ملخص
لم ينجح التمثال في إقناع الرأي العام، ولم تشفع للنحات ولا للجهة المنفذة محاولتهما تمرير العمل بصورته الحالية. فقد رأى كثيرون فيه صورة لا تشبه الشاعر
منذ رحيله عام 1997، ظل الجمهور العراقي ينتظر إقامة تمثال يخلد الشاعر محمد مهدي الجواهري في بغداد، حتى تحول ذلك الحلم إلى حقيقة بعد نحو ربع قرن على وفاته، عندما حاول النحات نداء كاظم تجسيد شخصيته في تمثال نُصب على كورنيش أبي نواس، أحد أشهر شوارع العاصمة.
لكن المفاجأة كانت أن التمثال قوبل برفض واسع من الفنانين والنحاتين العراقيين، الذين رأوا أنه لا يمت بصلة إلى شخصية الجواهري ولا إلى تاريخه. وكانت أسرة الشاعر أول المعترضين، معتبرة أن التمثال لا يعكس رمزية الجواهري ولا عنفوانه، وهو الذي قارع الأنظمة وعاش نحو نصف قرن في المنافي دفاعاً عن حريته في الكتابة.
إخفاق في تجسيد شخصية الجواهري
تقول بان فرات الجواهري، حفيدة الشاعر وأكثر أفراد أسرته قرباً من تراثه إن "نصب تمثال للجواهري في بغداد جهد مميز لتكريمه وتخليده، لا سيما أن موقعه سيكون على ضفاف دجلة الخير الذي خلده الجواهري في قصيدته الشهيرة التي يرددها الجميع. وكنا نطمح إلى أن يجسد التمثال شخصية الجواهري كما عهدناها، الشاعر الثوري والمناضل، الوجداني والانفعالي أمام أبسط القضايا الإنسانية".
ولعل أكثر ما يميز الجواهري في قصائده صوته الجهوري ولغة جسده، التي لا تقل أهمية في تشكيل كاريزمته، حتى إن الذاكرة البصرية تحتفظ له دائماً بصورة الشاعر رافعاً يديه، باسطاً أصابعه، وكأنه يرسم كلمات قصائده في الهواء.
وتضيف "ومن هنا، فإن التمثال، على رغم أن من أنجزه نحات صاحب تجربة مميزة، سبق أن نفذ تماثيل للسياب وأبي تمام وأبي العلاء المعري، أخفق في إظهار شخصية الجواهري الراسخة في ذاكرة محبيه. ولم يفهم ما الرسالة التي أراد إيصالها من خلال وقوفه مكتوف الذراعين إلى الخلف، وكأنه في حالة اعتقال أو خضوع، وهي صورة بعيدة كل البعد عن طبيعة الجواهري الثورية."
وترى بان فرات أن الأفضل تأجيل افتتاح التمثال بصورته الحالية إلى حين التوصل إلى رؤية مشتركة بين الفنان وأسرة الشاعر، التي ترى أن الجواهري، الذي تحمل أعباء المنافي سنوات طويلة، يستحق عملاً يليق بإرثه.
فقد احتضنته دمشق في سنواته الأخيرة، ودُفن فيها، وأقيم له تمثال قبل أن يُقام له تمثال في بغداد، فيما نُقشت على شاهدة قبره أبيات من قصيدته الشهيرة: حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحييني / يا دجلة الخير يا أمَّ البساتينِ / حييتُ سفحك ظمآناً ألوذ به / لوذ الحمائم بين الماء والطينِ / يا دجلة الخير يا نبعاً أفارقه / على الكراهة بين الحين والحينِ...
حياة محتدمة
تميز شعر الجواهري بتمسكه بالقصيدة العمودية وجزالة لغته وصوره، كما عُرف بثورته على كثير من الأوضاع السياسية والاجتماعية، وبقدرته الفائقة على الوصف.
غادر العراق عام 1961، ولم يعد إليه إلا عام 1968 بدعوة من الحكومة العراقية، لكنه بقي متمرداً على جميع الحكام، في العهدين الملكي والجمهوري. وقد اتسمت علاقته بالسلطة بالتناقض، إذ مدح بعض الحكام ثم هجاهم، قبل أن يستقر في دمشق بعد سنوات طويلة قضاها في براغ.
لذلك، يتساءل كثيرون: هل يمكن اختزال شخصية بهذا القدر من الصخب والتمرد في تمثال يوحي بالاستكانة والقنوط؟
يقول الفنان التشكيلي كريم سعدون "تمثال الجواهري الذي يجري نصبه، وسيتم افتتاحه شاء الناس أم أبوا، لا يليق بسمعة النحات، ولا يمثل الجواهري، شاعر العرب الأكبر، ولا تنفع أي تبريرات لتمريره، ومنها أن إمكانات مسبك أمانة بغداد متواضعة، لأن إمكاناته في الحقيقة كبيرة، ويضم خبرات من نحاتين بارعين يشرفون على أعمال الصب".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويوضح "كان واجب هؤلاء التنبيه إلى مواطن الخلل قبل تنفيذ العمل، سواء في حجم الرأس، أو وضعية الكتفين، أو حركة الأرجل، أو طيات الملابس، أو وضع اليدين المتشابكتين خلف الظهر. ليس من الإنصاف أن تمر كل هذه المشكلات من دون مراجعة، فالتمثال يعاني وضعية غير مستقرة، ونسباً غير دقيقة، وملامح بعيدة عن الشخصية التي يفترض أن يجسدها".
أما الباحث والناقد التشكيلي جمال حسن العتابي، الرئيس السابق لدائرة الفنون التشكيلية، فيطرح سؤالاً أوسع يتعلق بثقافة النصب التذكارية في العراق، "لماذا لا نقيم تماثيل لعالم رياضيات، أو لطبيب أنقذ البشرية من الأمراض؟ ولماذا تقتصر التماثيل على الشعراء وحدهم؟ هذه الأسئلة لا تعني التقليل من قيمة شعرائنا، لكنها تعكس أولويات ذاكرة ثقافية تميل إلى تمجيد صناع الحكايات والصور البلاغية، حيث يعلو الصوت على العقل، ويبدو الخيال أكثر بريقاً من البرهان."
ويضيف "في بلداننا عوامل كثيرة تفسر هذا الارتجال، الذي لا يستجيب لشروط الإبداع ولا لمعايير الاحتفاء الحقيقي، إذ تغيب المسابقات الفنية التي يشارك فيها أكبر عدد من النحاتين، فتأتي النتائج غالباً مخيبة للآمال."
وعن رأيه في تمثال الجواهري يقول "أثار التمثال ردود فعل سلبية واسعة، وكانت غالبية آراء الفنانين والنحاتين والمهندسين والإعلاميين، فضلاً عن الرأي العام، غير مؤيدة للعمل، بل إن بعضهم طالب بإزالته وعدم افتتاحه لأسباب فنية وتقنية. فالعمل يغلب عليه الطابع التجاري أكثر من التعبير الفني، ويعاني اختلالاً واضحاً في النسب والمعالجة التشريحية، مع إهمال للتفاصيل الدقيقة، كما أخفق في توظيف الكتلة والفراغ بصورة صحيحة".
وأشار متابعون إلى مواطن خلل عديدة، منها حجم الرأس، ووضعية الكتفين، وحركة الأرجل، وطيات الملابس، ووضع اليدين خلف الظهر.
ومن الشجاعة أن يتأمل الفنان عمله مجدداً، ويعيد النظر فيه، بعدما استمع إلى مئات الآراء التي لم تتفق مع ما ذهب إليه.
لم ينجح التمثال في إقناع الرأي العام، ولم تشفع للنحات ولا للجهة المنفذة محاولتهما تمرير العمل بصورته الحالية. فقد رأى كثيرون فيه صورة لا تشبه الشاعر الذي لقبه عميد الأدب العربي طه حسين بـ"شاعر العرب الأكبر"، والذي أمضى أكثر من 70 عاماً يكتب الشعر، ويصف وطنه، ويحن إلى ربوعه، ويجعل من الكلمة سلاحاً في مواجهة السلطة والمنفى.