ملخص
تبدو قصة بحر آزوف، عند قراءتها عبر الخرائط، قصة بحر صغير. لكنها، من زاوية جيوبوليتكية، تعكس ساحة من ساحات إعادة تشكيل النظام الدولي.
في زمانه، كتب الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت يقول "إن سياسة الدول تكمن في جغرافيتها".
كان ذلك قبل ظهور مدارس الجيوبوليتك الحديثة التي ترى أن الخرائط لا تقل تأثيراً عن الجيوش، وأن من يفهم أسرارها يسهل عليه تحقيق الانتصارات.
وفي قلب الخرائط، تتزايد أهمية البحار والمضايق والأنهار بما يتجاوز كونها معالم طبيعية، إذ تتحول إلى أدوات لصناعة التاريخ.
خلال الأيام القليلة الماضية، طفا على سطح الأحداث اسم بحر يقع في شرق أوروبا. وعلى رغم صغر حجمه، بدت أهميته كبيرة، وبات مرتبطاً بإمكان نشوء أزمة سياسية جديدة تشبه، بصورة أو بأخرى، ما يجري في منطقة الخليج العربي، حيث يشكل مضيق هرمز أحد أبرز بؤر التوتر.
أين يقع بحر آزوف؟ ومن أين يستمد هذه الأهمية الاستراتيجية؟ وما الدول التي تتصارع حوله؟ وهل يمكن للخلاف بشأنه أن يصبح محوراً لتصعيد جديد في منطقة تشهد مواجهة مستمرة بين روسيا وأوكرانيا فيما تراقب قوى دولية أخرى مسار الأحداث؟
آزوف وعمليات أوكرانيا العسكرية
في 11 يوليو (تموز) الجاري، أعلن الجيش الأوكراني أنه استهدف 21 ناقلة روسية بالطائرات المسيرة في بحر آزوف خلال الليل، في إطار حملة تهدف إلى قطع إمدادات الوقود عن قوات موسكو في الأراضي التي تحتلها روسيا داخل أوكرانيا.
تبدو القصة أبعد من مجرد عملية عسكرية تتكرر يومياً في حرب دخلت عامها الخامس. فالمستهدف، وفق هذا المنظور، هو اقتصاد وموقع جغرافي وحضور روسي، بما يعني أن التصعيد يتجاوز البعد العسكري إلى أبعاد سياسية وجيوبوليتكية أوسع.
ويبقى ما قاله الجنرال شارل ديغول حاضراً "لا تتكلم عن السياسة إلا وعينك على الخريطة".
يستمد بحر آزوف اسمه من قلعة آزوف القديمة الواقعة على نهر الدون. تبلغ مساحة البحر نحو 39 ألف كيلومتر مربع، ويمتد ساحله على مسافة 2300 كيلومتر.
يقع معظم الساحل الشمالي للبحر في أوكرانيا، بينما يقع ما تبقى من الساحل الشمالي والساحل الشرقي في روسيا. ويحده من الغرب شبه جزيرة القرم، ومن الجنوب يتصل بالبحر الأسود عبر مضيق كيرتش.
يُعرف بحر آزوف بأنه أضحل بحر في العالم، وعلى مر القرون شهد تغييرات جيولوجية عميقة، وفي كل الأحوال يتمتع بتنوع بيئي لافت.
وبفضل خصائصه، تتمتع منطقة بحر آزوف بتراث ثقافي يعود إلى العصور القديمة. وتضم المنطقة حصوناً من القرون الوسطى وآثاراً وقرى تاريخية تشير إلى استيطانها منذ آلاف السنين.
ويلعب بحر آزوف دوراً مهماً في اقتصاد المنطقة، وتعد موانئ تاغانروغ وبيرديانسك وماريوبول مراكز تجارية حيوية.
آزوف وصراعات سياسية وعسكرية
تاريخياً، كان البحر سبباً في تنافس وصراعات، ودارت حوله مواجهات مسلحة. وخلال حرب القرم (1853-1856)، جرت حملة عسكرية على بحر آزوف. وفي الفترة بين مايو (أيار) ونوفمبر (تشرين الثاني) عام 1855، دارت معركة بحرية وبرية بين القوات البحرية البريطانية والفرنسية المتحالفة ضد روسيا.
وفي محاولة لدرء خطر الصراعات أو نشوب حروب جديدة، اتفقت أوكرانيا وروسيا في ديسمبر (كانون الأول) عام 2003 على معاهدة تعتبر البحر ومضيق كيرتش مياهاً داخلية مشتركة، غير أن هذا الوضع تغير لاحقاً بعد استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم عام 2014.
وفي سبتمبر (أيلول) عام 2018، أعلنت أوكرانيا عزمها على تعزيز وجودها البحري بقوات إضافية على طول ساحل بحر آزوف، مع تمركز في بيرديانسك.
ويعد التحكم في الساحل الغربي للبحر أمراً حيوياً لاقتصاد أوكرانيا، وأيضاً ذو أهمية استراتيجية لروسيا، كونه طريقاً برياً إلى شبه جزيرة القرم، فضلاً عن كونه ممراً لحركة الملاحة البحرية الروسية.
وبحلول ديسمبر عام 2021، تصاعد التوتر مجدداً، وأعلنت البحرية الأوكرانية أن روسيا أغلقت ما يقرب من 70 في المئة من بحر آزوف، وأصدرت تحذيرات ملاحية، ظاهرياً لإجراء تدريبات مدفعية في البحر "بالقرب من ماريوبول وبيرديانسك".
وأثار ذلك مخاوف من غزو روسي محتمل، لا سيما بعد بدء روسيا حشد عشرات آلاف الجنود قرب الحدود الجنوبية - الشرقية لأوكرانيا، وإطلاقها حملة دعائية ضد حكومة كييف.
وفي سياق متصل، استولت روسيا على ثلاث سفن عسكرية أوكرانية أثناء محاولتها عبور المضيق، وأسرت 24 بحاراً أطلق سراحهم لاحقاً بعد أشهر من المفاوضات.
وفي 24 فبراير (شباط) عام 2022، بدأت القوات الروسية قصف ماريوبول إيذاناً ببدء الغزو الروسي لأوكرانيا. وبحلول مايو، ومع انتهاء حصار ماريوبول، سيطرت روسيا سيطرة كاملة على المدينة، وقطعت وصول أوكرانيا إلى البحر عبر سيطرتها على كامل شمال بريازوفيا.
الاستراتيجية الروسية لبحر آزوف
لفهم الوضع الراهن، لا بد من النظر إلى الرؤية الروسية للاستراتيجية البحرية ومكانة بحر آزوف منذ عام 1991.
قبل فلاديمير بوتين، لم تولِ القيادة الروسية اهتماماً كبيراً للقوات البحرية. لكن عام 2000، وهو العام نفسه الذي تولى فيه بوتين السلطة، طرحت روسيا وثيقة "الاستراتيجية البحرية الروسية" التي سلطت الضوء على اهتمام الكرملين ببحر آزوف والبحر الأسود.
شارك بوتين في صياغة الوثيقة التي اعتبرت أن هذه البحار، إلى جانب بحر البلطيق وبحر قزوين، ذات أهمية بالغة للمصالح الوطنية الروسية. وفي ما يتعلق ببحر آزوف، اقترحت روسيا تصنيفه مياهاً داخلية باعتباره النهج الأنسب لتحقيق المصالح الوطنية.
وهنا يبرز سؤال: هل كانت موسكو تسعى إلى حل أزمة بحر آزوف والبحر الأسود؟ أم كانت لديها أهداف أخرى؟
ومع عودة موسكو إلى نهج الاتحاد السوفياتي القديم في محاولة تحويل البحار الجنوبية إلى "بحار داخلية"، سعت روسيا إلى إرساء نظام يمنع دخول أي سفينة حربية تابعة لدولة غير مطلة على بحر آزوف إلى هذه البحار.
وعام 2003، قال الرئيس الروسي إن حوض آزوف والبحر الأسود منطقة بالغة الأهمية لروسيا من الناحيتين العسكرية والبيئية.
وفي هذا الإطار، وقع بوتين وثيقة بعنوان "خطة التعاون بين الوزارات والهيئات لمعالجة البعثات الدبلوماسية والعسكرية في منطقة بحر آزوف والبحر الأسود".
حُجب النص عن العامة، لكن هدفه المعلن كان تقديم استراتيجية روسية شاملة للمنطقة وتحديث الموانئ والمرافق البحرية.
وبحسب بوتين، تخضع قضية بحر آزوف لمفاوضات شاقة وجهود مضنية لحل المشكلات المتعلقة بالوضع القانوني للحدود وأنظمة المضايق والجوانب القانونية لاستخدام المياه وموارد البحرين الأسود وآزوف.
وعلاوة على ذلك، وقع بوتين مرسوماً بشأن إنشاء قاعدة لأسطول البحر الأسود في نوفوروسيسك.
وفي ذلك الوقت، اعتبر بعض الخبراء والسياسيين الغربيين، وكذلك الأوكرانيون، أن ذلك تراجع من جانب روسيا عن طموحاتها، لكن بوتين أكد أن الأمر ليس دليلاً على التراجع، وأن سيفاستوبول ستظل قاعدة رئيسة لأسطول البحر الأسود الروسي.
وشدد بوتين خلال اجتماع على سبب عدم اهتمام الكرملين سابقاً ببحر آزوف قائلاً "لفترة طويلة، ركز العديد من الوزارات والإدارات على بحر قزوين. أعتقد أن الوقت قد حان الآن لمعالجة مشكلات حوض بحر آزوف والبحر الأسود".
عن النظرة الأوكرانية لبحر آزوف
لم تكن أوكرانيا بعيدة من النوايا الروسية. وعام 2016، رفعت أوكرانيا دعوى ضد روسيا أمام محكمة تحكيم مشكلة بموجب الملحق السابع من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بشأن حقوق الدول في البحر الأسود وبحر آزوف ومضيق كيرتش، لحماية حقوقها في تلك المناطق.
وفي نوفمبر عام 2018، تورطت ثلاث سفن حربية أوكرانية كانت تحاول عبور مضيق كيرتش في أعمال عدائية مع روسيا، ما دفع المحكمة الدولية لقانون البحار إلى النظر في الوضع.
ومع تجدد الأعمال العدائية في فبراير عام 2022، علقت روسيا الملاحة في بحر آزوف، واليوم تسيطر روسيا سيطرة كاملة على الأراضي المحيطة بالبحر.
وتختلف روسيا مع أوكرانيا في وجهات نظرهما حول الوضع القانوني لمياه بحر آزوف. ترى روسيا أن بحر آزوف تاريخياً يقع ضمن المياه الداخلية، وهو موقف يرتبط بإجراءات التقاضي الجارية بموجب الملحق السابع لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وقد ورد هذا الرأي في المادة الأولى من معاهدة عام 2003، التي تنص على أن بحر آزوف ومضيق كيرتش هما تاريخياً مياه داخلية تابعة لروسيا وأوكرانيا.
في المقابل، يؤكد موقف أوكرانيا، الوارد في بيانها الافتتاحي لجلسات الاستماع أمام محكمة الملحق السابع لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في سبتمبر عام 2024، انطباق الاتفاقية. ووفقاً لكييف، فإنه منذ تفكك الاتحاد السوفياتي لم يعد بحر آزوف يُعد مياهاً داخلية، بل أصبح بحراً شبه مغلق يتمتع بمياه إقليمية ومناطق اقتصادية خالصة، وبناء على ذلك، يجب اعتبار مضيق كيرتش مضيقاً دولياً.
وترى أوكرانيا أن المضيق يربط بين المناطق الاقتصادية الخالصة لبحر آزوف والبحر الأسود، ويُستخدم للملاحة الدولية، لذلك ينطبق حق المرور العابر الذي يسمح للسفن بالمرور وفق شروط هذا النظام.
ويتراجع موقف أوكرانيا عن معاهدة عام 2003، لكن يبدو أن كلاً من روسيا وأوكرانيا نددتا بهذه المعاهدة. فمن وجهة نظر روسيا، فإن المقاطعات الشرقية وشبه جزيرة القرم انضمت إلى روسيا، وبالتالي فإن البحر وسواحله ملك للاتحاد الروسي وحده. كذلك يُزعم أن روسيا بدأت أيضاً في سن تشريع وطني يُعرّف بحر آزوف بأكمله على أنه مياه داخلية روسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبغض النظر عن اختلاف المواقف بشأن الوضع القانوني، تعرضت حقوق أوكرانيا في حصتها من بحر آزوف لضغوط متزايدة منذ الهجوم الروسي الشامل في فبراير عام 2022.
من حيث المبدأ، تنبع الحقوق البحرية من سيادة الدولة على أراضيها. وينص مبدأ "سيادة الأرض على البحر"، كما ورد في حكم محكمة العدل الدولية عام 1969 في قضايا الجرف القاري لبحر الشمال، على أن تحديد المطالبات البحرية يبدأ بتحليل حدود الأراضي. وقد يؤدي فقدان أوكرانيا مناطقها الساحلية المطلة على بحر آزوف إلى تراجع مطالباتها البحرية، ما قد يعزز موقف روسيا بشأن الوضع القانوني للبحر.
هل العالم في مواجهة هرمز آسيوي جديد؟
بحر آزوف وعودة حروب الجغرافيا
في هذا السياق يبرز سؤال: هل كان الصراع حول بحر آزوف نتيجة الحرب الروسية - الأوكرانية؟ أم أن الحرب نفسها كانت إحدى إفرازات الصراع على الجغرافيا التي لا تصنع الأحداث مباشرة لكنها ترسم حدود حركة السياسة والقوة؟
للإجابة، يمكن العودة إلى ما طرحه الأدميرال الأميركي ألفريد ماهان (1840-1914)، أحد أبرز منظري القوة البحرية في العصر الحديث، في كتابه "تأثير القوة البحرية في التاريخ".
يرى ماهان أن الدول التي تسيطر على البحار لا تحمي سواحلها فحسب، بل تفرض نفوذها السياسي والاقتصادي على العالم. واستشهد بتجربة الإمبراطورية البريطانية التي استمدت نفوذها من السيطرة على خطوط الملاحة والموانئ والمضايق.
وبإسقاط هذه الرؤية على ما يجري في بحر آزوف، تبدو موسكو أنها لا تنظر إلى السيطرة على ماريوبول أو مضيق كيرتش بوصفها مكاسب تكتيكية، بل عناصر في مشروع أوسع يهدف إلى ضمان الهيمنة على المجال البحري المحيط بشبه جزيرة القرم وتأمين طريق الإمداد إلى البحر الأسود.
من جهة ثانية، تبدو السيطرة على مياه بحر آزوف عاملاً في تعزيز الحضور الاقتصادي الروسي، إذ إن السيطرة على المسارات البحرية تتيح مساحة أوسع لحركة التجارة، لا سيما صادرات الحبوب. وفي المقابل، تسهم القوة البحرية الروسية في تقليص خيارات التجارة الأوكرانية، لا سيما في ما يتعلق بالمعادن.
وتبقى أفكار ماهان حاضرة في الإشارة إلى أن السيطرة البحرية لا تتمثل في امتلاك السفن فحسب، بل في القدرة على تنظيم حركة التجارة أو تعطيلها، وفرض وقائع سياسية من خلال التحكم في طرق النقل البحري.
أوكرانيا وإغلاق ممر مائي رئيس
أثارت تطورات الأيام الماضية تساؤلاً حول ما إذا كانت قبضة روسيا على بوابتها البحرية إلى البحر الأسود بدأت تضعف، لا سيما بعد ضربات الطائرات المسيرة التي أدت إلى تعطيل حركة المرور عبر ممر مائي رئيس، ما حدّ من قدرة الكرملين على التجارة.
وتشير الوقائع إلى تحول في مستوى الضغط على خطوط السيطرة الروسية في بحر آزوف، الذي ظل سنوات بعيداً من قدرة كييف على التأثير المباشر فيه، ما أتاح لروسيا هامشاً للتحرك وربط مناطق من جنوبها بمسارات بحرية أوسع.
في هذا الإطار، نقل عن روبرت بروفدي قائد القوات الأوكرانية للطائرات المسيرة قوله إن كييف ضربت 116 سفينة روسية في بحر آزوف، في إشارة إلى تصاعد قدرات أوكرانيا على إلحاق ضرر أكبر بروسيا.
في الوقت نفسه، حققت أوكرانيا نجاحاً متزايداً في استهداف أسطول ناقلات النفط الروسية غير الرسمي الذي ينقل وقوداً خاضعاً للعقوبات.
ووفق قراءة لمعهد دراسة الحرب، وهو منظمة مراقبة للنزاعات مقرها الولايات المتحدة، الثلاثاء 14 يوليو الحالي، فإن الضربات الأوكرانية في بحر آزوف تمثل مرحلة جديدة في جهود أوكرانيا لعزل شبه جزيرة القرم عن شبكة الخدمات اللوجستية الروسية وتعطيل طرق الشحن البحري الروسية، خصوصاً لمنتجات النفط والحبوب.
يطرح ذلك سؤالاً آخر: هل تعيد هذه التطورات قضية بحر آزوف إلى دائرة صراع أوسع من إطار روسيا وأوكرانيا؟
بحسب الجغرافي الاستراتيجي البريطاني هالفورد ماكيندر، كانت الأولوية لليابسة، إذ اعتبر أن الكتلة الأوراسية تمثل مركز القوة العالمية، وأن من يسيطر على هذا القلب يمتلك فرصاً أكبر للتأثير في النظام الدولي.
وعلى رغم أن بحر آزوف لا يقع داخل قلب أوراسيا بالمعنى الجغرافي الضيق، فإنه يمثل إحدى بوابات هذا القلب. فروسيا ترى أن أوكرانيا ليست مجرد دولة مجاورة، بل عمق استراتيجي يفصلها عن أوروبا، وأن فقدان النفوذ فيها يعني انكشاف المجال الروسي أمام الغرب.
من هذا المنطلق، يتحول بحر آزوف إلى أكثر من بحر داخلي، إذ يُنظر إليه بوصفه معبراً بين اليابسة والبحر، وبين الأمن الروسي والانفتاح الأوروبي.
بالانتقال إلى المفكر الأميركي نيكولاس سبايكمان (1893-1943)، الذي ارتبط اسمه بمفهوم "الاحتواء"، تتقدم فكرة "حافة اليابسة" باعتبارها أكثر حسماً من قلب العالم.
من خلال هذا المنظور، يصبح بحر آزوف جزءاً من صراع أوسع على الحافة الأوراسية. فروسيا تسعى إلى ترسيخ نفوذها في هذا الفضاء، بينما يعمل الغرب عبر توسيع حلف شمال الأطلسي وتعزيز حضوره في أوروبا الشرقية على منع موسكو من الانفراد بالهيمنة.
بحر آزوف وحركة التجارة العالمية
هل ستتأثر حركة التجارة العالمية، لا سيما القمح، بما يجري في منطقة بحر آزوف؟
بحسب أندريه سيزوف، وهو محلل في أسواق المنتجات الزراعية في البحر الأسود، يتم شحن نحو ربع صادرات القمح الروسية عبر بحر آزوف، مضيفاً "يمثل البحر الأسود بالنسبة لسوق القمح ما يمثله الخليج العربي بالنسبة لسوق النفط الخام. فالبحر الأسود أكبر مورد للقمح إلى الأسواق العالمية، وإذا استمر الوضع على هذا النحو فقد تصل خسائر اقتصاد روسيا إلى مليارات الدولارات".
وتقدر وزارة الزراعة الأميركية صادرات روسيا من القمح بنحو 47.5 مليون طن خلال موسم 2026-2027. وبحساب تقريبي، فإن الحصة التي تمرّ عبر منطقة آزوف تقدر بنحو 11.9 مليون طن سنوياً، أي ما يعادل نحو 88 في المئة من إجمالي واردات القمح المتوقعة لدولة مثل مصر، خلال الموسم نفسه.
وتتركز المخاوف في ارتفاع تكاليف التأمين على شحنات القمح الروسية، ما قد يرفع أسعارها عالمياً، إضافة إلى احتمال تأخر وصولها، ما يضغط على أسواق الحبوب الدولية.
جغرافية المياه وحروب المستقبل
حتى وقت قريب، انصب الحديث على فكرة حروب المياه العذبة والصراع عليها، واليوم تبرز فكرة "الماء السياسي" المرتبطة بصراعات الجغرافيا بين الأقطاب الدولية.
تكشف أزمة بحر آزوف أن الجغرافيا لم تفقد مكانها في عصر التكنولوجيا، بل ازدادت أهمية. فما زالت الدول تخوض صراعات من أجل الموانئ والممرات البحرية، وإن بأدوات القرن الـ 21.
كذلك لم تعد المضايق والبحار والأنهار مجرد حقائق على الخرائط أو طرقاً للسفن، بل تحولت إلى مسارات للنفوذ والقوة، وللتجارة والطاقة والغذاء.
وفي الخلاصة، تبدو قصة بحر آزوف، عند قراءتها عبر الخرائط، قصة بحر صغير. لكنها، من زاوية جيوبوليتكية، تعكس ساحة من ساحات إعادة تشكيل النظام الدولي.