ملخص
على وقع تعقد ملفات التوتر بين القاهرة وأديس أبابا، التي انعكست مستوياتها في الخطاب السياسي والدبلوماسي منذ فترة، تتباين رؤى المراقبين والمتابعين بشأن مستقبل وسيناريوهات تلك التوترات، لا سيما مع اختلاف الرؤى والخطط والتحركات الاستراتيجية بين البلدين في الإقليم، بما يتجاوز ذلك الخلاف القائم منذ أعوام حول سد النهضة ومياه نهر النيل الذي ترى فيه مصر "تهديداً وجودياً لأمنها المائي".
بهدوء وحراك حثيثين تمضي القاهرة في جهودها السياسية والدبلوماسية لتعزيز حضورها في منطقة القرن الأفريقي وعينها على "خصمها اللدود" إثيوبيا، الساعية منذ أعوام لتجاوز تحديات الجغرافيا والوصول إلى منفذ بحري على البحر الأحمر ترى فيه "ضرورة لتحقيق تطلعاتها الاستراتيجية والتنموية"، فيما تعتبره القاهرة "تهديداً لأمنها القومي والإقليمي" في منطقة تحولت لساحة تنافس مفتوحة بين قوى إقليمية ودولية، تتقاطع فيها ملفات الأمن والطاقة والتجارة والممرات البحرية والتحالفات العسكرية.
"صراع المنفذ" الذي بات يعكس عمق التنافس الإقليمي بين مصر وإثيوبيا في شرق القارة السمراء، أضفى مزيداً من التوترات على علاقات البلدين، بصورة تتجاوز ذلك التوتر القائم منذ أعوام على خلفية سد النهضة ومياه نهر النيل، وتحول لمصدر دائم لتبادل الاتهامات مع كل تحرك أو تصريح، إذ ترى أديس أبابا في الخطوات المصرية "عملية لتطويق وعرقلة مساعيها" في الحصول على "حقها الطبيعي" في منفذ بحري، فيما تتمسك مصر بضرورة "عدم انتهاك سيادة وسلامة دول المنطقة"، معتبرة أن الطموح الإثيوبي يتجاوز الاقتصاد إلى الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية.
وأمام هذا التباين المتنامي، تعود مع كل محطة من التصعيد المتبادل أو التحركات المتقابلة، الأسئلة حول حدود وتبعات هذا التوتر بين البلدين، مع تعدد الملفات وتشابكها، وانعكاس ذلك على منطقة القرن الأفريقي في ظل تطورات دولية متلاحقة يسعى فيها البعض لمحاولة إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات.
حراك مصري لتطويق "أديس أبابا"
لم يكن لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي بنظيريه الصومالي عبدي علي، والإريتري عثمان صالح، وبحضور مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، الأسبوع الماضي، بمعزل عن جهود القاهرة المكثفة في الفترة الأخيرة لمواجهة الطموحات الإثيوبية في الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر.
وبحسب ما ذكرت وسائل إعلام إثيوبية، فإن اجتماعات القاهرة التي جاءت بعد نحو أسبوعين من إعلان رئيس أركان الجيش الإثيوبي برهانو جولا، أن "سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري يتطلب الحفاظ على جاهزية عالية... وبخاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور"، قائلاً إن "جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة"، مما يعكس احتدام المنافسة بين البلدين في ملفات تتجاوز تلك المتعلقة بمياه النيل.
وجاءت لقاءات القاهرة بتمثيل واشنطن، في إطار "إرساء السلم والأمن في منطقة القرن الأفريقي"، باعتبارها "امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري"، حيث جدد المشاركون التأكيد على "ضرورة احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، مع التأكيد على قصر مسؤولية أمن البحر الأحمر على الدول المشاطئة له، واستبعاد أي دور لأطراف غير مطلة عليه"، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية المصرية، من دون تسمية طرف أو دولة بعينها.
ورغم عدم تسمية مصر لطرف أو دولة بعينها، تعنيها بتلك التحركات، فإن المصادر السياسية والدبلوماسية المصرية، تشير إلى أنها تستهدف في الأساس التحركات الإثيوبية وكذلك الإسرائيلية في منطقة القرن الأفريقي، التي ترى فيها القاهرة "مخالفة لقواعد القانون والمواثيق الدولية وتنتهك سيادة ووحدة أراضي دول المنطقة"، على حد وصفهم.
ويقول مصدر دبلوماسي مصري معني بالشؤون الأفريقية لـ"اندبندنت عربية"، إن منطقة القرن الأفريقي بصورة عامة "تحمل أهمية استراتيجية بالغة الحيوية بالنسبة إلى القاهرة"، وأن التحركات المصرية تعكس رفضها لخطوات بعض الدول تجاوز سيادة ووحدة أراضي الدول المتشاطئة على البحر الأحمر في القرن الأفريقي، مع التأكيد على أهمية "ترسيخ الاحترام المتبادل وحسن الجوار ورفض التدخل في الشؤون الداخلية في تلك الدول"، منوهاً إلى أن مصر تسعى في الوقت ذاته من خلال تحركاتها للحفاظ على مصالحها الحيوية في المنطقة، وتأكيد أن تلك المنطقة تمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
المصدر ذاته اعتبر، أن خطوات القاهرة المتزايدة في منطقة القرن الأفريقي تؤكد على مصالحها الحيوية بها، التي تتمثل على حد وصفه في "ضمان أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة الدولية به، فضلاً عن الحيلولة دون سيطرة الجماعات الإرهابية على الممرات الملاحية وتهديد أمن الطاقة، والتصدي لأي محاولة من أطراف من خارج الإقليم لفرض رؤيتها على المنطقة، وذلك في ضوء تزايد التوترات التي تشهدها"، مضيفاً "كذلك تسعى القاهرة إلى الحفاظ على التوازن الاستراتيجي في تلك المنطقة، بعيداً من هيمنة أي دولة أو قوى خارجية، ولهذا كثفت مصر من حضورها وعلاقاتها مع دول (إريتريا والصومال وجيبوتي)".
وبحسب الرؤية المصرية، فإن منطقة القرن الأفريقي التي تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي يضم أحد أهم ممرات الملاحة الدولية في العالم وهو البحر الأحمر، تمثل أهمية استراتيجية حيوية بالنسبة إلى مصر، لا سيما وأنها تربط بحر العرب والمحيط الهندي وخليج عدن، عبر مضيق باب المندب ذي الأهمية الاستراتيجية، بقناة السويس التي تمثل ممراً استراتيجياً مهماً لمصر ولحركة التجارة الدولية، حيث يمر من خلالها ما يقارب 12 في المئة من التجارة العالمية، وتعد أحد أهم مصادر العملة الأجنبية للقاهرة.
ولا تخفي المصادر الدبلوماسية المصرية ارتفاع مستوى التوتر بين القاهرة وأديس أبابا، على خلفية تصاعد التنافس على النفوذ والنفاذ إلى البحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي خلال الأشهر الأخيرة، مما يعني تجاوز التوتر الخلافات التقليدية المرتبطة بمياه النيل وسد النهضة، لتشمل ملفات أوسع تتعلق بالموانئ والممرات البحرية وترتيبات الأمن الإقليمي.
لكن بحسب البعض، فرغم احتدام التنافس في منطقة القرن الأفريقي، فإن جوهر التوتر يبقى في قضية سد النهضة ومياه نهر النيل التي لا تزال عالقة بين البلدين من دون حل حتى مع دخول الطرف الأميركي على خط "استكشاف عودة الوساطة".
ويقول عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية اللواء محمد الشهاوي، إن القضية الكبرى في التوتر بين القاهرة وأديس أبابا تبقى "سد النهضة وتعنت إثيوبيا في ملء وإدارة السد، وهو ما تراه مصر تهديداً مباشراً لأمنها المائي"، مضيفاً في حديثه إلى "اندبندنت عربية" "يأتي التنافس الإقليمي على النفوذ داخل منطقة القرن الأفريقي كقضية ثانية، لا سيما مع حرص مصر على ضمان أمنها المائي والنفطي والملاحة في البحر الأحمر وتأمين قناة السويس، وهو أمر تعد إثيوبيا تهديداً لنفوذها الإقليمي لأنها دولة حبيسة، وتريد أن يكون لها منفذ على البحر الأحمر بأي طريقة كانت، سواء في أرض الصومال (إقليم انفصالي في دولة الصومال) أو غيرها".
وعلى وقع هذه المنافسة المحتدمة، يضيف الشهاوي: "تتشكل بهدوء وثبات تحالفات متباينة للبلدين في تلك المنطقة، فبينما تملك القاهرة تحالفات قوية مع الحكومة الصومالية الفيدرالية وإريتريا، ترتبط أديس أبابا بتحالفات مع إقليم أرض الصومال، وهو ما يعني تصادم الرؤى والمصالح لكلا البلدين"، في منطقة تعاني بالفعل أزمات ممتدة في السودان والصومال وإثيوبيا نفسها.
وقبل أقل من شهرين، اتهمت إثيوبيا مصر بمحاولة عرقلة وصولها إلى البحر الأحمر، وذلك بعد أيام من زيارة وزير الخارجية المصري إلى إريتريا (الخصم اللدود لأديس أبابا)، بصحبة وزير النقل في بلاده لمناقشة مشاريع تنموية ولوجيستية، حيث شدد عبدالعاطي خلال تلك الزيارة على أن أمن البحر الأحمر وإدارته مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، الأمر الذي قوبل باتهام رسمي من أديس أبابا للقاهرة، بالعمل "على تطويق وعرقلة مساعيها" للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، معتبرة أن التحركات المصرية المتزايدة في منطقة القرن الأفريقي "تستهدف تطويق إثيوبيا والحد من تطلعاتها الاستراتيجية والتنموية".
وتسعى مصر منذ أعوام إلى إقامة شبكة ربط بري بين موانئ السويس والإسكندرية بخطوط تمتد جنوباً عبر السودان إلى إريتريا، تمهيداً لوصلها لاحقاً بالممرات البرية في شرق أفريقيا، وهو أمر يرى فيه خبراء أنه مشروع طموح لتعميق العلاقات الاقتصادية وتخفيف الاعتماد على طرق النقل البحرية التقليدية، وتحسين قدرة مصر على منافسة الممرات الإقليمية، في المقابل تعده أديس أبابا موجهاً ضدها بهدف تقويض "مصالحها التنموية والاستراتيجية".
أين يذهب صراع المنفذ؟
على وقع تعقد ملفات التوتر بين القاهرة وأديس أبابا، التي انعكست مستوياتها في الخطاب السياسي والدبلوماسي منذ فترة، تتباين رؤى المراقبين والمتابعين بشأن مستقبل وسيناريوهات تلك التوترات، لا سيما مع اختلاف الرؤى والخطط والتحركات الاستراتيجية بين البلدين في الإقليم، بما يتجاوز ذلك الخلاف القائم منذ أعوام حول سد النهضة ومياه نهر النيل الذي ترى فيه مصر "تهديداً وجودياً لأمنها المائي".
ووفق توصيف الباحث السوداني المتخصص في الشؤون الأفريقية، فإن التنافس المصري- الإثيوبي في منطقة القرن الأفريقي "وصل لأشده" لا سيما مع تعقد مسار سد النهضة الذي أنهت أديس أبابا ملأه من جانب واحد من دون مراعاة للحسابات والمصالح المصرية والسودانية، موضحاً في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، أن "الجهود المصرية في هذا الاتجاه تأتي من تنامي المخاوف المصرية، من التحركات الإثيوبية، سواء في ما يتعلق بحوض النيل أو منطقة القرن الأفريقي".
وذكر تورشين أن "وجود أطماع إثيوبية للحصول على منفذ بحري، دفع مصر إلى أن تكون حاضرة بقوة مع العمل على عقد تحالفات معلنة وغير معلنة في منطقة القرن الأفريقي التي لها إطلالة على البحر الأحمر، وهو انفتاح آثار حفيظة إثيوبيا باعتبار أن مصر هي التي تقف عائقاً في إمكانية حصولها على منفذ بحري لها".
واعتبر تورشين أن "منطقة القرن الأفريقي تشهد عدداً من التحولات الكبيرة في ظل التنافس الدولي الكبير القائم بها"، معتبراً أنه وفق كثير من الدول "أصبحت إثيوبيا أحد عناصر عدم الاستقرار في المنطقة بصورة واضحة ومعلومة"، مشيراً في ذلك إلى توتر العلاقات بين أديس أبابا وكل المحيطة بها كما الحال مع الخرطوم وأسمرة ومقديشيو، باستثناء كينيا وجنوب السودان.
وبحسب تورشين، تبقى "قضية المياه هي المحرك الأساس لهذه التوترات"، مضيفاً "أخيراً بعد أن أبدت إثيوبيا رغبتها في الحصول على منفذ بحري، تعقدت الأمور وكذلك العلاقات مع القاهرة، إذ تتهم أديس أبابا القاهرة بأنها تقف عائقاً أمام مسعاها للحصول على منفذ بحري، لا سيما في ما يتعلق بعقد عدد من التحالفات مع دول مهمة في القرن الأفريقي، ممثلة في السودان والصومال وإريتريا"، وتابع: "أصبحت العلاقات المصرية- الإثيوبية متوترة في ظل تنافس إقليمي محتدم في ما يتعلق بقضايا المياه ومسألة أمن البحر الأحمر".
من جانبه، يقول السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، إن "تحركات أديس أبابا الساعية إلى أن تكون قوة إقليمية فاعلة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ورؤيتها الاستراتيجية والسياسية للمنطقتين باعتبارهما منطقة واحدة، بغض النظر عن كونهما منطقتين منفصلتين، تنتهك وحدة وسيادة دول المنطقة وتهدد كذلك الأمن والاستقرار بها لا سيما في الصومال وإريتريا بما يعني تهديد الأمن القومي المصري"، مضيفاً في حديثه لنا: "تتحرك إثيوبيا للحصول على منفذ بحري بطريقة غير شرعية تخالف القانون الدولي وميثاق الاتحاد الأفريقي، وهو أمر ترفضه القاهرة ودول إقليمية ودولية أخرى وتدفعها للتحرك في الاتجاه المضاد".
وتابع حليمة: "تعزز القاهرة تحالفاتها وحضورها في منطقة القرن الأفريقي على قاعدة قصر مسؤولية أمن البحر الأحمر على الدول المشاطئة له، واستبعاد أي دور لأطراف غير مطلة عليه"، معتبراً أن رفض هذا الأمر من قبل مصر والدول المتشاطئة على البحر الأحمر دفع إلى تشكيل أنواع مختلفة من التحالفات في أطر اتفاقات اقتصادية وأمنية ودفاعية مشتركة، مما عقد الأمور بالنسبة لإثيوبيا".
وعلى حد وصف حليمة، فإن أصل الأزمة بين البلدين لا يكمن في التحرك المصري داخل منطقة القرن الأفريقي، بل في "المطامع الإثيوبية"، قائلاً إن "أديس أبابا لديها مطامع من خلال ممارساتها، وتنتهج دوافع توسعية عبر ممارساتها التدخلية في شؤون دول أخرى".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبشأن تبعات وسيناريوهات التوتر بين القاهرة وأديس أبابا، يقول الباحث محمد تورشين، إن "تباين رؤى البلدين ومضي مصر نحو عزل إثيوبيا في ما يتعلق بمسعاها للحصول على منفذ بحري قد يدفع الأمر لسيناريوهات تصعيدية"، موضحاً: "لا يمكن لإثيوبيا أن تغير الجغرافيا التي تتمتع بها إلا إذا أقدمت على شن حرب، وسعت إلى ضم أراض من دول أخرى بالقوة، وهو أمر يتنافى مع القانون الدولي ويجعل أديس أبابا في خانة الدول المعتدية، مما يعني أنها قد تقع تحت طائلة العقوبات الدولية".
ويضيف تورشين: "قد تتجه إثيوبيا نحو المماطلة، لاعتبار أن فكرتها في الحصول على منفذ على البحر الأحمر ليس بهدف معالجة مسائل الاستيراد والتصدير والاستفادة من البحر الأحمر، وهو أمر موجود فعلياً سواء عن طريق جيبوتي أو إقليم أرض الصومال، ولكنها تسعى من خلال تحقيق ذلك إلى أن تكون فاعلاً من الفواعل الرئيسة في البحر الأحمر وتؤثر عليه سلباً أو إيجاباً، لذا أعتقد أن رغبة إثيوبيا ستستمر في هذا الأمر، وفي المقابل ستبقى القاهرة عائقاً أمام تحقيق ذلك، الأمر الذي سيدفع إلى اتجاه أو صورة من صور الحرب بالوكالة لا سيما في الساحة الصومالية (الأكثر هشاشة في المنطقة)".
وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.
من جهتها ترى السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية سابقاً، إن "كلتا الدولتين تسعيان إلى تحقيق أهداف، وأن هذه الأهداف قد تكون متعارضة في الوقت الحالي، في ما يتعلق بالسد الإثيوبي، وفي ما يتعلق بأمن البحر الأحمر"، مشيرة في الوقت ذاته، خلال حديثها إلينا إلى أن "إثيوبيا ليس لها حق في أن تتدخل في البحر الأحمر لأنها لا تملك منفذاً عليه".
ووفق عمر فإن "الحراك المصري له عدة أبعاد، منها البحر الأحمر ومنطقة القرن الأفريقي، وكذلك سد النهضة ومشكلة المياه، ويمكن لمبادرات أو وساطات أن تجد حلولاً لملفات الخلاف بين مصر وإثيوبيا لا سيما مع الحضور الأميركي المتنامي".
واشنطن واحتمالات الوساطة
مع تعقد الملفات واختلاف الرؤى الاستراتيجية بين القاهرة وأديس أبابا، يمثل الحضور الأميركي المتزايد في مساحات التباين بين البلدين وإعلان الإدارة الأميركية في أكثر من مناسبة عزمها الانخراط في حل مسألة "سد النهضة" التي تمثل جوهر الخلاف بين مصر وإثيوبيا، تعود إلى الواجهة أسئلة حول قدرة وفاعلية واشنطن على حل هذه الخلافات.
وفي تقييم الباحث المتخصص في الشأن الأفريقي محمد تورشين، "تبقى فرص نجاح الانخراط الأميركي سواء عبر الوساطة أو جسر هوة التباينات بين القاهرة وأديس أبابا محدودة"، قائلاً "إلى حد كبير قد لا تستطيع الولايات المتحدة الحد من التوتر بين البلدين لأن الخلافات كبيرة"، مدللاً في ذلك على محاولتها السابقة "غير الناجحة" في التوسط بسد النهضة.
وتابع تورشين: "انطلاقاً منذ ذلك لا أعتقد أن التحركات التي يقوم بها كبير مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس قد تكون ذا جدوى في نزع فتيل التوتر في المنطقة، لا سيما بين إثيوبيا ومصر"، مضيفاً: "شهدت العلاقات بين واشنطن وأديس أبابا تحولات في الأعوام الأخيرة، وبعد أن كانت الولايات المتحدة تعتمد إلى حد كبير في الماضي على إثيوبيا في تحقيق أهدافها وسياساتها في منطقة القرن الأفريقي، لكن مؤخراً يبدو أن هناك خلافات إثيوبية- أميركية رغم أن العلاقات بدأ تعود تدريجاً"،
ومضى بالقول، في ضوء هذه التعقيدات "تبقى المساعي الأميركية في مستوى المحاولات لتقريب وجهات النظر لكنها لن تفضي إلى شيء، باعتبار أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك كثيراً زمام المبادرة حتى في الداخل الإثيوبي، بعد أن وسعت من شراكاتها مع أطراف دولية أخرى مثل الصين، وهي مسألة تؤرق الولايات المتحدة".
من جانبه يقول السفير صلاح حليمة، إن "نشاط مصر المكثف في هذه المنطقة وبالتعاون مع واشنطن، تهدف القاهرة من خلاله إلى التوصل لانفراجة أو تسوية للملفات الخلافية مع إثيوبيا لا سيما سد النهضة والقرن الأفريقي وحتى الأزمة السودانية"، مضيفاً: "خلال الفترة الأخيرة بدا الموقف الأميركي قريباً من الرؤية المصرية، في ما يتعلق بتلك الملفات، إلا أنه يبقى في النهاية ضمن التفاؤل الحذر"، وتابع: "وفق التصريحات الأميركية الرسمية فإن موقف واشنطن يميل إلى تسوية سد النهضة بما يتفق مع الموقف المصري والسوداني، وكذلك بالنسبة للصومال، لكنه لا يؤكد هذا الموقف صراحة، مما يستدعي مزيداً من الانتظار والترقب قبل الحكم على الانخراط الأميركي".
وعليه، يتابع حليمة، يبقى الموقف الأميركي "محاولة من جانب واشنطن لدفع إثيوبيا لتعديل مواقفها بما يعزز من فرص حدوث انفراجة في سد النهضة وكذلك حتى على صعيد الوجود على البحر الأحمر ولكن بطرق شرعية ولا تخالف القانون والمعاهدات الدولية أو تهدد سلامة وسيادة الدول المتشاطئة على البحر الأحمر".
ويسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، منذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018، إلى الوصول إلى البحر الأحمر، عبر ما يسمى "دبلوماسية الموانئ". وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي "أرض الصومال"، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو والقاهرة والجامعة العربية.
وفي نهاية 2025، ومع افتتاح "سد النهضة" الذي تعده مصر خطراً على حصتها المائية، تواصلت تصريحات إثيوبيا بحقها في الوصول إلى منفذ بحري، وأعلن آبي أحمد عزمه على تصحيح ما وصفه بـ"الخطأ التاريخي" المتمثل في فقدان بلاده هذا المنفذ بعد استقلال إريتريا عام 1993، مشيراً إلى تزايد الاحتياجات الاقتصادية والديموغرافية للبلاد.
ورفضت إريتريا وقتها هذه التصريحات بشدة، واعتبرتها "تهديداً للاستقرار الإقليمي وانتهاكاً للقانون الدولي"، مشددة على أن "ميناء عصب هو جزء لا يتجزأ من سيادتها منذ الاستقلال".
وفي مايو (أيار) الماضي، وبعد زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي لإريتريا، وإثر تأكيدات رسمية برفض وجود دول غير مشاطئة على البحر الأحمر، اتهمت إثيوبيا مصر بمحاولة عرقلة وصولها إلى منفذ على البحر. وقبل ذلك قال عبدالعاطي في تصريحات أدلى بها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إن "مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر".
وأوائل الشهر الجاري، دخل الجيش الإثيوبي على الخط بتشديده على "أهمية الحفاظ على الجاهزية العالية لتأمين الوصول لهذا الحق"، إذ قال رئيس الأركان برهانو جولا، في حفل تخريج دفعة من كلية الدفاع الوطني، إن "سعي إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بحري يتطلب الحفاظ على جاهزية عالية... وبخاصة أن الوضع الأمني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي يتدهور"، محذراً من "جهات خارجية وجماعات مسلحة محلية تعمل بتنسيق تام لتقويض أمن إثيوبيا ومنعها من القيام بدورها في تحقيق الاستقرار في المنطقة"، بحسب ما نقلته "وكالة الأنباء الإثيوبية".
ويأتي الخلاف على "المنفذ البحري" بعد أعوام من التوتر على "سد النهضة" الضخم الذي بنته إثيوبيا على نهر النيل وتعده مصر تهديداً لحقوقها التاريخية في مياه أطول أنهار أفريقيا. وتوقفت مفاوضات بين مصر وإثيوبيا برعاية الاتحاد الأفريقي خلال أبريل 2021 بعد الإخفاق في التوصل إلى اتفاق، مما دفع مصر إلى اللجوء لمجلس الأمن الدولي للمطالبة بالضغط على أديس أبابا.
وكانت إثيوبيا افتتحت سد النهضة رسمياً خلال سبتمبر (أيلول) 2025 بعد 14 عاماً من بدء أعمال البناء، وهو أكبر سد لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا. وتقول إنه سيوفر الطاقة لملايين الإثيوبيين. لكن بالنسبة إلى مصر، فإنها تخشى أن يؤدي إلى انخفاض حاد في تدفق المياه إليها، مما يفاقم أزمة الشح المائي.