Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مغاربة في الحرب الأوكرانية... دوافع ومصائر متباينة

الخيارات الشخصية تصطدم بواقع ميداني بالغ الخطورة يتجاوز حدود الحماسة الأولية

يرى محللون أن انخراط بعض الشباب المغاربة في صفوف الجيش الأوكراني ينبع من اختيارات شخصية وقرارات فردية مستقلة، في ظل التزام الدولة بتبني موقف متوازن ومحايد حيال هذه الحرب (أ ف ب)

ملخص

شبان مغاربة يعودون من جحيم الحرب الأوكرانية... فما أبعاد القرارات الفردية والتعقيدات القانونية؟

غادر، في الأسابيع الأخيرة، شبان مغاربة من المتطوعين الأجانب جبهات القتال في أوكرانيا، التي تخوض حرباً ضروساً مع روسيا منذ سنوات، بعد أن أنهوا تعاقداتهم العسكرية بموافقة قياداتهم على أرض الميدان، حاملين معهم "ذكريات الحرب" واضطرابات نفسية وأعطاباً جسدية.

ويرى محللون أن انخراط بعض الشباب المغاربة في صفوف "الفيلق الدولي للدفاع عن أوكرانيا" أو الجيش الأوكراني، أو حتى من الجانب الروسي، ينبع من اختيارات شخصية وقرارات فردية مستقلة، في ظل التزام الدولة المغربية بتبني موقف متوازن ومحايد حيال هذه الحرب.

ويتم تجنيد شباب مغاربة للمشاركة في الحرب الروسية- الأوكرانية من طرفي النزاع معاً، إذ تشير تقارير استخباراتية وإعلامية إلى انخراطهم عبر آليات مختلفة تتراوح بين التجنيد الإجباري، والتعاقد الطوعي، والاستغلال من قبل شبكات تهريب البشر.

قصة "الفراشة"

غادر شاب مغربي يحمل اسماً حركياً هو "الفراشة" أخيراً جبهات القتال في أوكرانيا، بعد مرور ثلاث سنوات على التحاقه متطوعاً بما يسمى "الفيلق الدولي للدفاع عن أوكرانيا"، وهو وحدة عسكرية رسمية تابعة للقوات المسلحة الأوكرانية، تأسست في فبراير (شباط) 2022 لدمج المتطوعين الأجانب الراغبين في مساعدة الجيش الأوكراني.

وسلطت مجلة "جون أفريك" الفرنسية أخيراً الضوء على المسار المثير لهذا الشاب، الذي انتقل من حياة صعبة في شوارع الدار البيضاء إلى تشغيل طائرات مسيرة هجومية ضمن إحدى الوحدات العسكرية الأوكرانية، في رحلة تتقاطع فيها الهجرة غير النظامية، والتشرد، والاندماج في أوروبا، والحرب، والتكنولوجيا الحديثة.

نشأ هذا الشاب المغربي في ظروف اجتماعية صعبة داخل أسرة فقيرة، وعاش مرحلة من الهشاشة الاجتماعية انتهت بخروجه إلى الشارع، حيث اكتسب لقب "الفراشة" بسبب تنقله الدائم وخفة حركته، قبل أن يغادر المغرب، وهو لا يزال قاصراً، صوب أوروبا بحثاً عن مستقبل أفضل.

وشرع "الفراشة" في فرنسا في محاولة بناء حياة جديدة، حيث تعلم "لغة موليير"، واستفاد من برامج الإدماج، وحاول بناء مستقبل بعيد من حياته الماضية القاسية، غير أنه ظل يشعر بعدم الاستقرار والبحث عن معنى لحياته، إلى أن اندلعت الحرب الروسية- الأوكرانية، التي غيرت مسار حياته بالكامل.

وقرر الشاب السفر إلى أوكرانيا عام 2023 للانضمام متطوعاً أجنبياً إلى الجيش الأوكراني، إذ اشتغل ضمن وحدات المشاة، وشارك في معارك عنيفة، بخاصة في منطقة تشاسيف يار شرق البلاد، لكن خبرته السابقة في التعامل مع الأجهزة الإلكترونية والطائرات الصغيرة لفتت انتباه المسؤولين العسكريين، فتم تحويله إلى برنامج متخصص في تشغيل الطائرات المسيّرة، وتحديداً طائرات FPV الانتحارية، وهي من أكثر الأسلحة استخداماً في الحرب الأوكرانية.

وبعد أن انضم إلى لواء "آزوف" وشارك في 39 مهمة قتالية، ارتأى الشاب المغربي مغادرة جبهات القتال في أوكرانيا بعد موافقة قياداته العسكرية، جارّاً معه ضغوطاً نفسية وأمراضاً مزمنة في الظهر بسبب حمل المعدات العسكرية لفترات زمنية طويلة.

تسهيلات واختيارات

ليس "الفراشة" الشاب المغربي الوحيد الذي انضم إلى جبهات القتال في أوكرانيا، حيث سبقه آخرون اختاروا هذا المسار، إما تطوعاً، خصوصاً في بدايات الحرب ضد روسيا، أو ضمن التجنيد الإجباري بالنسبة للمغاربة المتزوجين من أوكرانيات أو الحاصلين على الإقامة الدائمة، أو بسبب الاستغلال من طرف شبكات تهريب البشر.

وفي الجهة المقابلة أيضاً، عمد الجيش الروسي إلى تجنيد العديد من الشباب، من بينهم طلبة ومهاجرون مغاربة كانوا موجودين بهدف الدراسة أو العمل في روسيا، ودفع بهم إلى جبهات القتال، ومنهم من وقع في الأسر، وفق ما سبق أن أعلنته هيئة التنسيق الأوكرانية لشؤون معاملة الأسرى.

يقول، في هذا السياق، أستاذ العلاقات الدولية محمد بنطلحة الدكالي، إن الانضمام إلى الجيش الأوكراني، أو إلى الفيلق الدولي للدفاع عن أوكرانيا، لا يقتصر على المواطنين المغاربة، بل يظل خياراً متاحاً أمام الراغبين من مختلف الجنسيات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح أن وزارة الخارجية الأوكرانية أطلقت موقعاً إلكترونياً يتيح للأجانب الاطلاع على شروط وإجراءات الالتحاق بالفيلق الدولي، في إطار الدعوة التي وجهها الرئيس الأوكراني، في 27 فبراير (شباط) 2022، لمواطني الدول الأجنبية من أجل الانضمام إلى هذا التشكيل العسكري.

وأضاف أن المتطوعين يستفيدون من تسهيلات متعددة، من بينها الإعفاء من التأشيرة الأوكرانية، فضلاً عن تأطير قانوني ينظم خدمتهم العسكرية، وذلك وفقاً للمقتضيات المنصوص عليها في المرسوم الرئاسي رقم 248 الصادر في 10 يونيو (حزيران) 2016، والمتعلق بالخدمة العسكرية للمواطنين الأجانب وعديمي الجنسية في القوات المسلحة الأوكرانية.

وأكد الدكالي أن انضمام بعض المغاربة إلى الفيلق الدولي لا يحمل، في حد ذاته، أبعاداً هوياتية أو دينية أو أيديولوجية، وإنما اكتسب اهتماماً إعلامياً بسبب المسار غير المألوف للشاب المغربي "الفراشة"، الذي برز اسمه على نطاق واسع خلال الحرب.

تصورات فردية

من جهته، أفاد الباحث في الشأن الأمني والاستراتيجي محمد الطيار بأن انخراط بعض الشباب المغاربة في صفوف الفيلق الدولي أو الجيش الأوكراني يندرج، في جوهره، ضمن الخيارات الشخصية والقرارات الفردية المستقلة، مؤكداً أن الدولة المغربية لا تقدم أي توجيه أو دعم رسمي في هذا الاتجاه، باعتبارها تتبنى موقفاً متوازناً ومحايداً ينسجم مع مقتضيات القانون الدولي في ما يتعلق بالنزاع الروسي- الأوكراني.

وأوضح الطيار أن "هؤلاء الشباب يتخذون قراراتهم بناءً على تقديراتهم الذاتية لظروفهم الخاصة وتصوراتهم لمستقبلهم، بعيداً من أي إطار رسمي"، مردفاً أن دوافعهم تختلف من حالة إلى أخرى، وفقاً للظروف الاجتماعية والشخصية لكل فرد.

وأشار إلى أن بعض المغاربة المقيمين أو المتزوجين في أوكرانيا يعتبرون التطوع خياراً شخصياً لحماية نمط حياتهم والحفاظ على استقرارهم الأسري، بينما ينظر آخرون إليه باعتباره وسيلة لتحقيق مكاسب ذاتية، سواء من خلال الاستفادة من الرواتب التي توفرها الخدمة العسكرية، أو أملاً في الحصول على الجنسية الأوكرانية أو تسهيل الهجرة إلى أوروبا.

وفي سياق متصل، أبرز الباحث أن البعد النفسي والتكنولوجي يشكل أحد الدوافع الرئيسة لدى عدد من الشباب، ولا سيما المهتمين بالتقنيات الحديثة، الذين يرون في ساحات القتال فرصة لإثبات الذات واكتساب مهارات متقدمة، خصوصاً في مجال قيادة الطائرات المسيرة.

وتابع الطيار أن التحول من حياة مدنية عادية إلى بيئة عسكرية متطورة، كما حدث مع الشاب المغربي الملقب بـ"الفراشة" خلال معارك "تشاسيف يار"، يعكس، بحسب تقديره، رغبة شخصية في خوض تجربة استثنائية وبناء هوية جديدة، مدفوعة أيضاً بما تروجه المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

تعقيدات قانونية

بالمقابل، شدد الطيار على أن هذه الخيارات الشخصية تصطدم بواقع ميداني بالغ الخطورة يتجاوز حدود الحماسة الأولية، إذ يواجه هؤلاء المتطوعون أهوال حرب تقليدية طاحنة وقصفاً مستمراً في الخطوط الأمامية، فضلاً عن خطر الوقوع في الأسر أو مواجهة أحكام قضائية قاسية تصل إلى الإعدام، في حال تم تصنيفهم كمرتزقة من قبل الطرف الخصم، مما يجعل ثمن هذا القرار الفردي مهدداً للحياة بشكل مباشر.

أما من الناحية القانونية، يرى الباحث أن هذا الخيار الشخصي يضع صاحبه في منطقة رمادية معقدة ومحفوفة بالأخطار عند العودة إلى المغرب، إذ يجرم القانون الجنائي المغربي، بشكل صارم، الانخراط في أعمال قتالية خارج القوانين الوطنية أو الانضمام إلى تنظيمات مسلحة أجنبية غير نظامية من دون إذن رسمي من الدولة، مما قد يعرضهم لملاحقات قضائية بتهم تتعلق بالإرهاب أو تهديد الأمن والاستقرار فور عودتهم.

وذهب الطيار إلى أن التدخل العسكري لهؤلاء الشباب يظل خياراً فردياً خالصاً يتحملون فيه وحدهم التبعات الميدانية والقانونية، مبرزاً أن الدبلوماسية المغربية تواصل النأي بنفسها عن هذه الممارسات الفردية، من خلال التمسك بالحياد الإيجابي، واحترام السيادة الدولية، وتشجيع الحلول السلمية، مما يعفي الدولة من أي مسؤولية قانونية أو سياسية تجاه قرارات مواطنيها على الساحة الدولية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير