Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الليبيون بين ثروات نفطية ضخمة وواقع معيشي صعب

تمتلك بلادهم أكبر احتياط نقدي في أفريقيا بـ87.9 مليار دولار لكن تغيب الكهرباء والمياه والخدمات وتتفاقم البطالة

حجم الاحتياطات الأجنبية لا يكفي وحده لتحقيق التنمية، كما يرى المتخصصون (مواقع التواصل الاجتماعي)

ملخص

المشكلة في ليبيا ليست في نقص الموارد، وإنما في كيفية إدارتها وتوجيهها، فليبيا تمتلك احتياطات نقدية كبيرة وإيرادات نفطية مرتفعة، لكن مع ذلك ما زال المواطن يواجه تحديات في الكهرباء والصحة والبنية التحتية والسيولة.

في وقت تتصدر فيه ليبيا الدول الأفريقية بأكبر احتياط نقدي أجنبي، يبلغ 87.9 مليار دولار لعام 2025، متقدمة على جنوب أفريقيا، التي احتلت الترتيب الثاني، والجزائر في المرتبة الثالثة بـ52 ملياراً، والمغرب خامساً بـ48.6 ملياراً، ثم تونس بـ8.8 مليار، وموريتانيا بـ2.1 مليار دولار، وفقاً لتقرير بنك التصدير والاستيراد الأفريقي "أفريكسمبانك"، لا يزال المواطن الليبي يصارع ثقل الأزمات، فالكهرباء تنقطع باستمرار والمياه هي الأخرى غير مستقرة والبنية التحتية متهالكة، ومؤشرات الفقر في تزايد. 

تحت خط الفقر 

تؤكد دراسة تحليلية على الاقتصاد الليبي صادرة عن جامعة مصراتة عام 2025، أن 43 في المئة من الليبيين (7 ملايين نسمة)، تحت خط الفقر لتصبح بذلك ليبيا الأعلى بين دول شمال أفريقيا، والـ112 عالمياً من جهة معاناة السكان من نقص التغذية، إذ يعاني 14 في المئة، من شعبها نقص وسوء التغذية.

ويقول البنك الدولي إن معدل البطالة الإجمالي في ليبيا وصل إلى 18.6 في المئة من إجمال القوى العاملة، إذ يوضح آخر تحليلات البنك الدولي الصادرة عام 2023 إلى أن هذه النسبة تصنف ليبيا ضمن أعلى الدول في المنطقة على مستوى البطالة، في حين ترتفع نسبة بطالة الشباب لتصل إلى مستويات تقارب 50 في المئة بين الفئة العمرية (15-24 سنة).

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن غالبية القوى العاملة (أكثر من 85 في المئة) تعتمد على القطاع العام، مما يعكس ضعف مساهمة القطاع الخاص ومحدودية الوظائف المتاحة خارج الدولة، وكلها معطيات محلية ودولية تطرح تساؤلات حول مسببات الفجوة بين هذا الاحتياط النقدي الأجنبي والواقع المعيشي لليبيين.

ويقول الاقتصادي شعيلي حافظ إن امتلاك ليبيا احتياطاً من النقد الأجنبي يبلغ نحو 87.9 مليار دولار يمثل نقطة قوة مهمة للاقتصاد الوطني، لأنه يعكس متانة المركز المالي الخارجي للبلد ويمنح مصرف ليبيا المركزي قدرة أكبر على الوفاء بالالتزامات الخارجية وتمويل الواردات.

ويستدرك أن ارتفاع الاحتياط النقدي الأجنبي ليس مؤشراً كافياً على قوة الاقتصاد أو مستوى رفاهية المواطنين، ففي الحال الليبية يعود الجزء الأكبر من هذا الاحتياط إلى الإيرادات النفطية، أي إنه يعكس قوة القطاع النفطي أكثر مما يعكس تنوع الاقتصاد أو كفاءة الإنتاج المحلي أو ارتفاع مستوى عيش المواطن الليبي.

أزمة إدارة الموارد 

يرى الاقتصادي في حديثه مع "اندبندنت عربية" أن الاحتياط النقدي الأجنبي يمثل "وسادة أمان مالية" تحمي الاقتصاد من الصدمات الخارجية، لكنه لا يحقق التنمية أو يحسن مستوى المعيشة ما لم يستثمر ضمن تكامل بين السياسة النقدية والسياسة المالية وإصلاحات اقتصادية وهيكلية فعالة.

وبخصوص عدم انعكاس هذه القوة المالية على حياة المواطن، يلفت شعيلي إلى أن المشكلة في ليبيا ليست في نقص الموارد، وإنما في كيفية إدارتها وتوجيهها، فليبيا تمتلك احتياطات نقدية كبيرة وإيرادات نفطية مرتفعة، لكن مع ذلك ما زال المواطن يواجه تحديات في الكهرباء، والصحة، والبنية التحتية، والسيولة، وغيرها من الخدمات الأساسية بسبب مجموعة من التحديات، أبرزها استمرار الانقسام المؤسسي، وضعف كفاءة الإنفاق العام، والاعتماد شبه الكامل على النفط، وعدم التناغم بين السياسات الاقتصادية، إضافة إلى أن جانباً كبيراً من الإنفاق العام يذهب إلى المصروفات الجارية أكثر من توجيهه إلى الاستثمار والتنمية.

ويرى المستشار السابق لمصرف ليبيا المركزي، خالد الهباوي، أن تصدر ليبيا الدول الأفريقية من جهة حجم الاحتياط النقدي الأجنبي مؤشر إيجابي كان من المفترض أن ينعكس على الواجهة الاقتصادية للدولة وعلى مستوى رفاهية المواطنين، غير أن ذلك يتطلب إصلاحات اقتصادية عميقة وفق وصفه. 

ويشير الهباوي إلى أن ارتفاع أسعار النفط خلال الأزمات الدولية الأخيرة على غرار أزمة مضيق هرمز والحرب الروسية - الأوكرانية، لم ينعكس بصورة ملموسة على حياة الليبيين على رغم محدودية عدد السكان (7 ملايين نسمة) مقارنة بحجم الإيرادات النفطية البالغة عام 2025، نحو 99.6 مليار دينار ليبي (18.3 مليار دولار)، مرجعاً ذلك إلى الاعتماد على النفط، وغياب المشاريع التنموية، وضعف القطاع الخاص، إضافة إلى الفساد والبيروقراطية الإدارية، وهي عوامل حالت دون تحويل العائدات النفطية وحجم النقد الأجنبي إلى تنمية يشعر بها المواطن.

يضيف أن ضعف الإنفاق على مشاريع التنمية مقابل التركيز على الرواتب ودعم المحروقات، إذ تقدر كلفة دعم المحروقات والطاقة في ليبيا بنحو 14 إلى 16 مليار دولار سنوياً (ما يناهز 70 إلى 120 مليار دينار ليبي تقريباً)، وهذه الفاتورة تأتي على نحو 35 في المئة إلى 40 في المئة من إجمال الناتج المحلي لليبيا الذي بلغ نحو 52.45 مليار دولار، أي نحو 390.4 مليار دينار ليبي وفقاً لإحصاءات صندوق النقد الدولي لعام 2026، فضلاً عن الانقسام السياسي ووجود حكومتين وموازنتين واحدة في الغرب والأخرى بالشرق الليبي، مما أثر في كفاءة إدارة الموارد العامة.

الانقسام السياسي 

يقول المحلل السياسي وسام عبدالكبير إن الانقسام السياسي والمؤسساتي أسهم في تعطيل الاستفادة من هذه الثروة المالية، مضيفاً أنه مع تعدد المؤسسات الموازية وغياب السلطة الموحدة يصعب وضع خطط استثمارية وتنموية للاستفادة من الاحتياط النقدي.

ويؤكد أن الصراع على السلطة هو انعكاس للصراع على إدارة الثروات والإيرادات ، سواء على مستوى الأطراف الرئيسة المتصارعة، أو على مستوى التنافس والاختلاف بين الأقاليم والمناطق في ليبيا، لافتاً إلى أن الحل الاقتصادي للأزمة في ليبيا يجب أن يسير بخط متواز مع الحل السياسي.

ويشير عبدالكبير إلى أنه مع وجود الفوارق التنموية والتهميش المناطقي لن يكون هناك استقرار حقيقي في البلاد، معتبراً أن كل الحلول المطروحة لمعالجة الأوضاع الاقتصادية هي عبارة عن مسكنات تنتهي في أشهر معدودة، ويقول إنه ما لم تكن هناك مؤسسات أمنية وسياسية ومالية موحدة فإن فرص نجاح الاصلاح الاقتصادي تكاد تكون معدومة.

انتهاكات

تؤكد الحقوقية مونا توكا أن سوء إدارة الثروة والموارد في ليبيا يعد انتهاكاً لحق المواطن في التنمية والعيش الكريم، باعتبار أن الحق في التنمية لا يعني مجرد امتلاك الدولة للثروات بل قدرة المواطن على جني ثمارها، منوهة بأن الحال الليبية المفارقة لا تتمثل في ندرة الموارد وإنما في اتساع الفجوة بين حجم الثروة ومستوى معيشة المواطنين.

وتنوه بأن المشكلة ليست اقتصادية فقط بل هي قضية حقوق إنسان، لأنه بينما تمتلك الدولة احتياطات مالية ضخمة يعاني المواطن تدهور الخدمات الأساسية وارتفاع كلفة المعيشة وضعف البنية التحتية والبطالة.

وتقول الحقوقية الليبية إن سوء إدارة الموارد يرقى إلى انتهاك للحق في التنمية والعيش الكريم، إذ أدى إلى حرمان المواطنين من الاستفادة العادلة من ثروات بلادهم، فالدولة لا تقاس بقدرتها على تحصيل الإيرادات وإنما بمدى التزامها بتحويلها إلى تعليم وصحة وسكن وفرص عمل وحماية اجتماعية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتوضح أن الإشكالية في ليبيا تكمن في أن الثروة أصبحت تدار في بيئة يغيب عنها الاستقرار المؤسسي والشفافية والمساءلة، مما أدى إلى توجيه جزء كبير من الموارد نحو إدارة الأزمات والصراع السياسي والعسكري بدلاً من الاستثمار في الإنسان والتنمية المستدامة، لذلك فإن استمرار هذا النمط من الإدارة لا يحرم المواطن من تحسين مستوى معيشته فحسب إنما يمس أحد أهم حقوقه الأساسية، وهو حقه في أن تكون الثروة الوطنية وسيلة لتحقيق كرامته.

ضعف المحاسبة 

وفي ما يتعلق بمن يتحمل مسؤولية إهدار هذه الإمكانات المالية، تشير توكا إلى أنه لا يمكن اختزال المسؤولية في حكومة بعينها، لأن الأزمة تراكمية ومتشابكة لكنها تبدأ من كل سلطة تتولى إدارة المال العام أو تتخذ قرارات تؤثر في الموارد العامة سواء كانت هذه القرارات تنفيذية أو تشريعية أو رقابية، كما تمتد إلى كل جهة أخفقت في ممارسة دورها في الرقابة والمساءلة أو سمحت باستمرار الإنفاق من دون شفافية أو محاسبة.

وترى أن الإشكال الحقيقي في ليبيا يتمثل في ضعف منظومة المحاسبة، فعند غياب المساءلة الفعالة وبقاء تقارير الأجهزة الرقابية كديوان المحاسبة وجهاز مكافحة الفساد من دون آثار قانونية حقيقية يتحول الإفلات من المحاسبة إلى جزء من بنية إدارة الدولة، مما يقوض مبدأ سيادة القانون ويجعل الحق في التنمية حقاً نظرياً أكثر منه واقعاً ملموساً.

وتؤكد توكا أن الثروة الوطنية ليست ملكاً للحكومات أو للنخب السياسية بل ملك للشعب، وكل إدارة لا توظف هذه الثروة لتحقيق رفاهية المواطنين والحد من الفقر والبطالة وتحسين الخدمات الأساسية أو تسمح بهدرها من دون مساءلة، تكون قد أخلت بواجبها الدستوري والقانوني في حماية حقوق المواطنين وضمان الانتفاع العادل بالموارد العامة للدولة.

الإصلاحات 

في ما يتعلق بالإصلاحات الضرورية لضمان انعكاس ثروة ليبيا النقدية على حياة المواطنين، يطالب المستشار السابق لمصرف ليبيا المركزي خالد النبهاوي بالابتعاد عن الاقتصاد الريعي القائم على النفط، وتوجيه موارد الدولة نحو صناديق استثمارية، إلى جانب دعم القطاع الخاص باعتباره رافداً أساساً للاقتصاد.

ومن جهته يقول الاقتصادي والمالي شعيلي حافظ إن الاقتصاد الليبي يحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة، وليس مجرد إصلاحات جزئية، وذلك من خلال تنويع مصادر الدخل الوطني وإعادة توجيه الإنفاق العام نحو الاستثمار في البنية التحتية، والكهرباء، والصحة، والتعليم، والمشروعات الإنتاجية وتعزيز التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية لتحقيق استقرار الاقتصاد الكلي.

ويشير إلى أهمية تعزيز الحوكمة والشفافية والرقابة على المال العام، وربط الإنفاق بمؤشرات الأداء والنتائج وتحسين بيئة الاستثمار بما يسهم في خلق فرص عمل وتحقيق نمو مستدام، مؤكداً أن استكمال الإصلاحات المصرفية والتوسع في التحول الرقمي من شأنه أن يسهم في معالجة أزمة السيولة، وتقليص الاقتصاد النقدي، وتحسين كفاءة المدفوعات.

ويرى شعيلي أن القوة الحقيقية لأي اقتصاد لا تقاس فقط بحجم الاحتياطات أو الإيرادات، وإنما بقدرته على تحويل هذه الموارد إلى تنمية مستدامة، وخدمات عامة ذات جودة، وبنية تحتية حديثة، واقتصاد متنوع قادر على خلق فرص العمل وتحقيق الاستقرار.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات