Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من يربي الأجيال الجديدة في مصر؟

تغيّر الواقع مع تغلغل وسائل التواصل الاجتماعي في الأسر وتراجع دور المدرسة لمصلحة تعليم الظل

الدورة المجتمعية الحالية في مصر تكشف كثيراً عما جرى في التربية بالمجتمع (أ ف ب)

ملخص

إنّ الدورة المجتمعية الحالية على يد جيل "زد" تكشف كثيراً عما جرى في التربية، وكذلك دورة جيل "ألفا" التي تتكهن بما هو أكثر وأخطر. المعالم الثقافية والاقتصادية والتكنولوجية المشتركة التي تشكل العقلية الجماعية لهذين الجيلين باتت واضحة، وآثارها على المجتمع صادمة. لقد بدأت بالفعل قيم هذين الجيلين وعاداتهما في إحداث تغيرات كبرى في الشارع والبيت وأماكن الدراسة وكذلك العمل.

وفي المستقبل القريب جداً، الذي بدأت بوادره بالفعل، حيث ذروة تأثير هذين الجيلين، وبدء توليهم المناصب القيادية، وإعادة تشكيلهم لثقافات وبيئات العمل والسياسة والثقافة والشارع، ودخولهم مرحلة تكوين أسر وإنجاب أطفال، ستبدو آثار نصف قرن أكثر وضوحاً.

التأثير المجتمعي يسير في دورات تطلّ برأسها كل 15 إلى 20 عاماً. يسميها البعض دورات مجتمعية، ويطلق عليها آخرون ببساطة آثار الجيل الجديد، وهي الآثار الناجمة عن حزمة التربية والتنشئة والثقافة والتعليم التي تربوا في كنفها.

فلسفياً، ما تصنعه وتوفره وتبذل فيه جهداً هو ما تحصل عليه. منطقياً، لا يجوز توقع نتائج مختلفة لمعطيات لا تؤدي إلا إلى هذه النتيجة. اجتماعياً وواقعياً، المجتمع هو نتيجة مباشرة لأفعال وقرارات وخيارات وجهود سابقة، حلوها ومرها. والنتائج انعكاس للجهد والموارد والمكونات التي جرى ضخها أو إتاحتها. درامياً، لخصها "اللمبي" (الفنان محمد سعد) ببراعة في مشهد عبقري من فيلم "اللي بالي بالك"، حيث مذيعة برنامج "صباح الخير يا جريمة" تجري حواراً من داخل السجن معه، وتسأله: ليه بقيت بلطجي؟ فأجابها: واحد مصاحب علي علوكة وأشرف كخة، عايزاني أطلع إيه؟! طيار؟!

نماذج "علي علوكة" التي يتعجّب البعض في مصر من انتشارها، واستنساخات أشرف كخة المدهشة في تمددها على الأثير صانعة محتوى ومتلقية له، هي نتاج دورة واحدة في الأقل من الدورات المجتمعية.

تتفق علوم النفس والاجتماع والتربية على أن آثار الجيل الجديد تظهر في المجتمع في دورات، غالباً تتجدد كل عقدين، وهو الوقت اللازم لجيل ما للانتقال من الطفولة إلى المراهقة ومنها إلى الشباب. وعلى رغم أن سلسلة الأحداث والحوادث و"الترندات" والنقاشات التي تدور على الأثير، وتلك التي تشهدها أرض الواقع، لا تلفت الانتباه كثيراً باعتبارها تفاصيل حياتية عادية ومتوقعة، فإنها تظل مصدراً مهماً لقياس الرأي العام، ومنهلاً أساساً من مناهل فهم ما يجري، لا سيما حين تتفجّر واقعة مربكة، أو يقع حدث جلل، أو يستيقظ المجتمع ذات صباح على وقع فكرة أو منظومة ظنّها حكراً على مجتمعات أخرى، أو مبالغة لا تحدث إلا في الأفلام الغارقة في مبالغات درامية بعيدة عن الواقع.

واقع التربية في المجتمع المصري تغير كثيراً في النصف قرن الماضي. الواقع الذي كان مهيمناً حتى نصف قرن مضى ويزيد، لم يعد حاضراً إلا في مخيلات البعض، وفي كتب التراث المعاصر، وكذلك في مواضيع الإنشاء التي يطلب من الصغار كتابتها في الاختبار.

تحولات في منظومة التربية

قواعد التربية نظرياً تقوم على أساس تقديس العلم الذي هو أحد أبرز السّبل للارتقاء الاجتماعي، وغرس العادات الثقافية والتقاليد الأسرية في الصغار، مع الاهتمام بالمنظومة التعليمية التي هي الوسيلة الأساسية للنجاح، وذلك على أرضية ثابتة من الالتزام بالقيم الأصيلة والأخلاق القويمة، مع قدر من غرس أصول الدين الذي هو توليفة متوازنة من التعاملات الراقية والعبادات الوسطية السامية.

واقعياً، تتنازع جهات عدة مهمات التربية في مصر، وهو التنازع الذي لا تظهر آثاره العكسية ونتائجه الفعلية إلا كلما حدثت واقعة تهز المجتمع. والوقائع التي هزّت المجتمع المصري في الأوان الأخيرة كثيرة، والمدهش فيها أنها في طريقها للتحول من ظواهر غريبة أو أحداث مريبة إلى واقع جديد.

الواقع الجديد فيه تربية متحوّلة، وتعليم متحور، وقواعد أخلاقية وسلوكية تشهد إعادة هيكلة شبه كاملة للمصادر والأهداف، وثقافة قانون مطاطة إلى حد كبير تسمح بهوامش للعرف الشعبي ومساحات للأفكار الشعبوية وثغرات ثقافية واجتماعية تفتح الباب لتداخل وتشابك مهمات رجال الدين بمهمات رجال القانون.

الاتجاه العام السائد في الأعوام القليلة الماضية يميل إلى قبول اختلاط الأنساب بين الدين والدولة، أو بين فتاوى وتفسيرات وتوجيهات رجال الدين من جهة وقوانين الدولة المدنية من جهة أخرى. بمعنى آخر، هناك اتجاه عام سائد في الأعوام القليلة الماضية لا يقبل فقط، بل يحبذ ويدفع في اتجاه الزج بالدين في كل كبيرة وصغيرة، والاحتكام إليه، أو بالأحرى الاحتكام للشيخ أو الصديق أو القريب أو "المستر" (المعلم) أو الطبيب المتحول شيخاً، المفضّل لكل مجموعة، لإصدار التوجيهات اللازمة في الحياة، ومنها التربية والتنشئة.

سؤال من يربي الصغار في مصر؟ يطرح نفسه بصورة متكررة بين وقتٍ وآخر، وذلك على خلفية حوادث ووقائع تشغل الرأي العام، وبالطبع تشغل "الترند" الذي بات مصدراً للقياس، ووسيلة لمعرفة ما يجول في داخل المجتمع.

 

حادثة دهس شابة على جانب الطريق من قِبل سيارة كانت تقودها طفلة في الـ15 من عمرها، وفي قول آخر كان يقودها صديقها وهو طفل أيضاً يبلغ 15 سنة، واللقاءات المصوّرة مع طالبات وطلاب الثانوية العامة على أبواب لجان الاختبارات وما تحمله من قدر مفزع من مخارج ألفاظ مميتة، وتفوه بكلمات نابية، ناهيك بآراء يعكس غالبها غياباً شبه تام لثقافة: لماذا نتعلم؟ وهيمنة لمبدأ نحفظ أو نغش أو ندعي الإعياء من أجل الدرجات، وتكرار وقائع إقبال طلاب، لا سيما في المرحلة الإعدادية، على الاحتفاء بانتهاء الاختبارات بتدمير ما تحويه المدرسة من طاولات ومقاعد وكل ما يمكن تهشيمه، وذلك في دلالة على ما تعنيه المدرسة لهم، وغيرها كثير مما يمكن رصده بالعين المجردة، جميعها يستدعي أسئلة عما جرى في منظومة التربية من تحولات، والسؤال الأكبر: من يربي الأبناء؟

"مستر وزة" ليس مجرد "مربّ فاضل" يتحدث عنه الآلاف من الطلاب وذويهم. معلم لغة عربية، يستند في شهرته، العابرة للواقع والمهيمنة على الأثير، إلى ملكة خاصة في تدريس اللغة العربية، وقدرة فائقة لا تعرقلها مساءلة أو تستوقفها مراجعة في الزج بالدين، أو بمعنى أدق، الزج بمفهومه الشخصي للدين على هيئة جرعات مستمرة مركزة في دروسه في "السنتر".

هذه الدروس ومعها آلاف الفيديوهات على صفحاته على السوشيال ميديا" تقدم محتوى لا خطوط فاصلة فيه بين كونه معلم لغة عربية، وقراره أن يكون أيضاً داعية دينياً، صنع علمه بنفسه، وكون آراءه الفقهية وقراراته الشرعية بناءً على رؤيته الشخصية للدين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تأثير "مستر وزة" على طلابه وذويهم مجرد نقطة في بحر من الأثر التربوي الآخذ في التراكم منذ نهاية السبعينيات، وشيوع نسخة متشددة من الدين والتدين الشعبي، الذي يفصل بصورة شبه تامة بين العبادات والتعاملات، حيث المظهر سيد الموقف الديني، وكل ما عدا ذلك شكليات وترهات.

من أقوال "مستر وزة" المأثورة، وقواعده الرئيسة، في دروس "السنتر"، الذي هو نظام تعليم مواز وغير قانوني لمنظومة التعليم المتمثلة في وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني"، "البنات اللي (التي) مطلعة نصف شعرها خارج الطرحة، الله الغني". (بمعنى عليها الانصراف وهو سيضحي بالرزق الإضافي في سبيل تأديبهن وهدايتهن). "والبنات اللي جاية بقلم روج (أحمر شفاه)، ما تجيش"، "عايزين نخرج ناس نظيفة".

"السنتر"... تعليم الظل

"الناس النظيفة" من الأجيال الصغيرة تقف في مواجهة رمزية مع الناس الآخرين بصورة متكررة في المجتمع. في عقود وأزمنة مضت، وتحت مظلة "وزارة التربية والتعليم"، كان ضلعا منظومة تنشئة الأجيال هما: التربية والتعليم، ويدور جزء معتبر منهما في حرم المدرسة. حرم "السنتر" اليوم هو "تعليم الظل" فعلياً، و"تعليم داعم" نظرياً. ولأن "السنتر" لا يربي بطبيعة تكوينه والغرض منه، حيث بدأ درساً خصوصياً لتقوية الضعفاء في مادة أو مادتين، ثم أصبح قاعدة آخذة في التوسع لتحل تدرجاً محل منظومة "التربية والتعليم" الأصلية، وأخيراً نظاماً قائماً بذاته أقوى من المدرسة وأعمق تأثيراً من معلمها وأكثر تأثيراً من المنظومة الرسمية برمتها.

وإذا كانت جهود عدة بُذلت، على مدار العقد الماضي لتنقية المناهج التعليمية من أفكار التطرف وملامح التشدد، فإنّ ما أنجزته هذه الجهود باليمين، تعمل "منظومة الظل" على سلبه باليسار. نسبة معتبرة من معلمي "السنتر" تقوم بدور تربوي عبر بث ونشر أفكار نشأوا هم أنفسهم عليها، ويعدون توريثها ونشرها للأجيال الأصغر اجتهاداً وجهاداً.

"مستر وزة" فكرة، والفكرة لا تقف عند حدود "سنتر" بعينه. يقف على جبهته التربوية في نظام تعليم الظل كثر، منهم على سبيل المثال لا الحصر معلمة في "سنتر"، لا مدرسة، تسرد على الطالبات قواعد وشروط حضور "الدرس الخصوصي" في "السنتر الخصوصي". وبغض النظر عن الألفاظ السوقية التي استخدمتها لشرح قواعدها التي سنّتها بنفسها، فقد اشترطت تغطية الرقبة وعدم ظهور الركبة للفتيات وغيرها من قواعد الملبس. أما قواعد النظافة أو الهدوء أو الاحترام أو حتى الحديث عن قيمة العلم أو مكانة التعليم أو أهمية المعرفة أو التفكير النقدي أو الحقوق والواجبات في المجتمع وغيرها من شؤون بناء الشخصية وغرس قواعد السلوك وبناء منظومة أخلاقية في التعامل لا الملابس فقط، واحترام حريات الغير، فتبقى في "تعليم الظل" هي والعدم سواء.

 

في المقابل، فإنّ الدور التربوي في المدرسة، سواء الحكومية أو الخاصة، يبقى إلى حد كبير مسألة حظ، ويختلف باختلاف الأشخاص. فهذا معلم يؤمن بصفة شخصية بدوره التربوي، وذاك يعد ساعات العمل مخصصة للشرح أو مساعدة الطلاب على الحفظ بغرض سبك المحفوظ على ورقة الاختبار. وهذه مدرسة حكومية تعاني نقص الإمكانات، وضغط الأعداد، وترتيب الأولويات حيث مكون التربية رفاهية في خضم طوفان متطلبات المباني وعدد الفصول ورواتب المعلمين وكلفة الاختبارات ونسبة الناجحين ومعدل الدرجات المؤشر شبه الوحيد لنجاح المنظومة أو إخفاقها، وتلك مدرسة خاصة أو دولية تعنى بالمسبح والجيم والمعلم ذي اللكنة الأميركية أو البريطانية ورحلات نصف العام لجنوب شرقي آسيا ونهايتها لعواصم أوروبية. أما المكون التربوي، والالتفات إلى أهميته، والاتفاق على أدواته وتعريف مكوناته وسبل التحقق من تفعيله وقياس مخرجاته، فيبقى على رأس أولويات ضحايا أزمة التعليم التي تعدى عمرها نصف قرن.

توليفة ضعف الإنفاق على التعليم، والزيادة السكانية الرهيبة، وتكدّس الفصول، وتدني رواتب المعلمين، والاستعانة بمعلمين غير مؤهلين، والنمو السريع والتغلغل الفوضوي لـ"تعليم الظل" حيث الدروس الخصوصية والمراكز الخاصة التي تلقن ولا تعلم، وبالطبع لا تربي، هي التوليفة التي نشأت في سبعينيات القرن الماضي، وأخذت في النمو والتوسع في غفلة من الزمن، والحكومات المتعاقبة، والرؤى التربوية المتخصصة.

الأعوام القليلة الماضية شهدت نهضة حقيقية من أجل إصلاح ما يمكن إصلاحه من حيث زيادة عدد المدارس، وصيانة المباني، وتخفيف التكدس في الفصول، وحل أزمة عجز المعلمين، وإعادة بث الحياة في التعليم الفني وغيرها الكثير، إلا أن تضخم الأزمة جعل الالتفات إلى المكون التربوي أمراً بالغ الصعوبة، وقابلاً للتأجيل.

تفريغ منظومة التعليم من مكون التربية لم يحدث بين يوم وليلة، لكنه نتاج عقود، وحصيلة تشابك أزمات وتغيرات عدة طرأت على المجتمع. دراسات وخبراء علوم النفس والتربية والاجتماع أجمعوا على أن مسؤولية تربية الأطفال والمراهقين، وتقويم سلوكهم جهد جماعي مشترك في أي مجتمع، بين الأهل والمدارس ومؤسسات المجتمع المختلفة ومنظماته الأهلية. تختلف الأدوار التي تؤديها كل جهة، لكنها تتكامل. وتتراوح مكونات التربية بحسب البيئة والإمكانات، لكنها لا تتنافر. الأهل هم المربون الأساسيون، والمدارس تقوم وترسخ السلوك وتقدم نماذج تحتذى، والمجتمع يؤكد هذه القيم ويعمل على تنميتها وتقويتها عبر الثقافة والإعلام، وكذلك القانون.

"السوشيال ميديا" تقود

العنصر الأحدث في التربية في كل المجتمعات، ومصر ليست استثناءً، هو التكنولوجيا، تحديداً مكونات العصر الرقمي من أدوات ومنصات وتطبيقات، وهو المكون الذي ظهر مع جيل "زد" وفرض نفسه مربياً محورياً رغم أنف الجميع.

في مقالة عنوانها "من جيل زد إلى ألفا: تقييم التأثيرات الثقافية لكل جيل" منشورة على منصة "كونفينيتي" المخصصة لمشاركة الذاكرة الرقمية للأسر، جاء أن التكنولوجيا بالنسبة إلى جيل "زد" هي القوة الدافعة الأكبر في حياتهم، لا سيما أنها ظهرت بالتزامن مع نشأتهم. هذا الجيل هو الأكثر استخداماً للتقنيات الرقمية. هؤلاء شهدوا تحول التكنولوجيا إلى أجهزة محمولة فائقة السرعة، ومنصات مساعدة متطورة. إنه الجيل الرائد في استخدام "السوشيال ميديا" كوسيلة الاتصال الرئيسة، والأداة الأهم في تحقيق أهدافهم من تواصل وتعبير عن النفس وحشد من أجل التغيير. جيل "زد" تربى في كنف التكنولوجيا، وفي قول آخر، جيل "زد" باكورة منظومة التكنولوجيا والمنصات الرقمية كمربية أجيال.

استشاري التشريعات الرقمية محمد حجازي قدّر في تصريحات صحافية أن نسبة الأطفال والمراهقين في مصر من المستخدمين للإنترنت تبلغ نحو 35 في المئة من مجموع المصريين المتصلين بالإنترنت. وعلى رغم عدم وجود إحصاءات رسمية، فإن تقديرات أخرى ترجّح أن يكون نصف أطفال ومراهقي مصر ممن هم دون سن الـ18، أي نحو 40 مليون طفل ومراهق، متصلين بالإنترنت.

 

قائمة فوائد الاتصال بالإنترنت معروفة، وكذلك مساوئها، لكن اعتلاء التكنولوجيا الرقمية مكانة، في الأرجح متقدمة، في قائمة الجهات المربية للأجيال لا تزال بعيدة عن الالتفات أو الدراسة، وذلك على رغم نتائجها التي تطل على المصريين يومياً.

ماذا يحدث حين تصبح "السوشيال ميديا" والمنصات الرقمية مربية للأجيال؟ سؤال اجتهدت منظمة "يونيسيف" في الإجابة عنه في تقرير عنوانه "الطفولة في عالم رقمي" (2025). حين تهيمن "السوشيال ميديا" والتكنولوجيا الرقمية على تربية الطفل، فإنها تُغير بصورة جذرية كيفية نموه المعرفي والاجتماعي والعاطفي. وبينما تُعزز هذه الوسائل المعرفة الرقمية والتواصل، فإنها أيضاً تزيد من القلق نتيجة للمقارنة المستمرة عبر الإنترنت، وتقلّص القدرة على الانتباه والتركيز، وتُضعف التعاطف، وتجمّد المشاعر.

يشار إلى أن الطفلة التي قال شهود عيان إنها كانت تقود سيارة بسرعة جنونية مما أدى إلى دهس شابة على الطريق قبل أسابيع، ترجّلت من السيارة عقب الحادثة، ووقفت بهدوء بالغ ورباطة جأش مفزعة ممسكة بهاتفها المحمول وتكتب عليه رسائل، وحين وجه إليها المارة عبارات غاضبة وبدأوا في تصوريها لتوثيق الحادثة، ظلت تبتسم وتوجه إليهم إشارات باليد تنم عن عدم الاكتراث.

ويشير تقرير "يونيسف" إلى أن الاتصال المستمر أو العالي بالإنترنت من قبل الأطفال سبب رئيس من أسباب زيادة مشكلات الصحة النفسية بين الشباب والصغار. والإتاحة المستمرة وغير المشروطة لأدوات الاتصال بالإنترنت أمر محفوف بالأخطار، لا سيما أن فهم العالم بأسره لكيفية وحجم ونوعية وآثار استخدام الأطفال والمراهقين للتقنيات الرقمية لا يزال محدوداً، وهي المعرفة التائهة وسط التنافس المحموم بين شركات الإنترنت والمنصات والجهات الفاعلة الأخرى في هذا المجال، لبناء عالم رقمي مربح وجذاب.

عالم رقمي جذاب ومربح

هذا العالم الرقمي المربح والجذاب تحوّل مؤسسة تربوية تنشئ الأجيال وتربيها، بعلم الأهل أو من دونه، برضاهم ومباركتهم أو دونهما. ويشار في هذا الصدد إلى تحوّل قطاع معتبر من الأهل أنفسهم صوب إدمان الشاشات والاستهلاك المفرط وربما المرضي للمحتوى. ويشار أيضاً إلى أنه حتى أعوام قليلة مضت، كان خبراء التربية وعلماء النفس والاجتماع يحذرون من مغبة ترك الصغار أمام شاشات التلفزيون التي تبث أفلام الكرتون دون مراقبة المحتوى، أو تحديد عدد ساعات، وأحياناً دقائق المشاهدة، خوفاً على الأجيال الصغيرة من آثار المشاهدة غير المحسوبة.

الدراسة المنشورة على منصة "كونفينيتي" أشارت إلى أن كثراً يغفلون أن منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" وغيرهما ليست مجرد وسائل ترفيهية أو تطبيقات مشاهدة، بل هي أدوات فعّالة للدعوة والتأثير والمشاركة سواء بالرد أو النقاش أو بالتحول إلى صناعة المحتوى أيضاً. وتضيف أن "السوشيال ميديا" بالنسبة إلى جيلي "زد" و"ألفا" وسيلة باتت في حكم الأمر الواقع للتعبير عن الذات، وتكوين الهوية، وبناء (أو هدم) المجتمع (أو تغيير قواعده وملامحه)، مشيرة إلى أن بينهم (جيلي زد وألفا) من يدرك سلبياتها وتأثيراتها السيئة في الصحة النفسية، والمعلومات المضللة.

تغلغل "السوشيال ميديا" والأدوات الرقمية مكوناً تربوياً، وتفتت الدور التربوي للمدرسة بين منظومة عانت على مدار أكثر من نصف قرن مشكلات كبرى من جهة، وتحول "تعليم الظل" إلى جهة تعليمية رئيسة، وتسلل منظومة الجهاد التربوي عبر تديين الأجيال الصغيرة كل بحسب رؤيته للدين ومفهومه عن دوره محدثة انقلاباً في منظومة التربية، وغياب رؤية وطنية واضحة وعملية لمنظومة التربية، مع ضلوع الحلول الدينية في كل مرة تنشأ فيها مشكلة تربوية أو سلوكية أو أخلاقية أو قانونية، مرة عبر مبادرة عودة الكتاتيب، وأخرى من خلال تدشين رواق للأزهر في الجامعات، وغيرهما، مع نشاط واضح لكيانات دينية موازية، بعضها فردي يعمل عبر "السوشيال ميديا"، والبعض الآخر خفيّ يحتاج إلى بحث وتقصّ لمعرفة المؤسسات والجهات التي تموّله وتدعمه، جميعها يربي الأجيال الصغيرة.

 

إنها التربية الدائرة رحاها منذ أعوام، التي بدورها تطل على المجتمع بين الحين والآخر، مسببة له الدهشة والصدمة والذهول، وكأنّ الحراك الحاصل في منظومة التربية انقلب رأساً على عقب بين يوم وليلة.

خلاصة القول، إنّ الدورة المجتمعية الحالية على يد جيل "زد" تكشف كثيراً عما جرى في التربية، وكذلك دورة جيل "ألفا" التي تتكهن بما هو أكثر وأخطر. المعالم الثقافية والاقتصادية والتكنولوجية المشتركة التي تشكل العقلية الجماعية لهذين الجيلين باتت واضحة، وآثارها على المجتمع صادمة. لقد بدأت بالفعل قيم هذين الجيلين وعاداتهما في إحداث تغيرات كبرى في الشارع والبيت وأماكن الدراسة وكذلك العمل.

وفي المستقبل القريب جداً، الذي بدأت بوادره بالفعل، حيث ذروة تأثير هذين الجيلين، وبدء توليهم المناصب القيادية، وإعادة تشكيلهم لثقافات وبيئات العمل والسياسة والثقافة والشارع، ودخولهم مرحلة تكوين أسر وإنجاب أطفال، ستبدو آثار نصف قرن أكثر وضوحاً.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات