ملخص
فوجئ سكان الخرطوم بوجود تمثال في شارع النيل بمدينة أم درمان لقائد الجيش مستوحاة من زيارته إلى النازحين من الفاشر في مدينة الدبة بالولاية الشمالية محتضناً امرأة مسنة ذرفت الدموع أمامه، لكن أمام موجة السخرية والانتقادات، صدرت توجيهات من السلطات بإزالته وتركيب خابية طينية مصنوعة من الفخار في موقعه.
قبل أن تكتمل دائرة الجدال والسخرية التي انتظمت على مواقع التواصل الاجتماعي داخل السودان وخارجه، إثر تنصيب تمثال رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش الفريق عبدالفتاح البرهان وهو يحتضن امرأة من إقليم دارفور، قررت السلطات إزالته.
فوجئ سكان الخرطوم بوجود تمثال في شارع النيل بمدينة أم درمان لقائد الجيش مستوحاة من زيارته إلى النازحين من الفاشر في مدينة الدبة بالولاية الشمالية محتضناً امرأة مسنة ذرفت الدموع أمامه، لكن أمام موجة السخرية والانتقادات، صدرت توجيهات من السلطات بإزالته وتركيب خابية طينية مصنوعة من الفخار في موقعه.
سخرية وانتقاد
على مدى يومين تداولت منتديات السودانيين على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً وفيديوهات لتمثال البرهان، الذي قوبل بموجة تعليقات غاضبة ترى فيه مظهراً للتمجيد لا يتناسب مع ظروف الصراع المسلح ولا يليق بحجم مسؤوليات رئيس مجلس السيادة السوداني، فيما أشار آخرون إلى أن كلفة العمليات الفنية للتمثال وصلت إلى نحو 300 ألف دولار أميركي. وواجه مواطنون كثر الحادثة بسيل من النكات والتعليقات الساخرة.
وقال منتقدون للخطوة إن "الأموال التي صرفت على عمليات تصميم التمثال كان أولى أن توجه لدعم أسر فقدت أحد أفرادها في الحرب أو تقديم مساعدات إنسانية للنازحين الذين يفتقرون للغذاء والدواء والمأوى، في حين اعتبر آخرون أن الاحتفاء في هذا الظرف يوجه رسالة خاطئة تزيد من حال الاحتقان الشعبي.
اتهام ونفي
إلى ذلك تداولت مواقع التواصل الاجتماعي خطاباً منسوباً إلى وزارة الثقافة والإعلام والسياحة السودانية موجهاً إلى وزير المالية السوداني وممهوراً بتوقيع وزير الإعلام خالد الإعيسر في شأن التصديق على صرف مبلغ 300 ألف دولار أميركي تشمل كلفة المواد الخام التي استخدمت لبناء التمثال والتشكيل والنحت والمعالجة الفنية، وكذلك التغليف والتسليم.
بدورها، نفت وزارة الثقافة والإعلام والسياحة صلتها بإصدار الخطاب، وقالت في بيان "تتداول بعض الوسائط خطاباً مزوراً منسوباً إلى وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، موجهاً إلى وزير المالية وممهوراً بتوقيع غير صحيح للوزير خالد الإعيسر، ويتضمن ادعاءً كاذباً في شأن تصديق لتصميم مجسم".
وأضاف البيان "تؤكد الوزارة أن التضحيات الجسام التي تقدمها القوات المسلحة تستحق كل ما يخلدها، شريطة أن يتم ذلك وفق المفهومين الثقافي والاجتماعي اللذين يحفظان للجيش السوداني العظيم حقوقه ومكانة منتسبيه". وتابع "تغتنم الوزارة هذه المناسبة لتشير إلى أنها، وعلى جميع مستوياتها القيادية، تعمل بمنهج رصين ومهني، تكلله الإنجازات وتثبته الوقائع، وذلك في ظل ظروف غير طبيعية وبالغة التعقيد، وعليه، فهي لا تنشغل بما تبثه الغرف الإلكترونية ومن يقف وراءها من مغرضين يواصلون نسج الأكاذيب والسعي إلى استهداف الوزارة والوزير لأغراضهم الخاصة".
وأوضح البيان "من باب السخرية أن تعمد جهة ما إلى تزوير خطاب باسم الوزير والوزارة المعنية أصلاً بالإعلام، وهي الأقدر بثقة ومعرفة رفيعة ومؤسسية على صناعة المحتوى الأمثل للمشهد الإعلامي الرسمي، وهذا إن دل، فإنما يدل على بؤس الفكرة ويأس من يقفون وراءها، ومن ثم تؤكد الوزارة أن الخطاب المتداول مزور ولا يستحق الالتفات، وهذا التوضيح يأتي احتراماً للرأي العام، لأن الوزارة تعمل وفق منهج ورؤى وخطط رصينة وواضحة، وتمضي في انشغالاتها دون أن تهزها أعمال المرجفين، مع حرصها على ملاحقة كل من يثبت تورطه في جرائم التزوير وفق القانون".
تناقض وتحول
يقول المتخصص في مجال فن النحت هيثم سليمان إن "الساحات الرئيسة والميادين في مدن ومناطق السودان كافة تخلو من وجود تماثيل أو نصب تذكارية لشخصيات عامة تاريخية أو شهيرة في مجالات مختلفة، سواء في السياسة أو الفن أو الفكر نتيجة أسباب تعود إلى دوافع دينية بدأت منذ عام 1989، بعد تولي نظام الرئيس السابق عمر البشير حكم البلاد، إذ تمت إزالة التماثيل من الساحات، وكذلك في كلية الفنون بجامعة السودان، وهي من أقدم وأشهر كليات النحت والتشكيل في السودان". وأضاف أنه قبل سنوات حاول فنانون تشكيليون في أم درمان تخليد ذكرى عبدالعظيم أبو بكر الذي قتل في عام 2019، خلال مواكب ثورة ديسمبر (كانون الأول) السودانية بوضع تمثال له في شارع الأربعين، لتذكير السودانيين بعبارته الشهيرة، "لقد تعبنا يا صديقي، ولكن لا أحد يستطيع الاستلقاء أثناء المعركة".
وأوضح سليمان أن "جماعة دينية أقدمت على تحطيم القاعدة المخصصة لحمل التمثال، واستغل أحد الدعاة الخطاب الديني، وعلى أثر ذلك حدثت مشادات عنيفة بين الرافضين وأهالي المنطقة، انتهت بمنع رفع التمثال". وأردف "هذا التناقض يعكس الاستقطاب العميق الذي يعيشه السودان، إذ يحدد الانتماء السياسي الموقف من الرموز العامة أكثر مما تحدده الفكرة أو القيمة التي تمثلها تلك الرموز". وتابع المتخصص في مجال فن النحت "ليس هناك مبرر لإقامة تمثال وتبديد أموال طائلة في ظل أوضاع إنسانية قاسية، وكذلك تقديس زيارة أجراها مسؤول لنازحين، في حين هذا في الأصل واجب ومسؤولية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مشهد درامي
في السياق ذاته أشار الكاتب السوداني عمر المقبول إلى أن "هذا المشهد يثير الغضب أكثر من الفخر، ويطرح سؤالاً صارخاً: هل نصنع التماثيل في وطن مهدم؟ أم نعيد بناء الإنسان قبل أن نصنع الأصنام؟".
ولفت المقبول إلى أن "التمثال أقيم في مشهد درامي في وقت تنزف فيه البلاد، ولا يجد المشردون مأوى، والنازحون يئنون من الجوع، وأصوات الضعفاء تضيع بين البيانات العسكرية والاحتفالات الرمزية". وأضاف "الأدهى من ذلك هو الصمت المريب من تيارات كانت تحرم التماثيل وتصفها بالشرك، الكيزان الذين حطموا تمثال الشهيد عبدالعظيم بدعوى الدين، صامتون اليوم وربما مباركون لأن التمثال هذه المرة يخدم رمزهم لا خصمهم".
ونوه المقبول بأن "السودان لا يحتاج إلى مجسم، بل إلى عدالة حقيقية ودولة قانون لا دولة رموز، والكرامة ليست في تمثال في شارع، وإنما أن يعود الناس لمنازلهم وتحفظ دماؤهم، ويعاقب من قتلهم وشردهم، وأن تبنى دولة لا تقدس أفراداً".
انفصال عن الواقع
على الصعيد نفسه، أوضح التشكيلي والنحات حمزة الجاك أن "فكرة تنصيب التمثال تخدم فكر وسياسة الحكومة الحالية من خلال تسخير الفن ليجسد مواقف الجيش السوداني وانتصاراته وأيديولوجياته".
وبين الجاك أن "الجهة التي نفذت فكرة تنصيب تمثال رئيس مجلس السيادة السوداني تسعى إلى ترسيخ ثقافة التقدير لقائد الجيش، في حين هناك تضحيات لجنود قدموا أرواحهم من أجل الوطن خلال الحرب الحالية وهم الأحق بمثل هذه التماثيل". وأردف، "المفارقة الساخرة تكمن في التوقيت، إذ جرت العادة أن تنصب التماثيل بعدما تضع الحروب أوزارها وتجف الدماء، وتبنى المدن، ومن ثم فإن هذه الخطوة تعد نوعاً من الانفصال عن الواقع الذي يستوجب دراسة نفسية قبل أن تكون سياسية".