ملخص
بثت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة لتنظيم "القاعدة" مقاطع فيديو هددت فيها بالزحف نحو بوركينا فاسو وإطاحة نظام النقيب إبراهيم تراوري الذي تولى السلطة بعد انقلاب عسكري عام 2022، واتهمت الجماعة تراوري بدفع البلاد نحو الفوضى.
بعد نجاحه في تطويق العاصمة المالية، باماكو، أشهراً، أطلق تنظيم "القاعدة" الإرهابي تهديدات جدية بالزحف نحو بوركينا فاسو في خطوة تثير مخاوف جدية من "أفغنة" منطقة الساحل الأفريقي التي تئن منذ سنوات تحت وطأة أزمات أمنية حادة.
وبثت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة لتنظيم "القاعدة" مقاطع فيديو هددت فيها بالزحف نحو بوركينا فاسو وإطاحة نظام النقيب إبراهيم تراوري الذي تولى السلطة بعد انقلاب عسكري عام 2022، واتهمت الجماعة تراوري بدفع البلاد نحو الفوضى.
وبثت مقاطع الفيديو بلغات مختلفة من ضمنها المورية والفولانية، وذلك نظراً إلى التنوع العرقي في البلاد، حيث قال التنظيم إنه لا يميز بين المجموعات العرقية في البلاد في خطوة تبدو محسوبة وفقاً لمراقبين.
ترسيم جبهة
وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه تقارير دولية إلى أن ما يقرب 60 في المئة من أراضي بوركينا فاسو تخضع لسيطرة تنظيمي "القاعدة" و"داعش" ومجموعات مسلحة أخرى.
وحاولت بوركينا فاسو استعادة زمام المبادرة أمام هذه التنظيمات بالاستعانة بحلفاء جدد مثل روسيا، وأيضاً إنشاء ميليشيات تتألف من مدنيين للمشاركة في قتال المسلحين، لكن هذه الاستراتيجية تواجه انتقادات حادة.
واعتبر الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية سلطان ألبان أن "صدور مقاطع تحدد أهدافاً في بوركينا فاسو يشير إلى مرحلة يمكن تسميتها بترسيم جبهة ضد نظام تراوري بعدما تحول البلد إلى مركز نقل عمليات المجموعات المتطرفة بدلاً من مالي والنيجر، حيث باتت غالبية العمليات التي تشنها هذه الهجمات مسجلة في الأراضي البوركينية". وتابع ألبان أن "الرسائل من هذه المقاطع تعكس إدراك (القاعدة) وأخواتها بهشاشة النظام في بوركينا فاسو وتصدع في الجيش، وهناك اعتماد مفرط في واغادوغو على ميليشيات من المتطوعين للدفاع عن الوطن، وهي استراتيجيات يتبعها إبراهيم تراوري الذي يراهن على مدنيين متطوعين لا يملكون خبرة سابقة في القتال، وتدهور في السيطرة على العواصم الإقليمية مثل ديبو ودياباغا، مما جعل النظام محاصراً سياسياً وميدانياً في آن واحد". وشدد على أن "المجموعات المتطرفة في بوركينا فاسو أثبتت أنها قادرة على اجتياح مدن صغيرة الحجم ما يفسر قدرتها على إسقاط قواعد عسكرية واستخدام سلاح مضاد للطيران لمواجهة سلاح الجو الذي تلجأ إليه جيوش الساحل، خصوصاً في بوركينا فاسو، أي إن هذه المجموعات تملك قدرة على المحاصرة الفعلية عبر خنق الطرق الرئيسة وعزلها عن شمال وشرق بوركينا فاسو".
مرحلة استنزاف طويلة
وتأتي تحركات "القاعدة" بعد أيام من إطلاق النقيب تراوري تصريحات أثارت جدلاً كبيراً في بوركينا فاسو في شأن تحقيق إنجازات أمنية وصفها بالكبيرة منذ توليه السلطة. وقال تراوري إن "المقاتلين الذين كانوا يعتبرون بعض المناطق في بوركينا فاسو ملاذاً لهم تم طردهم، وهم الآن بين خيارين: الفرار من بوركينا فاسو أو الموت".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ورأى رئيس مركز الوعي للدراسات الأفريقية محمد بن محمد أبو مصطفى أن "ما يلفت الانتباه في إعلان (القاعدة) ليس مضمون تهديداتها فحسب، بل توقيتها وطريقة تقديمها، فنحن أمام تصعيد إعلامي محسوب يهدف إلى نقل المواجهة من الأطراف الريفية إلى الفضاء السياسي والنفسي للدولة، أكثر من كونه إعلاناً عن هجوم وشيك واسع النطاق''، وأوضح أبو مصطفى في تصريح خاص أن "التجربة في الساحل تظهر أن مثل هذه الرسائل غالباً ما تسبق مرحلة استنزاف طويلة، يراهن فيها التنظيم على إنهاك الدولة عبر الضغط الإعلامي، وتوسيع دائرة الخوف، وفرض حال استنفار دائم''، وتابع "في مالي على سبيل المثال سبقت مرحلة الحصار حال تفكك سياسي وأمني عميق، أما في بوركينا فاسو، فعلى رغم التحديات، لا تزال مركزية القرار قائمة، والعاصمة واغادوغو تتمتع بتحصين أمني وبشري يجعل حصارها المباشر سيناريو معقداً في المدى القريب"، وأكد أبو مصطفى أن "استهداف تراوري مباشرة خطوة تهدف إلى شخصنة الصراع، ومحاولة تصويره كعاجز عن ضبط المشهد الأمني، بما يضعف شرعيته السياسية. التنظيم يدرك أن ضرب صورة القيادة أحياناً يكون أكثر فاعلية من ضرب المواقع العسكرية"، وحذر من أن الحاضنة الاجتماعية لتنظيم "القاعدة" في بوركينا فاسو موجودة لكن بصورة محدودة في بعض المناطق الهشة، وتبقى غير كافية لتحقيق تمكين شامل لافتاً إلى أنه "في المقابل، يتزايد الرفض الشعبي داخل المدن، بخاصة مع اتساع دائرة العنف ضد المدنيين، وهو عامل يقيد قدرة التنظيم على التمدد الحضري".
رهان على الوقت
لم تعلق السلطات في واغادوغو بعد على تهديدات "القاعدة"، مما يبقي حالاً من الغموض على ردها وخياراتها المحتملة.
وبين أبو مصطفى أن "الخيارات متعددة، لكن نجاحها مرهون بالتوازن: أمنياً: التركيز على الاستخبارات والضربات الدقيقة بدل العمليات الواسعة، وسياسياً: على حكومة بوركينا فاسو تجنب الخطاب التعبوي الذي قد يوسع الاستقطاب الداخلي". وقال أيضاً "على الحكومة أن تسعى إلى تنسيق جهودها إقليمياً لأن التنظيم عابر للحدود، والمعالجة الأحادية ستظل محدودة الأثر، لذلك السيناريو المرجح هو استمرار نمط الاستنزاف هجمات متفرقة، ضغط على طرق الإمداد، وحرب نفسية متواصلة، أما السيطرة على مدن كبرى أو حصار العاصمة، فيبقى احتمالاً ضعيفاً ما لم تحدث تغيرات داخلية جوهرية".
جهاد اقتصادي
لجأت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" في الأيام الماضية إلى فرض حصار على إمدادات الوقود في مالي ما رأى فيه البعض تحولاً من التنظيمات المتشددة لمعارك استنزاف اقتصادية بدل الدخول في مواجهة عسكرية طويلة الأمد. وقال سلطان ألبان إن "فرضية السيطرة على واغادوغو وسقوطها غير مرجح في المدى القريب، فالمجموعات المتطرفة تركز على خنق العواصم بهدف قطع الإمدادات والوقود وإظهار نوع من العجز لدى قيادات هذه الدول مثلما يحدث في مالي". وأبرز أن "المجموعات المسلحة لا تريد خوض معارك استراتيجية تنتهي بالسيطرة على العواصم، وهذه المجموعات تفرض ما يمكن تسميته جهاداً اقتصادياً كأداة سياسية وعسكرية، وأعتقد أن واغادوغو لا تزال بعيدة من السقوط المباشر، لكن محيطها الاستراتيجي ينهار تدريجاً، حيث تم شل الطرق الرئيسة واستهداف مدن محورية والجيش البوركيني يعتمد على المتعاقدين الروس الذين يوفرون حماية لرأس النظام فقط"، واستنتج ألبان أن "تراوري يحتاج إلى إعادة هيكلة العقيدة القتالية ضمن مقاربة جديدة وعليه التركيز على حماية المدنيين".