Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حاكم بوركينا فاسو يغضب مسلمي بلده والجوار والعالم

قال إن "العرب استعبدوا الأفارقة 1000 عام" ومراقبون: يختار بعناية المواضيع التي تثير الرأي العام

تراوري في اجتماع مع الرئيس الروسي، موسكو، 10 مايو 2025 (أ ف ب)

ملخص

أسهم السياق الذي ظهرت فيه تصريحاته في تأجيج الحساسيات المفرطة بين شعب غالبيته مسلمة ورئيس سبق له أن سجن في مارس الماضي الداعية محمد إسحاق كيندو، الذي يحظى بتقدير كبير في الأوساط الشعبية بالعاصمة واغادوغو وكبريات المدن البوركينية، وشمل الاستهجان من تصريحات الرئيس أوساطاً دينية وعلمية في باقي عواصم دول منطقة الساحل.

تسببت فقرة في خطاب مطول لرئيس بوركينا فاسو، بغضب عارم في صفوف شعبه الذي يُمثل المسلمون غالبيته، بل إن شظايا كلماته تجاوزت حدود بلاده القابعة بين ست دول أفريقية يُمثل المسلمون أيضاً غالبية سكانها.

قال رئيس السلطة العسكرية الحاكمة في بوركينا فاسو النقيب إبراهيم تراوري، الخميس الماضي، إن "العرب استعبدوا الأفارقة لمدة 1000 عام". داعياً إلى قراءة شاملة لمختلف مراحل هذه الظاهرة، ومؤكداً أن القارة عانت صوراً متعددة من الاسترقاق عبر تاريخها.

إعلان حرب أم سوء فهم؟

يرأس تراوري الحركة الوطنية للحماية والإصلاح التي تحكم بوركينا فاسو منذ سبتمبر (أيلول) 2022، وهي الدولة الحبيسة ذات الـ20 مليون نسمة، وتصنف من بين أكثر 10 دول أفريقية فقراً، ويهددها شبح الإرهاب وتنامي الحركات المسلحةـ

وأسهم السياق الذي ظهرت فيه تصريحاته في تأجيج الحساسيات المفرطة بين شعب غالبيته مسلمة ورئيس سبق له أن سجن في مارس (آذار) الماضي الداعية محمد إسحاق كيندو، الذي يحظى بتقدير كبير في الأوساط الشعبية بالعاصمة واغادوغو وكبريات المدن البوركينية، وشمل الاستهجان من تصريحات الرئيس أوساطاً دينية وعلمية في باقي عواصم دول منطقة الساحل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال الأمين العام لمنتدى علماء موريتانيا وأفريقيا الشيخ الزين الإمام، لـ"اندبندنت عربية" إن خطاب النقيب تراوري حمل مغالطات تاريخية كبيرة تتمثل "في خلطه بين الإسلام وتصرفات بعض المسلمين؛ فالإسلام لم يشرع استعباد الناس بسبب أعراقهم أو ألوانهم، بل جاء في مجتمع عالمي يعرف الرق، ووضع تشريعات واسعة لتضييقه وتشجيع تحرير العبيد، وجعل التقوى وحدها معيار التفاضل بين البشر".

وأضاف الشيخ الزين الذي صدر له قبل فترة كتاب عن العبودية في السياق القرآني، أن الموقف المبدئي للإسلام المستند إلى المساواة بين البشر والتفاضل بينهم يقوم على أساس التقوى والعمل الصالح. منبهاً إلى أن تراوري حمل العرب وحدهم مسؤولية تجارة الرقيق، بينما تؤكد الدراسات التاريخية أن كثيراً من الأفارقة كانوا أطرافاً في شبكات الأسر والبيع قبل وصول التجار المسلمين وبعده، ثم جاءت تجارة الرقيق الأطلسية الأوروبية في العصر الحديث بأعداد وآثار غير مسبوقة.

معركة مع الإرهاب

وتقود حكومة بوركينا فاسو حرباً شرسة ضد جماعات مسلحة تصفها حكومة بوركينا فاسو بالإرهابية، ويأتي خطاب النقيب تراوري المطول، الذي ألقاه في شمالي البلاد أمام القوى الحية في منطقة ياتنغا، لتقديم حصيلة العمليات التي يشنها الجيش ضد هذه الجماعات الناشطة في المناطق التي تشهد تدهوراً كبيراً للوضع الأمني، خصوصاً على الحدود مع مالي.

عن التحديات الأمنية التي تواجهها بوركينا فاسو، يرى المتخصص في قضايا أمن الساحل إبراهيم الهريم، أن "مدينة أواهيغويا التي شهدت الخطاب المثير للجدل، تعد من أكبر المدن في محافظة ياتنغا التي تشهد وضعاً أمنياً سيئاً، وهي خزان لعدد من المتشددين والخلايا النائمة، على رغم أن غالبية سكانها مسلمون".

وبحسب الهريم، فقد "تحدث تراوري إلى السكان، من بين مواضيع أخرى، عن انتشار الأفكار المتطرفة، واتهم صراحة شباب هذه المنطقة وباقي مناطق البلاد، خصوصاً أولئك الذين يكملون تعليمهم في الدول العربية، بأنهم يعودون إلى بوركينا فاسو وهم يحملون أفكاراً متطرفة، في اتهام واضح إلى أن الدول العربية تسقي هؤلاء الأفكار المتطرفة وتحولهم إلى متشددين. وقد يكون هؤلاء الشباب، وفقاً لتراوري، إما وقوداً للمجموعات المسلحة أو خزاناً لأفكارها، وقد يشاركون في استقطاب مقاتلين جدد".

إعادة قسرية

وفق تقارير لوسائل إعلام فرانكفونية، فإن بوركينا فاسو لديها أكثر من 800 طالب في دولة عربية يدرسون العلوم الإسلامية في الأزهر الشريف والزيتونة بتونس وفاس بالمغرب. وقد أعلن حاكم بوركينا فاسو عزمه إعادة جميع الطلاب إلى البلاد، مبرراً ذلك بقوله إن "هؤلاء الطلاب يدرسون الشريعة، وهم لا يتعلمون مهنة. سأعيدهم إلى الوطن، ومن يرفض العودة فلن يبقى بوركينياً".

وكانت الحكومة البوركينية أقرت في يونيو (حزيران) الماضي إلزامية حصول أي طالب بوركيني يرغب في متابعة دراسته خارج البلاد على موافقة مسبقة من وزارة التعليم العالي، بهدف التأكد من أن تخصصه الدراسي يتوافق مع "أولويات الحكومة"، وفق وسائل إعلام محلية.

وتأتي هذه القرارات التضييقية على طلاب ومبعوثي بوركينا فاسو الذين اختاروا التخصصات المرتبطة بعلوم القرآن والثقافة العربية، بعد تطورات سياسية تمثلت في توقيف واحتجاز عدد من الأئمة والمصلين المسلمين، وتعرض بعضهم لعمليات اختفاء قسري، ولا تزال عائلاتهم تجهل مصيرهم حتى الآن. وتعهدت الحكومة حزمة من الإجراءات المتعلقة بالشأن الديني، كتخصيص تمويلات لدعم الأئمة الذين، بحسب تعبيرها، "ينشرون الخطاب الصحيح".

يرى الهريم أن خطاب تراوري حول الإسلام والعرب وعلاقتهما بالتاريخ والحاضر البوركيني قد يتخطى التأثير الآني، "فأغلب الدول العربية التي تعتبر مقربة من بوركينا فاسو، حاولت التقارب مع نظامه في بداياته، وتعاطف معه الرأي العام العربي، بسبب الآلة الإعلامية الشعبوية القوية لتراوري التي جعلت منه رمزاً للتحرر، ومن ثم لا بد أن تثير تصريحاته الأخيرة ردود فعل غاضبة على وسائل التواصل الاجتماعي العربية".

ويستشهد الهريم بحديث له مع بعض الصحافيين في بوركينا فاسو، الذين كانوا مصدومين من الطريقة التي تناول بها تراوري انتشار الأفكار المتطرفة، وكأنه يتهم الدول العربية صراحة بتغذية انعدام الأمن بطريقة ما، وإن كانت غير مباشرة، وذلك عبر تكوين كوادر متطرفة قد تتحول إلى قيادات في المجموعات المسلحة النشطة في البلاد، كما يفهم من تصريحات الرئيس الانتقالي.

علاقة مضطربة

وساند التيار الإسلامي المتشبع بالثقافة العربية في بوركينا فاسو النقيب إبراهيم تراوري حين وصل إلى الحكم نهاية 2022، لكن هذه العلاقة لم تدم طويلاً. صحيح أن تراوري سجن قبل فترة الإمام كندو، وهو شخصية دينية لها وزن كبير في بوركينا فاسو، لكن أنصار الرئيس يقولون إن كندو قارن تراوري في إحدى خطبه بأبي جهل، مما أثار حفيظة الرئيس الانتقالي، الأمر الذي انتهى بسجن كندو والتضييق على المساجد والخطب الدينية والمحاضرات فيها.

وبحسب الهريم، فإن "الغريب هو أن تراوري منذ استيلائه على السلطة قبل نحو أربعة أعوام، كان أول من حظي بدعمه هو الجناح المحافظ من الأئمة والدعاة في بوركينا فاسو، لكن التطورات الأخيرة كانت بمثابة صعقة كبيرة لهؤلاء، فالشيخ كندو شخصية دينية واجتماعية لها وزن كبير في بوركينا فاسو، والخلاف الذي نشب بينه وبين السلطة وضع أنصار الطرفين في موقع لا يحسدون عليه. فالمتابع لردود الفعل إبان اعتقال الشيخ كندو يرى بوضوح حال اللايقين بين الغضب من توقيفه والخشية من انتقاد تراوري وحكمه".

رجل الخطابات النارية

ارتبط النقيب إبراهيم تراوري في أذهان متابعي الشأن الأفريقي بإطلالات إعلامية تترك زوابع سياسية تحرج حكومته الغارقة في تحديات تنموية وسياسية بالغة الصعوبة. وغالباً ما تصاحبها فقاعات شعبوية للاستهلاك الإعلامي. فإذا عدنا إلى الوراء منذ استيلائه على السلطة، سنرى أنه كال الاتهامات لبعض دول الجوار بزعزعة استقرار بلاده، وكان يشير إلى ساحل العاج  في خطاب مماثل دام أكثر من ساعة في واغادوغو قبل عام، كذا شملت اتهاماته فرنسا وبعض دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، لذا فإن الرجل يختار بعناية المواضيع التي تثير الرأي العام، وتحدث ضجيجاً حتى على المستوى الإقليمي، بحسب الهريم.

ويرى الأمين العام لمنتدى علماء موريتانيا وأفريقيا الشيخ الزين الإمام، أن "خطاب الرئيس تراوري غفل عن قصد أو عن جهل الدور الحضاري للعرب المسلمين في أفريقيا، وكونهم عن طريق التجارة العابرة للصحراء كانوا دعاة بالقدوة لا بالسيف والبندقية، ذلك لأن كثيراً من مناطق أفريقيا دخلها الإسلام عن طريق التجارة والدعوة والقدوة الحسنة لا عن طريق الجيوش والاحتلال. وقد نقلوا معهم العقيدة واللغة العربية والفقه والكتابة، وأسهموا في بناء المساجد، وإنشاء المراكز العلمية، وكان كثير من الملوك والشعوب يعتنقون الإسلام تأثراً بأخلاق التجار وعدالتهم وأمانتهم، لا نتيجة إكراه أو غزو. وعليه، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي التمييز بين مبادئ الإسلام الخالدة، والممارسات البشرية التي قد تقع من بعض المسلمين، كما يقتضي قراءة تاريخ أفريقيا قراءة شاملة بعيداً من التعميم أو الانتقاء".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير