ملخص
بالنسبة إلى العائلات الشابة، أصبحت أبسط الضروريات، كالسكن الميسور والاستقرار، ترفاً بعيد المنال. وكلما طالت الحرب، ازدادت الخسائر التي تلحق بالتركيبة السكانية الروسية التي عانت طويلاً.
وجّهت الرأسمالية وحرب فلاديمير بوتين ضد أوكرانيا، وتمسكه بالمفاهيم الأسرية التقليدية المحافظة ومنع تجاوزها، ضربةً شديدة وموجعة للتركيبة السكانية في روسيا. فمعدل المواليد يتراجع، فيما تتزايد الوفيات، والهجرة الجماعية من روسيا تجاوزت مستويات غير مسبوقة، وبلغ عدد ضحايا الحرب أعلى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية.
ولكن كيف يُترجم كل هذا إلى أرقام، وما هي تداعياته على قدرة روسيا على دعم اقتصادها، ومواصلة خوض الحرب، وعلى مستقبل البلاد ووضعها الجيوسياسي على المدى البعيد؟
الوضع الديموغرافي في روسيا مستمر في التدهور بحلول عام 2026، إذ تشير البيانات الحديثة عن معدل الخصوبة الكلي لشهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين إلى انخفاض في معدل المواليد في جميع مناطق البلاد من دون استثناء - فقد انخفض معدل الخصوبة الكلي في روسيا إلى 1.347، في حين أن المعدل المطلوب هو 2.2 للحفاظ على عدد السكان عند المستوى نفسه.
وتُلاحظ أكثر الاتجاهات إثارةً للقلق في شمال القوقاز وسيبيريا والشرق الأقصى. فحقيقة أن الشيشان وداغستان وتوفا هي أسوأ المناطق أداءً من حيث انخفاض عدد السكان تشير إلى انهيار ديموغرافي حتى في أكثر البيئات الثقافية استقراراً. في الوقت نفسه، تجاوزت منطقتا لينينغراد وسمولينسك وموردوفيا فعلياً عتبة الانقراض، إذ انخفض معدل الخصوبة الكلي إلى ما دون المستوى الحرج البالغ واحداً.
أسباب هذه الأرقام المنخفضة واضحة، وإن كانت نادراً ما تُذكر في التقارير الرسمية. فالعبء العسكري المستمر وما يصاحبه من حالة عدم يقين يُفرغ أي أفق تخطيطي من معناه. كذلك غياب الآفاق الواضحة، والهجرة المستمرة للسكان في سن العمل، وتزايد العبء الضريبي في ظل اقتصاد سوق منفلت من عقاله، كلها عوامل تخلق مناخاً يُنظر فيه إلى إنجاب طفل على أنه مخاطرة لا تُحتمل.
بالنسبة إلى العائلات الشابة، أصبحت أبسط الضروريات، كالسكن الميسور والاستقرار، ترفاً بعيد المنال. وكلما طالت الحرب، ازدادت الخسائر التي تلحق بالتركيبة السكانية الروسية التي عانت طويلاً.
"اندبندنت عربية" تقدم لمحة عامة عن الاتجاهات الديموغرافية الحديثة وتحاول تقييم تأثير الحرب والتحديات الديموغرافية الناشئة على قدرة روسيا على شن حروب واسعة النطاق في المستقبل.
اتجاهات سلبية
من اللافت للنظر أن اتجاهات ديموغرافية سلبية ظهرت قبل بدء الحرب الروسية الشاملة ضد أوكرانيا في فبراير 2022، إذ بدأت هذه الاتجاهات منذ عام 2015، لكنها تعززت بالآثار السلبية للحرب على أوكرانيا والعزلة الدولية التي تسببت بها.
بعبارة أخرى، كان للأحداث المرتبطة بأوكرانيا خلال الفترة من 2014 حتى يومنا هذا، وما رافقها من زيادة الدولة للرسوم والضرائب والغرامات من أجل تمويل الحرب، أثر سلبي بالغ على التركيبة السكانية لروسيا.
فالأزمة الديموغرافية الحالية في روسيا تتطور وتتعمق في عدة اتجاهات، على رأسها، أولاً انخفاض عدد السكان في سن العمل بسبب الحرب والهجرة الجماعية، وثانياً تراجع معدل المواليد بحكم الأوضاع الاقتصادية الصعبة، مما يقوض التركيبة السكانية للبلاد، وثالثاً زيادة معدل الوفيات، بسبب تخفيض الموازنات الحكومية للمؤسسات الطبية الرسمية، وتشجيع المواطنين على اللجوء إلى المستشفيات والطبابة التابعة للقطاع الخاص، على رغم أسعار خدماتها الباهظة.
تناقص السكان في سن العمل
تُعدّ مشكلة التراجع السريع والواسع النطاق في أعداد الرجال البالغين من أخطر المشكلات الديموغرافية في روسيا المعاصرة، وهي مشكلة لا يُمكن لأي إجراءات حكومية تعويضها. وقد سُجّل أكبر تراجع في عام 2021، إذ يُرجّح أن تكون حرب بوتين ضد أوكرانيا، التي بدأت بشكل غير مباشر منذ عام 2014، وعزلة روسيا الدولية المتزايدة بسببها، والصعوبات الاقتصادية، قد أسهمت في ذلك.
في سبتمبر (أيلول) الماضي، نشر "مركز التحليل الاقتصادي الكلي والتنبؤ قصير الأجل"، (سي أم أي كيه أس) تقريراً مثيراً للقلق بعنوان "الأزمة الديموغرافية"، مُقراً بأخطر مشكلة ديموغرافية تواجهها روسيا، والناجمة عن الحرب في أوكرانيا: الانخفاض الحاد في عدد السكان الشباب في سن العمل.
ووفقاً للمركز، استمرت روسيا، خلال الفترة من 2010 إلى 2025، في خسارة سكانية سريعة في الفئات العمرية الشابة الرئيسية، في حين شهدت القوى العاملة شيخوخة متسارعة.
وورد في التقرير "بين عامي 2010 و2025، انخفض عدد العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و29 سنة بمقدار 5.9 مليون شخص. بعد عام 2021، تسارع نمو نسبة العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 40 و50 سنة والبالغين من العمر 50 سنة أكثر فأكثر بشكل ملحوظ، وسيستمر هذا الاتجاه، مع ثبات جميع العوامل الأخرى."
يُعدّ "مركز الدراسات الاستراتيجية الروسية" مركز أبحاث بالغ التأثير في دوائر بوتين، إذ يشغل مؤسسه ومديره لفترة طويلة، أندريه بيلوسوف، منصب وزير الدفاع الروسي حالياً، بعد أن شغل سابقاً منصب كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين للكرملين لما يقرب من عقدين من الزمن في مناصب مختلفة.
ويرأس المركز اليوم شقيق أندريه بيلوسوف، ديمتري. واللافت أنه يُقرّ بالمشكلات، إذ يُشير المركز صراحةً إلى الحرب ضد أوكرانيا، التي يسميها "العملية العسكرية الخاصة"، كما تصفها الدعاية الروسية، والهجرة الجماعية (إعادة التوطين) باعتبارهما من أبرز التحديات التي تواجه التركيبة السكانية الروسية اليوم.
إضافة إلى ذلك، يؤثر قانون تنظيم الأسرة الذي يتبنى مفاهيم أرثوذكسية تقليدية محافظة، سلباً على معدل المواليد، وبخاصة أنه يؤدي إلى تأجيل بعض الولادات. كذلك هناك جانب خاص يتعلق بالمهاجرين وبخاصة الشباب منهم، وتأثيره الأكيد على عدد ولادات الأطفال .
وتؤكد الإحصاءات الرسمية بيانات "مركز التحليل الاقتصادي الكلي والتنبؤ قصير الأجل" بشأن التراجع السريع في عدد السكان الشباب في سن العمل. وينطبق هذا بشكل خاص على الذكور، وهم فئة ديموغرافية رئيسية في خطط بوتين الحربية - الحالية ضد أوكرانيا، والمحتمل أن تشمل دولاً أخرى في المستقبل.
الأزمة بالأرقام
منذ ذلك الحين، من المحتمل أن يكون الوضع قد ساء، إلا أن الحكومة الروسية ومن أجل التهرب من مسؤوليتها، غالباً ما تعزو الانخفاض الهائل في عدد السكان الذكور الشباب إلى ما يسمى بالانخفاض الديموغرافي في التسعينيات، الناتج من انهيار الاتحاد السوفياتي وتبني روسيا النظام الرأسمالي القائم على اقتصاد السوق وما نتج منه من فقر وضياع وتعثر، وبالتالي انخفاض معدل المواليد آنذاك، وهذا أدى إلى انخفاض عدد الذكور الروس الذين بلغوا سن العشرين بدءاً من عام 2010. ومع ذلك، من الأكيد أن هناك عوامل أخرى مؤثرة أيضاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
انخفاض معدلات المواليد في التسعينيات لعب بالفعل دوراً مهماً في انخفاض عدد الشباب في روسيا، لكن هذا التفسير غير كافٍ. إذ إنه بين عامي 1985 و1994، وُلد 10.3 مليون صبي، مقارنةً بـ 6.9 مليون بين عامي 1995 و2004 (جميع البيانات من الكتاب الإحصائي السنوي لروسيا الصادر عن هيئة الإحصاء الروسية).
ويمثل هذا الفرق 49 في المئة. مع ذلك، فإن عدد الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 30 و39 سنة (المولودين بين عامي 1985 و1994) يتجاوز الآن عدد الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و29 سنة (المولودين بين عامي 1995 و2004) بنسبة 55 في المئة.
هذا يعني أن عدد الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و29 سنة يقل حالياً بمقدار 300 ألف إلى 400 ألف رجل عما هو متوقع بناءً على الفرق في معدلات الخصوبة وحدها. والأسباب الأكثر ترجيحاً هي الخسائر العسكرية والهجرة.
وبالتالي، فإن التركيبة السكانية الحالية للذكور ليست مجرد نتيجة للتراجع الديموغرافي في التسعينيات. فالرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و29 سنة أقل من المتوقع، وأيضاً حجم الفئة العمرية من 10 إلى 19 سنة أقل من المتوقع أيضاً. وهذا يشير إلى تأثير عوامل إضافية.
من الواضح أن عوامل أخرى غير الانخفاض الديموغرافي في التسعينيات - وبخاصة الحرب والهجرة الجماعية - أسهمت في خسائر إضافية في عدد الشباب الذكور في روسيا، بما يتجاوز ما يمكن تفسيره بديناميكيات معدل المواليد وحدها.
كم عدد الروس الذين غادروا البلاد؟
يصعب تحديد العدد الدقيق للروس الذين غادروا البلاد منذ عام 2014، وبخاصة بعد فبراير 2022. وتتباين تقديرات الباحثين الروس والغربيين تبايناً كبيراً، إذ قد يتراوح العدد بين مئات الآلاف وأكثر من مليون. ومما يزيد الأمر تعقيداً عودة بعض من غادروا لاحقاً.
مع ذلك، من المؤكد أن الهجرة بعد عام 2014، وبخاصة بعد عام 2022، ستصل إلى مئات الآلاف من الأشخاص على الأقل. ويؤكد تحليل الفجوة الديموغرافية غياب مئات الآلاف من الشباب الروس، ومعظمهم من الذكور، عن التركيبة العمرية للسكان لأسباب لا يمكن تفسيرها فقط بانخفاض معدل المواليد في التسعينيات. والتفسير الأرجح هو الهجرة، بما في ذلك رحيل العائلات التي لديها أطفال.
أثر انخفاض السكان على الحرب في أوكرانيا
عند النظر في قدرات روسيا على التعبئة، من الضروري مراعاة جميع الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و39 سنة. الفئات العمرية الأصغر سناً صغيرة جداً حالياً للتجنيد المنهجي، على رغم وجود تقارير عن تجنيد حتى الشباب الصغار جداً.
بأخذ هذه العوامل في الاعتبار، انخفض عدد الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و39 سنة والذين يحتمل أن يكونوا متاحين للتجنيد الجديد إلى نحو 10 ملايين.
مع ذلك، حتى هذا الرقم لا يمثل الموارد الفعلية للتعبئة. فتجنيد هذا العدد الكبير من الناس سيؤدي فعلياً إلى تعبئة جميع الرجال المتبقين تقريباً في تلك السن، مما سيؤدي حتماً إلى تدهور حاد في الاقتصاد والبنية التحتية والمجال الاجتماعي.
لا يتجاوز عدد المواطنين الروس الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و39 سنة والمؤهلين للتجنيد العسكري 10 ملايين إلا قليلاً، وهو عدد يتناقص بوتيرة متسارعة. وقد يؤدي تجنيد جزء كبير منهم إلى تفاقم الوضع الاقتصادي المتردي أصلاً.
يُعاني سوق العمل الروسي بالفعل من ضغوط غير مسبوقة. فقد بلغ معدل البطالة أدنى مستوى تاريخي له، حيث وصل إلى نحو 2.3 في المئة بحلول نهاية عام 2025، بينما لا يزال نقص العمالة يُمثل تحدياً اقتصادياً رئيسياً. ووفقاً لوكالة "أسواق المال"، يُقيّم المشاركون في السوق وممثلو قطاع الأعمال العواقب المحتملة لموجة ثانية من التعبئة بأنها "كارثية" .
الهجرة
لقد أسهمت الهجرة بالفعل في دعم التركيبة السكانية لروسيا في السنوات الأخيرة، ولكن لا يمكن اعتبارها حلاً جذرياً. علاوة على ذلك، فإن إمكاناتها تتلاشى بسرعة.
في عام 2024، حصل ما يزيد قليلاً على 200 ألف أجنبي على الجنسية الروسية. وبناءً على نتائج عام 2025 (أحدث البيانات المتاحة وقت كتابة هذا التقرير)، انخفض هذا الرقم بنحو 30 في المئة، ليصل إلى 111 ألفاً.
تزداد عملية الحصول على الجنسية تعقيداً بفعل الضغوط المتزايدة من قوات الأمن. كذلك فقد برنامج إعادة توطين الروس العرقيين من الخارج أهميته: ففي عام 2025، انتقل أقل من 30 ألف شخص إلى روسيا بموجبه.
وفي عام 2025، حصل أكثر من 500 ألف مواطن أجنبي على تصاريح إقامة وعمل موقتة. غالباً ما تُفسَّر هذه الأرقام على أنها "زيادة في الهجرة" تُعوِّض الانخفاض الطبيعي. مع ذلك، فإن هذه التقديرات مُضلِّلة: فالمهاجرون الموقتون لا يحصلون على الجنسية، ويمكنهم مغادرة البلاد في أي وقت، لذا فإن مساهمتهم في التركيبة السكانية غير مستقرة.
وأخيراً، من المهم مراعاة الجانب النوعي. فالمهاجرون من الدول التي تُعدّ تقليدياً مصدراً للعمالة إلى روسيا (وبخاصة دول آسيا الوسطى) يفتقرون في غالبية الأحيان إلى المهارات اللازمة في القطاعات الأكثر ندرة. فعلى سبيل المثال، ووفقاً لأركادي زلوتشيفسكي، رئيس اتحاد الحبوب الروسي، فإن نسبة كبيرة من المهاجرين غير قادرين على تشغيل الآلات الزراعية المعقدة، بما في ذلك الحصادات.
انخفاض معدل المواليد
في ما يتعلق بالتحديات الديموغرافية طويلة الأمد، فإن القضية الأكثر إلحاحاً التي تواجه روسيا اليوم هي الانخفاض الحاد في معدل المواليد. فبعد أن بلغ ذروته في عام 2015، بدأ المعدل في الانخفاض تدريجاً، على رغم أن بوتين وضع أهدافاً أكثر طموحاً بكثير لمعدل المواليد في "مراسيم مايو" لعامي 2012 و2018. ومنذ عام 2022، تسارع الانخفاض بشكل ملحوظ، بسبب الزج بالأزواج الذكور في آتون الحرب.
في يناير (كانون الثاني) 2026، نُشرت مقتطفات من بيانات غير متاحة للعامة صادرة عن هيئة الإحصاء الروسية (روستات) في وسائل الإعلام، تُظهر أن معدل الخصوبة الكلي (عدد المواليد الأحياء لكل امرأة) انخفض إلى 1.374 في عام 2025، وهو أدنى مستوى له منذ ما يقرب من عقدين. وهذا أقل بنسبة 23 في المئة من أعلى مستوى تم تسجيله في عام 2015.
في معظم المناطق الروسية، تقل معدلات المواليد عن المتوسط الوطني. ووفقاً لتحليل أجرته مؤسسة "ديموسكوب" استناداً إلى بيانات هيئة الإحصاء الروسية، كان معدل الخصوبة الإجمالي في عام 2024 أقل من المتوسط الوطني (1.4) في 55 منطقة من أصل 85، أي في الغالبية العظمى. وفي 24 منطقة، انخفض إلى أقل من 1.2.
على رغم سرية الإحصاءات الرسمية، تشير البيانات الإقليمية إلى انخفاض مستمر وواسع النطاق في معدل المواليد. وبينما لا توفر البيانات صورة كاملة، إلا أنها تسمح باستشفاف الاتجاه العام. وعلى وجه الخصوص، كان الإغلاق الجماعي لمستشفيات الولادة من أبرز المواضيع التي تناولتها وسائل الإعلام الإقليمية.
لماذا يتراجع معدل المواليد في روسيا؟
تعزو السلطات عادةً الانخفاض الحاد في معدلات الخصوبة خلال العقود الماضية إلى آثار انخفاض معدلات المواليد في التسعينيات، إذ يُفترض أن عدد النساء اللواتي دخلن سن الإنجاب قد انخفض خلال الفترة الماضية لهذا السبب. ومع ذلك، لا يشكل هذا الأمر العامل الحاسم.
أولاً، تُنجب النساء في سن متأخرة: فبحسب هيئة الإحصاء الروسية، في عام 2025، كانت 52 في المئة من المواليد لأمهات في سن الثلاثين فما فوق. وبالتالي فإن انخفاض معدل الخصوبة في التسعينيات لا يفسر إلا جزئياً الانخفاض الحاد في معدل الخصوبة بين عامي 2015 و2025.
ومع ذلك، يفضل المعلقون الموالون للحكومة وممثلو المدرسة الديموغرافية التقليدية إرجاع الانخفاض الأخير في معدل الخصوبة إلى الركود الديموغرافي الذي شهدته البلاد بعد انهيار "الحلم الاشتراكي" بسقوط الاتحاد السوفياتي. ويبدو هذا النهج سطحياً.
تُناقش أسباب انخفاض معدل المواليد على نطاق واسع حتى في وسائل الإعلام الروسية المحلية. ومن التفسيرات الشائعة تدهور الوضع الاجتماعي والاقتصادي وسياسات بوتين وحكومته التي تشجع الرأسمالية المتوحشة، فغالباً ما يتغنى "القيصر" بالأرباح القياسية التي حققتها البنوك وشركات النفط والغاز والذهب والمعادن الثمينة وغيرها.
ويقول الخبير نيكولاي مازيتوف "لقد ثبت أن العوامل الاقتصادية والنفسية تلعب دوراً هاماً. فالقلق والخوف، فضلاً عن عدم الموافقة على توجهات الدولة وسياساتها الضريبية والاقتصادية، يدفع المواطنين إلى تأجيل إنجاب الأطفال إلى أجل غير مسمى".
يُعدّ الانخفاض السريع في معدل المواليد نتيجةً مفهومةً لفقدان شريحة كبيرة من الشعب الروسي القدرة على التخطيط لمستقبلهم. ويعاني الناس من الاكتئاب جراء تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ويشكّون في قدرة سياسات القيادة الروسية - ولا سيما الحرب ضد أوكرانيا والعزلة الدولية - على إحداث تحسّن في المستقبل القريب.
أصبحت هذه العوامل السبب الرئيسي لانخفاض معدل المواليد بعد عام 2015، عندما بدأ معدل الخصوبة الإجمالي في روسيا بالتدهور. لم يعد الانخفاض الديموغرافي الذي شهده عقد التسعينيات يلعب دوراً بارزاً في ذلك الوقت.
ومع ذلك، كان عدد المواليد يتناقص باستمرار، وقد ألقت وسائل الإعلام الروسية، التي ناقشت الأزمة المتفاقمة، باللوم في انخفاض معدل المواليد على عاتق العقوبات الغربية المفروضة بعد هجوم روسيا على أوكرانيا وتزايد عزلتها الدولية.
الأسباب الحقيقية للأزمة الديموغرافية
على رغم تظاهر السلطات الروسية بأن غالبية الروس يؤيدون بوتين ويثقون به، إلا أن هذا مجرد واجهة دعائية. ففقدان الثقة بمستقبل البلاد، وانعدام الرؤية المستقبلية، وتحكم أقلية أوليغارشية بمقدرات البلاد، يؤثر بشكل أكيد على المجال العام.
فعلى سبيل المثال، حملت دراسة نُشرت في يناير 2026 من قِبل معهد "فتسيوم" المرتبط بالكرملين عنواناً هو "انقطاع الصلة بالمستقبل: لماذا يغادر الناس المدن الصغيرة؟". تتشابه أسباب الشعور باليأس وعدم اليقين بشأن المستقبل بين سكان المدن بمختلف أحجامها، إلا أن سكان المدن الصغيرة أكثر عرضةً للصعوبات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة، لذا من المرجح أن يؤثر انخفاض معدلات المواليد عليهم بشكلٍ أشد من سكان المدن الكبيرة.
بشكل عام، يُعد قرار الروس بالامتناع عن إنجاب الأطفال علامة واضحة على خوف المواطنين من الفقر والعوز وعدم ثقتهم في مستقبل البلاد، وهو مصدر أكثر موثوقية لتقييم المزاج العام الحقيقي في روسيا من أي استطلاع للرأي العام.
الأزمة قائمة وتتفاقم
أدت الحرب ضد أوكرانيا مضافة إلى السياسات الرأسمالية المتوحشة، إلى غرق التركيبة السكانية الضعيفة أصلاً بروسيا في أزمة غير مسبوقة ذات عواقب طويلة الأمد سيكون من الصعب للغاية التغلب عليها.
كانت روسيا تعاني بالفعل من مشكلات ديموغرافية عندما شنت الحرب ضد أوكرانيا، لكن هذه الحرب فاقمت الوضع إلى درجة أن الأضرار التي أحدثتها ستستغرق عقوداً لإصلاحها، بخاصة مع تصاعد الرأسمالية المتوحشة نحو ذروة غير مسبوقة، في جو من الفساد المستحكم بكافة المؤسسات والدوائر الحكومية.
ركزت سياسة بوتين الديموغرافية على استعادة معدل المواليد في روسيا بعد الانخفاض الديموغرافي الذي شهدته في التسعينيات. وكانت الأداة الرئيسية في ذلك برنامج رأس المال الإنجابي. إلا أنه فشل في تحقيق النتائج المرجوة، إذ بدأ معدل المواليد بالانخفاض بعد فترة وجيزة من إطلاق البرنامج، وكان السبب الرئيسي في ذلك على ما يبدو هو تداعيات السياسات الاقتصادية الموجهة لخدمة رجال الأوليغارشية وحرب أوكرانيا التي التهمت الفوائض المالية.
ومما لا شك فيه أن عواقب الحرب ضد أوكرانيا، والعقوبات الغربية التي فرضت عزلة دولية على روسيا، تؤثر سلباً في التركيبة السكانية الروسية. فقد تفاقمت معظم الاتجاهات الديموغرافية السلبية، مثل انخفاض معدلات المواليد بعد فبراير 2022.