Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صحة المصريين بين شد العلم وجذب الخرافة

وجد المجتمع نفسه غير قادر على تكوين رأي واضح أمام طوفان المعلومات الغذائية الصحية ومكونات الأكل التي ينصح بتناولها والأدوية التي لا ينبغي أبداً أخذها أو توقيفها

مصري ينحني أمام معالج بلدغ النحل طلباً للشفاء (رويترز)

ملخص

وقُدر لمصر والمصريين أن يطل مكون جديد ضمن منظومة الصحة وثقافاتها الشائعة قبل بضعة أعوام، اسمه "العوضي"، فضياء العوضي الذي تخرج في كلية الطب بتقدير امتياز، وتخصص في مجال التخدير والرعاية المركزة لأعوام، قبل أن يتحول إلى مجال التغذية العلاجية التي أدت إلى شهرة رهيبة للرجل بفعل ما أطلق عليه "نظام الطيبات"، ومعه "رؤية" مختلفة عن التدخلات العلاجية التي سارت ضد التيار العلمي، لكن صبّت في صميم التيار الشعبي، حتى أصبح له مريدون وقاعدة محبين ومشجعين ومدافعين، تحول بعضهم إلى ما يشبه "تقديس" الرجل بعد وفاته الغامضة قبل نحو أسبوعين، مما كشف الستار عن حقائق وملامح ومعالم وتغيرات حدثت داخل المجتمع المصري في غفلة من الزمن والوزارة والطب والعقل والمنطق مجتمعة.

تبدأ الجولة عند الطبيب، تمر بنصائح الأهل والجيران، تعرج على فيديوهات لرجل يقول إنه طبيب، لكنه يتحدث باسم الدين، أو رجل يقول إنه رجل الدين، لكن احترف الطب "بفضل الله"، وتنتهي بطرق باب عيادة الطبيب مجدداً، لكن بعد تطور الحال وتدهور الصحة.

ومن الممكن أن تبدأ الجولة عند مركز العلاج النبوي، بعد فشل نصائح الأهل وتكرار صرف "روشتة" الجيران، نظراً إلى تشابه الأعراض وتقارب الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وتنتهي باستغاثة موجهة إلى طبيب لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وهي الاستغاثة التي إما صابت بتوافر المال والجهد والوقت والصبر، بعد توافر العلم والخبرة، أو خابت فيكون الوقت تأخر كثيراً، أو المال تبدد تماماً، أو الجهد والصبر نفدا بنفاد سبل العلاج السابقة، أو كل ما سبق.

وتضاف إلى أسباب الخيبة ربما خيبة الطبيب نفسه الذي يختار أن يهجر العلم ويعادي العقل، ويداهن الخرافة ويصادق الدجل ويحترف الجدل، ليصبح "الطبيب الملاك" أو "الحكيم الشافي" أو المعالج المفند للمؤامرة العلمانية والفاضح للمخططات الرأسمالية الاستعمارية والكاشف عن ثغرات الطب وفجوات الأدوية التي ينفد منها المتآمرون والاستعماريون والأشرار بأنواعهم، ويؤسس طائفة فريدة من المرضى وذويهم ودوائر من المعجبين وجموع من المريدين، يدينون له بالولاء ويشعرون في حضرته أو على أثير صفحته بالخشوع والهيبة وحلاوة الإيمان.

قائمة الرعاية الصحية

مسارات الصحة في مصر كثيرة، فبعضها يتقاطع بصورة متناعمة يخدم غاية العلاج وتحقيق الصحة، وبعضها الآخر يتضارب ويتطاحن ويتنافس، مما يؤدي إلى سيولة مفهوم الصحة وضبابية سبل العلاج وغموض المعنى المقصود من "إزيّ الصحة؟".

إحدى أكثر عبارات التحية المتداولة بين المصريين هي "إزيّ (كيف) الصحة؟" وكانت أكثر الإجابات رواجاً "زي البمب"، أي في أفضل صحة وحال، أو "زي الحصان" للدلالة على القوة والصحة الجيدة. وتغيرت الإجابات بتغير الوقت والأحوال، فصارت "الحمد لله، رضا"، أو "ماشي الحال"، أو "كله رضا" تقال بنبرة هي خليط من الأسى وعدم الرضا.

وبالأرقام، تحسنت منظومة صحة المصريين، أو فلنقل، تحسنت الرعاية والخدمات الصحية المقدمة إلى المصريين على مدى العقد ونصف العقد الماضيين. وعلى سبيل المثال لا الحصر، تمكنت المبادرة الرئاسية لفحص وعلاج الأمراض المزمنة والكشف المبكر عن الاعتلال الكلوي من فحص نحو 20.5 مليون مصري ومصرية منذ عام 2021، بهدف التشخيص المبكر وتقديم رعاية صحية مجانية جيدة، إما عبر صرف الأدوية المجانية بصفة شهرية، أو بتحويل المرضى إلى العلاجات التخصصية، كل بحسب حاله.

ومبادرة "مئة مليون صحة" فحصت أكثر من 70 مليون مواطن للكشف عن فيروس "سي" والأمراض المزمنة. ومبادرة القضاء على فيروس "سي" عالجت ما يزيد على 4 ملايين مريض إلى أن جرى إعلان مصر خالية من الفيروس عام 2020. ومبادرة صحة المرأة فحصت نحو 15 مليون سيدة للكشف المبكر عن أورام الثدي. ومبادرة الكشف المبكر عن أمراض الأنيميا والسمنة والتقزم بين أطفال المدارس الابتدائية، فحصت أكثر من 8 ملايين طالب وطالبة من المصريين وغير المصريين.

وقائمة الرعاية الصحية طويلة. وانتهى كابوس قوائم انتظار الدور لإجراء العمليات الجراحية لنحو مليوني مريض. وبدأ تطبيق نظام التأمين الصحي الشامل في مرحلته الأولى. وجرى تيسير تنظيم إصدار قرارات العلاج على نفقة الدولة، وغيرها كثير.

 

وعلى رغم كل ما سبق، فإن منظومة الصحة وثقافتها في مصر فيها كثير من أوجه الغرابة وعدد كبير من مظاهر الغموض، إذ إن الصحة في مصر ونظامها لا يقتصران على مرض وتشخيص وعلاج ونظام تأمين، أو أسلوب حياة صحي، أو حتى كما تعرفهما منظمة الصحة العالمية باعتبارهما "مجموعة العوامل والموارد التي تعمل معاً لضمان حصول الشخص على الرعاية الصحية الجيدة التي يحتاج إليها، مع العلم أدرك أن النظام في دولة ما يختلف عن غيرها، أو اعتبار النظام الصحي ذلك الذي يعزز الصحة، ويعيدها حال تضررها، ويحافظ عليها.

حتى هذا الكيان الشامل الذي وضعت منظمة الصحة العالمية قواعده وأرست مبادئه وتقيس على أساسه أداءات الأنظمة الصحية وصحة الشعوب في العالم، باعتباره منظومة متكاملة ومعقدة من الإجراءات والجهات الفاعلة والموارد والآليات التي تتشارك وتتعاون من أجل تقديم خدمات الرعاية الصحية، لتلبية الحاجات الصحية للمواطنين، يخرج المصريون عن النص، ويصرون على انتهاج واعتناق منظومة صحة متنافرة المكونات، متناقضة المبادئ، وعلى رغم ذلك تستمر المنظومة وتستدام وتجدد نفسها وتقاوم التحديث وتحارب التنقيح والمراجعة.

منظومة الصحة في مصر تتداخل معها، تارة مكملة إياها، وأخرى متناقضة معها الثقافة الشائعة للصحة. وثقافة الصحة هي المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد والسلوكيات التي تجمع بين أعداد كبيرة من الأفراد في المجتمع الذين يعتقدون بأنها جزء رئيس ومحوري، ولا غنى عنه من صحتهم ورفاههم. وتشمل أنماط الحياة، من نظام غذائي ونشاط بدني وسلوكيات تتعلق بالصحة ووثيقة الصلة بالمعايير الثقافية والاجتماعية، والدين جزء لا يتجزأ منها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عقود، وربما عقود طويلة، وفئات من المصريين تلجأ إلى "المعالجين الروحانيين"، وفي أقوال أخرى "صاحب كرامات" أو "وليّ من أولياء الله الصالحين" أو "الراقي" (من الرقية الشرعية) أو "الفكاك" الذي يفك الأعمال الشريرة لعلاج النفس والجسد.

وضمن دراسة عنوانها "الأبعاد الاجتماعية والنفسية المرتبطة بالإقبال على أعمال السحر وانعكاس ذلك على الأسرة" للباحثة ولاء إبراهيم في معهد الدراسات والبحوث البيئية في جامعة عين شمس (2019)، جاء أن نسبة المقبلين والمقبلات على العلاج بالسحر والشعوذة من أمراض وأعراض نفسية وجسدية كبيرة، ولا تقتصر على النساء دون الرجال، أو الأكبر سناً، بل إن الفئة العمرية الأكثر إقبالاً تراوح ما بين 20 و50 سنة، ونسبة الإناث تفوق قليلاً نسبة الرجال، والأكثر تديناً هم الأكثر إقبالاً، إذ إن "السحر مذكور في القرآن" عبارة تتردد كثيراً على الألسنة. كما أن كثيراً من الأعراض المرضية يجري إرجاعه من قبل هؤلاء إلى "العمل" أو الحسد أو الجن أو غيرها، مما يمكن لـ"المعالج الروحاني" أن يداويه بلا أدوية. والمفاجأة هي أن النسبة الأكبر من المقبلين على هذا النوع من "العلاج" لا يعانون الأمية، بل يحملون شهادات جامعية ومتوسطة.

معالجون روحانيون

وعلى رغم عدم وجود دراسات أو مسوحات تقيس حجم انتشار هؤلاء "المعالجين"، أو عدد المترددين، ولا سيما أنها أنشطة غير رسمية، فإن الخلطة السحرية التي يقدمها "المعالجون"، فإضافة المكون الديني إلى العامل "العلاجي"، تشي بنجاح كبير وانتشار أكيد في بيئة اجتماعية وشعبية حاضنة لمزج الدين بالطب بالصحة بالمرض بالتدين بالحس التآمري بالمخطط الاستعماري بجشع شركات الأدوية. ووصل النجاح إلى درجة السير العكسي للخلطة السحرية. فبدلاً من "معالجين روحانيين" يدّعون الطب، أصبح هناك أطباء يدعون "العلاج الروحاني".

قبل أعوام عدة، انتشرت تقارير صحافية منشورة مأخوذة عن مقابلة أجرتها وكالة "رويترز" مع "معالج روحاني" اشتهر بالعلاج بالقرآن لكل أنواع الأمراض الجسدية والعلل النفسية. وحين سُئل عن رأيه في الرأي العلمي بأن علاج الأمراض يكون بالعلم والطب والدواء، لا بالدين والآيات، انتفض غاضباً وقال "هذا كذب. هناك علاج بالقرآن، ومن يقول إن القرآن لا يشفي، فهو كاذب. إن كان القرآن لا يشفي، فمن لا يشفيه القرآن لا شفاء له". وأضاف أن الرسول (ص) قال "شفاء أمتي ما بين ثلاث، لحسة عسل وكي نار وتداوي بالقرآن". (الحديث الوارد ذكره في المراجع نصه "الشفاء في ثلاث كية نار، أو شرطة محجم، أو شربة عسل").

والتقارير الصحافية أدت إلى مزيد من شعبية الرجل، وتواتر تعليقات المتابعين والمستخدمين التي تستحن وتثمن وتثني على الرجل، وتسأل عن العنوان وطريقة الاتصال، وتصبّ الغضب واللعنات على "تلك القلة المنحرفة" التي تشكك في العلاج بالدين.

وقُدر لمصر والمصريين أن يطل مكون جديد ضمن منظومة الصحة وثقافاتها الشائعة قبل بضعة أعوام، اسمه "العوضي"، فضياء العوضي الذي تخرج في كلية الطب بتقدير امتياز، وتخصص في مجال التخدير والرعاية المركزة لأعوام، قبل أن يتحول إلى مجال التغذية العلاجية التي أدت إلى شهرة رهيبة للرجل بفعل ما أطلق عليه "نظام الطيبات"، ومعه "رؤية" مختلفة عن التدخلات العلاجية التي سارت ضد التيار العلمي، لكن صبّت في صميم التيار الشعبي، حتى أصبح له مريدون وقاعدة محبين ومشجعين ومدافعين، تحول بعضهم إلى ما يشبه "تقديس" الرجل بعد وفاته الغامضة قبل نحو أسبوعين، مما كشف الستار عن حقائق وملامح ومعالم وتغيرات حدثت داخل المجتمع المصري في غفلة من الزمن والوزارة والطب والعقل والمنطق مجتمعة.

 

ومما نصّ عليه "نظام العوضي" أو "نظام الطيبات"، ارتباط أمراض خطرة وشائعة بين المصريين مثل السكري والقلب والسرطان بالغذاء، لا العلاج. ووصل الأمر إلى درجة مطالبته بالتوقف عن العلاج بالإنسولين لمرضى السكر، والعلاج الكيماوي لمرضى السرطان، وأدوية القلب لمرضى القلب وغيرها، ناهيك عن تحذيره من تناول الألبان والبيض والخضراوات، بينما رأى في اللحوم الحمراء والسكر والسجائر مكونات لا ضرر منها.

موقع الطبيب الراحل مصمم بحرفية، وصفحاته على الـ"سوشيال ميديا"، وآلاف الصفحات التي خصصها آخرون لنشر "فكره وفلسفته" بغرض "تعميم الفائدة وتقليص الخسائر والأضرار، وفيديوهاته التي كانت الملايين تتابعها وتشاركها بشغف يقارب أو يشبه الشغف بأولياء الله الصالحين والأنبياء والقديسين ظلت متداولة ورائجة وتتناقلها الملايين، سواء عبر "الشير" أو طباعة النظام الصحي وتوزيعه على الأهل والأصدقاء، وذلك على مدى أعوام.

وشهدت هذه السنوات اقتناع كثرٍ بهجر الدواء واعتناق "الطيبات"، وبينهم مرضى حاصلون على درجات الدكتوراه والماجستير في العلوم المختلفة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت مئات، وربما آلاف الصفحات التي دشنها بعضهم لضمان نشر الرسالة، ولا سيما بعدما اختلطت "الطيبات" بالقرآن الكريم بحسب تفسير الراحل. "معجزة الدكتور ضياء العوضي الذي اكتشف نظام الطيبات في القرآن الكريم" و"تفسير المفاهيم القرآنية من زاوية العلوم الطبية" و"أدلة من القرآن على خطورة الخضراوات والبقوليات" وغيرها من المواضيع شاعت وانتشرت، وجرى اعتناقها، وكأنها دستور حياة كتبه زعيم طائفة.

ورحل العوضي، لكن الفكرة لم ترحل. وما يمكن رصده هو قاعدة عريضة من المحبين والمتابعين والمعتنقين للفكرة، يملأون الأثير نشراً للفكرة، حتى بعد حظر نشر تفاصيلها، بحسب قرار رسمي صدر بعد رحيله ببضعة أيام.

ظاهرة متكررة

والظاهرة تكررت خلال الأعوام الأخيرة، فيطلّ على المجتمع المصري أحدهم، مهندس أو سباك أو سائق "توكتوك" أو محاسب أو طبيب، يغلف حديثه بالدين، يحاول إثبات أفكار باعتبارها نظريات، معظمها يسير عكس اتجاه العلم، ثم يلبسها رداء الدين، ويبدأ الخطابة في الجموع، ويوفر له العصر الرقمي وأدواته ما ييسر عمليه الانتشار بدقة زر. يبدأ بتكوين قاعدة من المتابعين، تتوسّع القاعدة وتكبر كلما كان متمكناً من أدوات الخطابة الجهورية، وتشبيك الدين بالطب بالغيبيات بالابتكارات بالروحانيات، وحبذا لو تمت إضافة عنصر من نظريات المؤامرة أو مكون من مكونات الإمبريالية والرأسمالية وأعداء الدين وكل ما من شأنه أن يخلق أيديولوجيا شيطانية تدغدغ المشاعر وتدق على مواطن الهشاشة.

بحثاً عن أسباب "الهشاشة"، طرح الطبيب والكاتب خالد منتصر في مقالة عنوانها "ظاهرة العوضي وهشاشة العقل المصري" (أبريل- نيسان الماضي) تساؤلاً عن أسباب انتصار العلم الزائف، وتأليه كثرٍ لسماسرة العلم الزائف، والأرضية الفكرية التي ثبت أنها ممهدة لاكتساح واجتياح فكر العبثيات.

وعلى رغم إشارته إلى أن الخلط بين العلم والخرافة، واستعداد بعضهم لتصديق الوهم أمور ليست حكراً على بلد دون آخر، أو زمن دون غيره، فإنه يقول إن المختلف والمزعج والمنذر بالخطر في الحالة المصرية هو "عدد الألتراس المقتنعين بهذه الخرافات، وغياب العلم القادر على علاج الجهل بالشك والنقد". ويرى أن هناك انتشاراً لما سمّاه "الوفوبيا من العلم، وفيها تنتصر هلاوس وضلالات تجار الوهم على أية محاولة إقناع بالمنطق".

أما لماذا تتسع قاعدة الانتشار في مصر، فهذا يعود في رأي منتصر، لـ"كوكتيل يجمع بين العلم المزيف نفسه وجمود التركيبة العقلية. وإذا كان العلم الحقيقي يقنع العقل، فالعلم الزائف يخاطب الخوف من التفكير، مما يجعل انتصار الجهل والزيف سهلاً"، ويضيف أن الوهم يلعب على وتر الخوف من المرض والموت والمستقبل، ولا سيما أن العلم الحقيقي يحترم النسبي، وهذا سر قوته. فهو (العلم الحقيقي) يقرّ بعدم وجود حلول سحرية، أما الدجل والعمل المزيف، فيقولان بثقة ونرجسية إن العلاج مضمون.

 

ويرى منتصر أن كثراً يفضلون قصة مريض شفي بالجن أو الطاقة أو الاعتكاف أو الامتناع عن البطيخ، أو الاقتداء بتجارب الآخرين، ففلان شفي بنظام على النت، أو علّان كان مشلولاً وراح يجري مثل الحصان من دون دواء أو علاج، مشيراً إلى أنه "تستوي في ذلك فئات وطبقات مختلفة، فتجد مهندس كمبيوتر أو دكتور جامعة أو رجل أعمال مليارديراً أو فناناً مشهوراً، مقتنعاً بهلاوس وضلالات لا تنتمي للطب والعلم بصلة. فيقع في فخها ويدافع عنها باستماتة لأن تعليمنا التلقيني يعلم الطالب "ماذا" لا "كيف" يفكر، ولفت إلى "استعداد المصري أن يبتلع لغماً ويتجرّع سماً، ويقبل فكرة خرافية عبثية، ما دامت ملفوفة في سيلوفان ديني براق، وما دام قائلها استخدم مصطلحات الدين، ورش بهارات تراثية قديمة على مصطلحات طبية حديثة، ووضعها في فرن لغة سماسرة السماء المسيطرة على الأمخاخ المغيبة".

والأصوات القليلة المجاهرة بجهود فك "لوغاريتم" مفهوم الصحة وثقافتها في مصر التي كشفت عن مدى خطورتها وتشابكها بفعل "منظومة العوضي" تتطرق كلها إلى رباعي العلم والثقافة والسياسة والدين. الكاتب مارك مجدي كتب تحت عنوان "ظاهرة العوضي ضمن البيئة الأيديولوجية في مصر" (أبريل الماضي) أن المناخ الداعم للخرافة شامل ومركب، ويتغذى وينمو بتداخل خلل العملية التعليمية التي فشلت في زرع التفكير النقدي، مما يتيح لمنتسبين إلى العلم إنكار أسسه، إضافة إلى تآكل النخب الثقافية والأكاديمية والسياسية القادرة تاريخياً على إنتاج خطاب عقلاني بديل، لمصلحة نخب سياسية واجتماعية متماهية مع هذا الواقع.

ويضيف مجدي عاملَي غياب المجال السياسي التعددي الذي يتيح الاحتكاك بين أفكار متعارضة، مما حرم المجتمع من آلية أساسية لتكوين الحس النقدي عبر الحوار والسجال، وانتشار خطاب ديني وسياسي يعيش على اليقينيات الجامدة، ويعتمد تفسيراً تآمرياً للعالم، لينتج بصورة يومية سرديات جاهزة تفسر الواقع من دون الحاجة إلى تحليل علمي.

مركز الطب النبوي

يُشار إلى أن جامعة الأزهر أعلنت مطلع الشهر الماضي عن الاستعداد لافتتاح "مركز الطب النبوي"، وقال رئيس الجامعة سلامة داود إن "علوم الطب عبر التاريخ أثبتت أن النبي (ص) استخدم وسائل علمية ناجحة مثل السواك"، موضحاً أن المركز سيسهم في توثيق واستثمار هذه المعارف لخدمة المجتمع.

والمجتمع الممزق بين شد طبي علمي يقدم له التشخيص والعلاج والرصد والمتابعة ومبادرات صحية تتكلف مليارات، وبين جذب يخلط حابل العلم بنابل الخرافة وجد نفسه غير قادر على تكوين رأي واضح أمام طوفان المعلومات الغذائية الصحية ومكونات الأكل التي ينصح بتناولها، والأدوية التي لا ينبغي أبداً أخذها أو توقيفها إلا بناء على تعليمات الطبيب المعالج.

أسئلة عدة تتواتر على الصفحات، سواء الرسمية أو الشخصية حول ملابسات بيانات التوعية الغذائية الرسمية، بين سائل عن سبب "تأخر" التوعية بعدما انتشرت "طائفة العوضي" على مدى أعوام، ومشكك في الجهود، باعتبارها "مؤامرة" لوصم الراحل وتشويه "رسالته"، أو للترويج لعلاجات بعينها غير موثقة في الدين أو إعادة الاعتبار لشركات الدواء تحقيقاً للأرباح، ومطالب بتعميم التوعية لتصبح جزءاً من العمل اليومي في وزارة الصحة، لا استجابة لكارثة طبية ومصيبة صحية تسبب فيها مزج الطب بالخرافة، يطالع المصريون بيانات التوعية الغذائية الرسمية، ويتابعون الأجواء المشتعلة حول صحتهم وثقافتهم المتعلقة بالصحة.

 

أما ما لا يطرح في العلن، أو يناقش على الصفحات والمنصات فهو السؤال عن تأسيس مركز للطب النبوي في جامعة الأزهر، بينما الجدال مشتعل حول جدوى وآثار وأضرار وربما فوائد، تداخل الطب بالدين بالعلاج بالآيات بالدواء بالحبة السوداء بالتجارب السريرية بعسل النحل، بربط يصنعه طبيب حالات حرجة بين السجود والوقاية من الجلطات، طبيب قلب يؤكد أن صلاة الفجر تقي من الأزمات القلبية، ومطالبات تتصاعد بضرورة الفصل بين الدين والطب، حتى لا يجور هذا على ذاك، أو يتقهقر ذاك أمام طغيان هذا.

رسائل متضاربة يتلقاها المصريون. يد تبني بالعلم، وتقي بالوقاية، وتحمي بالتشخيص والعلاج، والأخرى تطعن في العلم وتشكك في الطب وتسير في الاتجاه المعاكس.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات