اضطراب في الممرات البحرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتدعم بيانات وكالة الطاقة الدولية هذا التقدير، إذ بقي المعروض العالمي في يونيو (حزيران) الماضي أقل بـ9.4 مليون برميل يومياً من مستويات ما قبل الحرب، فيما تراجعت مخزونات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 62 مليون برميل، بينها 44 مليوناً من الاحتياطات الحكومية.
حماية الإمدادات
وقال مستشار الطاقة في شركة "هوك" للطاقة خالد العوضي إن الدول المنتجة مطالبة بالتمسك بقراراتها ومصالحها والحفاظ على مواردها، بينما تتحمل الاقتصادات المستهلكة والقوى الكبرى مسؤولية أكبر في حماية طرق وصول النفط والغاز والبتروكيماويات. وأضاف أن الإمدادات متوافرة والأسعار معلومة، وأن الدول الكبرى والمؤسسات الدولية تملك الأدوات السياسية والعسكرية اللازمة لحماية الممرات، محذراً من دخول المنتجين في سباق لإنشاء بدائل مرتفعة الكلفة ومواجهة الجماعات المسلحة منفردين.
محدد رئيس
أثبتت الأزمة أن النفط لا يؤثر في الأسواق وهو تحت الأرض، بل عندما يعبر الممرات البحرية إلى المستهلكين.
لذلك وبينما يبقى حجم الإنتاج العامل الأكثر تأثيراً في الاتجاهات طويلة الأجل، أصبحت سلامة طرق العبور هي العامل الأسرع في تحريك الأسعار.
ومن هنا، لم يعد أمن الطاقة مرهوناً بالإنتاج وحده والذي سيظل محدداً رئيساً للأسعار على المدى الطويل، بل بمرونة شبكات التصدير وقدرتها على تجاوز نقاط الاختناق الجيوسياسية.