ملخص
تعتمد العملية على نص قانوني يعود لأكثر من 100 عام، يتيح للمستثمر نقل أصوله إلى شركة جديدة في مقابل الحصول على أسهم فيها من دون استحقاق ضريبة فورية.
أصبحت صناديق المؤشرات المتداولة في البورصة أداة جديدة يستخدمها كبار المستثمرين الأميركيين ليس فقط لتنويع محافظهم الاستثمارية، إنما لتأجيل سداد مليارات الدولارات من ضرائب الأرباح الرأسمالية. ويستند هذا التوجه إلى المادة 351 من قانون الضرائب الأميركي، التي تسمح بتحويل محافظ استثمارية كاملة إلى الصناديق المتداولة من دون اعتبار العملية بيعاً خاضعاً للضريبة، وهو ما أثار اهتمام وزارة الخزانة الأميركية، التي تدرس تشديد الرقابة على هذه الممارسات.
كيف بدأت القصة مع عائلة ميراج؟
عندما باعت عائلة ميراج شركتها الغذائية عام 2002 لشركة "نستله" في مقابل 2.6 مليار دولار، جسدت ما يعرف بـ"الحلم الأميركي". وبعد أكثر من عقدين، اتخذت العائلة خطوة مالية جديدة تمثلت في إنشاء صندوق إم آي جي الذي انطلق في فبراير (شباط) الماضي بأصول تقارب 540 مليون دولار، معظمها من استثمارات العائلة.
وبحسب محللين، سمح هذا الهيكل للعائلة بالتخلص من أسهم ارتفعت قيمتها بصورة كبيرة من دون تحقيق أرباح رأسمالية خاضعة للضريبة في الوقت الحالي، عبر تحويل تلك الأسهم إلى الصندوق بدلاً من بيعها مباشرة.
ما هي آلية "تحويلات المادة 351"؟
تعتمد العملية على نص قانوني يعود لأكثر من 100 عام، يتيح للمستثمر نقل أصوله إلى شركة جديدة، في مقابل الحصول على أسهم فيها من دون استحقاق ضريبة فورية.
وفي النسخة الحديثة من هذه الآلية، تنقل محفظة الأسهم إلى الصندوق المتداول الجديد، ثم يستخدم الصندوق آلية "الاسترداد العيني" الخاصة بصناديق المؤشرات لاستبدال الأسهم تدريجاً بأصول أخرى أكثر تنوعاً، من دون أن يعد ذلك بيعاً خاضعاً للضريبة.
وبذلك يستطيع المستثمر التخلص من مركز استثماري كبير في سهم واحد أو أسهم عدة حققت مكاسب ضخمة، مع تأجيل دفع الضريبة إلى حين بيع وحدات الصندوق في المستقبل.
لماذا يزداد الإقبال على هذه الصناديق؟
شهد مؤشر "ستاندرد أند بورز" ارتفاعاً بنحو أربعة أضعاف خلال العقد الماضي، مدفوعاً بصورة رئيسة بأسهم التكنولوجيا، مما أدى إلى تراكم أرباح رأسمالية ضخمة لدى المستثمرين، بخاصة أولئك الذين يحتفظون بأسهم شركات مثل "أبل" و"مايكروسوفت" و"إنفيديا" منذ أعوام طويلة.
ولو قرر هؤلاء بيع جزء من ممتلكاتهم لتنويع محافظهم، فسيتعين عليهم دفع ضرائب كبيرة على الأرباح المحققة، أما استخدام المادة 351 فيمنحهم فرصة إعادة هيكلة استثماراتهم مع تأجيل الضريبة.
ويرى مستشارون ضريبيون أن هذه الميزة تجعل الصناديق الجديدة خياراً شديد الجاذبية للأثرياء، خصوصاً عندما تتجاوز الأرباح غير المحققة نصف قيمة المحفظة الاستثمارية.
كم يبلغ حجم هذه السوق؟
أظهر تحليل لبيانات هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية وجود 105 صناديق متداولة أنشئت عبر تحويلات المادة 351 وبلغت قيمة الأصول التي دخلت هذه الصناديق عند تأسيسها نحو 22.1 مليار دولار، فيما ساعدت في تأجيل ضرائب مرتبطة بأرباح رأسمالية تزيد على 6.5 مليار دولار.
أكثر من نصف هذه الصناديق أطلق خلال العام الماضي فقط، مع دخول شركات إدارة أصول كبرى مثل" ألايانس بيرنشتين" و"أميركان سينتشر" إلى هذا المجال.
لم تقتصر الاستفادة على عائلة ميراج، بل شملت أسماء بارزة في عالم الاستثمار، من بينهم الملياردير ريتشارد كاين، ومستثمر التكنولوجيا الحيوية روري ريجز، إضافة إلى مدير صندوق التحوط غابي بلوتكين، مالك فريق "شارلوت هورنتس"، الذي يعتزم إطلاق صندوق يعتمد بصورة أساسية على أصوله الشخصية. وفي معظم الحالات، كان الهدف التخلص تدريجاً من أسهم ارتفعت قيمتها بصورة كبيرة دون دفع ضرائب فورية.
هل تؤدي هذه العمليات إلى إلغاء الضريبة؟
العملية تسهم في تأجيل الضريبة ولا تلغيها فالمستثمر سيظل مطالباً بدفع ضريبة الأرباح الرأسمالية عند بيع وحدات الصندوق المتداول مستقبلاً، استناداً إلى الكلفة الأصلية للأسهم التي نقلها إلى الصندوق.
لكن هذا التأجيل يمنح المستثمر مزايا عدة، إذ يبقى رأس المال مستثمراً لفترة أطول، ويستمر في تحقيق العوائد المركبة، كما يمكن للمستثمر بيع وحدات الصندوق لاحقاً بعد التقاعد عندما يكون ضمن شريحة ضريبية أقل.
وفي بعض الحالات، يمكن تجنب الضريبة بالكامل إذا انتقلت وحدات الصندوق إلى الورثة بعد وفاة المستثمر، إذ تعاد احتساب كلفة الشراء وفقاً للقيمة السوقية الجديدة، وهو ما يعرف بإعادة ضبط الأساس الضريبي.
كيف تستخدم آلية الاسترداد العيني؟
تعتمد الصناديق المتداولة على عمليات استبدال عينية للأصول مع صناع السوق، وهي معاملات لا تعامل ضريبياً كعمليات بيع.
ويعتقد أن صندوق "أم آي جي أو" استخدم هذه الآلية خمس مرات منذ إطلاقه، إذ خفض تدريجاً حصصه في شركات مثل "ويسترن ديجيتال" و"سيغايت تكنولوجي " و"مايكرون تكنولوجي"، مستبدلاً بها استثمارات أخرى أكثر توافقاً مع استراتيجية الصندوق.
لماذا بدأت السلطات الأميركية تشعر بالقلق؟
على رغم أن هذه العمليات قانونية، فإن وزارة الخزانة الأميركية بدأت خلال العام الماضي دراسة آثارها في الإيرادات الضريبية .
وخلال اجتماعات مع ممثلي قطاع إدارة الأصول، ناقش مسؤولو الوزارة إمكان تصنيف هذه العمليات باعتبارها "معاملات محل اهتمام"، وهو تصنيف يستخدم للصفقات التي قد تنطوي على أهداف لتجنب الضرائب.
طلب معهد شركات الاستثمار من وزارة الخزانة إصدار توجيهات واضحة في شأن استخدام المادة 351 في إنشاء الصناديق المتداولة، وسط تزايد المخاوف من توسع هذه الممارسات.
ما أبرز تحفظات وزارة الخزانة؟
يرى مسؤولو الوزارة أن آلية الاسترداد العيني صممت في الأصل لتسهيل إدارة صناديق الاستثمار، وليس لتطهير محافظ استثمارية مليئة بالأرباح الرأسمالية تمهيداً لتنويعها من دون ضرائب.
وأشار مسؤولون إلى أن بعض الصناديق تتخلص من نسبة كبيرة من الأسهم التي دخلت بها فور تأسيسها، ثم تستبدلها باستثمارات أخرى، وهو ما قد يتجاوز الغرض الأصلي الذي وضعت المادة 351 من أجله.
هل تختلف هذه الصناديق عن غيرها؟
تكشف بيانات عن أن صناديق المادة 351 تتداول أصولها بوتيرة أعلى من الصناديق المتداولة التقليدية، فقد استبدلت هذه الصناديق في المتوسط نحو 51 في المئة من محافظها خلال العام الأول بعد التأسيس، في مقابل نحو 33-34 في المئة فقط في الصناديق الأخرى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعند احتساب الأصول الأساسية الفعلية، بلغ معدل التغيير نحو 36 في المئة مقارنة بنحو 28-30 في المئة لدى الصناديق المنافسة.
ويرى خبراء الضرائب أن إعادة هيكلة المحافظ بهذه الصورة السريعة، قد تدفع الجهات التنظيمية إلى التدقيق في ما إذا كانت بعض العمليات تفتقر إلى "الجوهر الاقتصادي" الحقيقي.
هل هناك أمثلة لعمليات لافتة؟
برز صندوق "توين أوك" الذي تخلص سريعاً بعد إطلاقه من أكبر مركزين استثماريين لديه، وهما أسهم" سنوفليك" و"داتادوج" بقيمة تقارب 200 مليون دولار، ليستبدلهما بمحفظة تتبع مؤشر "ستاندرد أند بورز 500".
وتشير الملفات التنظيمية إلى أن هذه الأسهم كانت مملوكة بكلفة ضريبية شبه معدومة، مما يرجح أن المستثمرين المؤسسين كانوا من أوائل المستثمرين في الشركتين، بالتالي حققوا أرباحاً رأسمالية ضخمة.
وفي المقابل، اتبع صندوق "سيمبلفي بروبال"، الذي أسسه الملياردير ريتشارد كاين، استراتيجية مختلفة، إذ ضم إلى جانب أسهم التكنولوجيا الحيوية وحدات شراكة في شركة أنابيب النفط "بلاينز أول أميركان"، وهو ما يعتقد أنه أسهم في تقليل العبء الضريبي المرتبط بالتوزيعات النقدية.
إلى أين يتجه هذا الاتجاه؟
يرى خبراء السوق أن تحويلات المادة 351 أصبحت أحد أسرع القطاعات نمواً في صناعة الصناديق المتداولة، مع تزايد وعي مديري الثروات بإمكاناتها الضريبية، وظهور شركات متخصصة تجمع الأصول من مستثمرين متعددين لإطلاق صناديق جديدة.
لكن في المقابل، يبدو أن هذا النمو السريع وضع هذه الممارسة تحت مجهر وزارة الخزانة الأميركية، التي تدرس ما إذا كانت هذه الهياكل تمثل استخداماً مشروعاً للقانون، أم أنها تحولت إلى وسيلة واسعة النطاق لتأجيل أو تقليص الضرائب على الثروات الكبيرة.