ملخص
طبيعة المصريين لا تميل إلى العنف الجسدي. حتى في أحلك الظروف، وبينما المشاعر محتقنة في خناقة في الشارع، وكلا الطرفين مثقل بهمومه ومسؤولياته، ومعظمها اقتصادي، و"روحة في مناخيره (أنفه)" للدلالة على الضغط النفسي، يظل اللجوء للعراك بالأيدي محدوداً، مقارنة بـ"الجعجعة".
أصوات مرتفعة تصدر من الشارع. يهرع الصغير إلى الشرفة ليستطلع الأمر. تسأله الأم عن نتائج الاستطلاع. يخبرها بلهجة واثقة "مجرد خناقة بين قائدي سيارتين". تهم الأم بالنهوض لـ"تتفرج" مع الصغير لكنه يخبرها "انتهت بسرعة، للأسف".
أصوات الشارع المرتفعة لا تتوقف. الزحام والضوضاء وافتقاد التنظيم وتداخل خطوط وخيوط الحرية الشخصية مع المنفعة العامة، مع قدر غير قليل من سيولة تطبيق القوانين، وضبابية المسموح والممنوع، وسهولة الاعتماد على العرف و"جرت العادة" و"تشير التقاليد" وغيرها يجعل من تفجر معارك، معظمها متناهي الصغر، في الشارع سمة يومية ومعتادة، وترقى إلى كونها مقبولة، ناهيك بعناصر الجذب والإثارة في تفاصيلها وسبل حلها، باستثناء تلك التي تُراق فيها الدماء، وهي قليلة.
معارك الشوارع أو "خناقة" أو "عركة الشارع" كما يشار إليها في مصر منظومة قديمة قدم الشارع. لا يخلو شارع على وجه المعمورة من خلافات تنشب بين الأفراد لأسباب شتى. يسمونها "غضب الشارع"، وهو الغضب الذي يراوح ما بين خلاف بسيط بين شخصين أو أكثر، ويجري حله بتمرينات النفس وتهدئة الغضب، أو استدعاء الشرطة للتحقق مما جرى واتخاذ الإجراءات اللازمة، أو ترفع فيها السكاكين وتشهر السيوف وتُطلق رصاصات من أسلحة متنوعة ويسقط قتلى ويصاب مارة.
غضب الشارع أو معاركه خليط من ثقافة الشارع والمجتمع، وعلاقة الدولة بالمواطن، وعلاقة كليهما بالقانون، وكذلك حزمة متنوعة من العوامل النفسية والسياسية والاقتصادية والأنثروبولوجية والسلوكية والأخلاقية والدينية، تجعل من "خناقات الشارع" حول العالم منهلاً لفهم شعوبه وسكانه وأحواله.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حال خناقات الشارع في مصر ليس غريباً أو طارئاً أو مفاجئاً. خناقات الشارع في مصر مميزة وفريدة ومثيرة. ليست وليدة اليوم أو الأمس، بل جزء من التراث والتاريخ. وثقها بعضٌ أدبياً واجتماعياً، قبل أن تُترك لحال سبيلها، تتغير بتغير الظروف والأوضاع، وتتطور بحسب هوامش السياسة والاقتصاد والثقافة والضغوط.
أبرز وأشهر من وثق خناقات الشارع المصري الأديب الراحل نجيب محفوظ. شخصية الفتوة التي تطرق إليها في عدد من أعماله، مثل "الحرافيش" و"حكايات حارتنا"، لم تكن لبلطجي، بل جاءت ضمن نظام اجتماعي "بديل" يعوض غياب القانون، إذ يقدم الشخص قوي البنيان خدماته في حماية أهل الحارة بمقابل، وذلك في الخناقات التي تنشب بينهم، أو بينهم وبين آخرين من خارج الحارة.
ظاهرة قديمة
يقول الكاتب الصحافي وصاحب كتاب "وصف مصر بالجريمة" (2018) نبيل عمر لـ"اندبندنت عربية" إن خناقات الشارع ظاهرة قديمة، وما كتب محفوظ عنها وعن دور الفتوات حقيقي مئة في المئة. "مصر لها تاريخ طويل في هذا النوع من الخلافات بين الناس، سكان حارة يغيرون أو يعتدون على سكان حارة مجاورة، يحاول بعضهم بسط نفوذ دون وجه حق، معارك تنشب لخلافات بين الجيران، أو سكب ماء أو لعب الأطفال أو غيرها، تتكرر منذ عقود ولن تتوقف".
ويضيف عمر "حتى عبارة (مقلب حرامية) التي كان يلعبها الصغار في الحارات قديماً هي انعكاس لخناقات الشارع وتأثيرها في محتوى لعب الأطفال، إذ كانوا يعمدون إلى توقيع بعضهم بعضاً وحساب الفائز وفق عدد الوقعات أو من يوقع من أولاً. وعبارة (يعلّم عليه) كان المقصود بها حرفياً ترك أثر جرح على جسد الشخص المقصود ليتذكر به قوة الطرف الآخر وبأسه وتفوقه. وكان هناك من يتفاخر بآثار الجروح، فيحكي للأصدقاء أن هذا الجرح في رأسه نتيجة خناقة خاضها وهو شاب للدفاع عن كذا، أو تلك العلامة على ذراعه بسبب معركة دخلها مع أصدقائه دون أن يعلم سببها من الأصل. حتى لعبة (التحطيب) في أصلها قتالي، وكان المصريون القدماء يتدربون على القتال بالعصا. كما أن التحطيب في الصعيد خناقة في هيئة لعبة".
راح "التحطيب" وبقي فناً يشاهَد على المسارح، وراح "الفتوة"، وراحت كثير من معالم الحارة، وبقيت خناقات الشارع جزءاً أصيلاً من الشارع. يصعب حصر أعدادها، أو الخروج بمعدلات توضح نسبتها لعدد السكان، أو أنواعها، لكن يمكن القول إن الشارع لا يخلو منها، وتبقى غالبيتها في نطاق "الخناقات متناهية الصغر" التي لا تُراق فيها دماء أو تُزهق فيها أرواح. فقط أعصاب ملتهبة وأصوات مرتفعة، وجماهير غفيرة تشاهد وتشارك وتهدئ أو تهيج، ودقائق معدودة ويعود الشارع إلى إيقاعه الطبيعي انتظاراً للخناقة المقبلة.
صفحات وفقرات الحوادث في الإعلام التقليدي فيها قدر من خناقات الشوارع، لا سيما الغريبة أو الطريفة أو الدموية على غير العادة، كذلك محاضر أقسام الشرطة. "سيدة وطليقها يتبادلان الشتائم في الشارع في المعصرة (حي شعبي) في القاهرة"، "مصرع شاب تدخل لفض مشاجرة في عين شمس (شرق القاهرة)"، "خلافات جيرة ولعب الأطفال تحولا إلى معركة بالأسلحة البيضاء ومصرع شخصين"، "أولوية المرور بين توك توك وسيارة تنتهي بتهشيم المركبتين وإصابات"، "معركة بين عشرات الباعة بسبب الخلاف على فرش البضائع على الرصيف في الجيزة"، "مشاجرة عنيفة بالحجارة والضرب بين 10 أشخاص لخلافات جيرة في الزقازيق" وغيرها من خناقات الشوارع التي تتطور لتصبح جريمة أو جنحة.
صوت وتفاصيل وتصعيد
أما الغالبية، فتبقى خارج صفحات الإعلام وأثيره، لكن في القلب من الحياة اليومية في الشارع. هي صوت، وتفاصيل، وتصعيد، ثم خفوت وتبخر في هواء الإيقاع المتخم بالأحداث والهموم والمسؤوليات. الضغوط المحيطة بالمواطن كثيرة. ازدحام مروري وتكدّس بشري وهموم اقتصادية ومعيشية من صحة وتعليم وعمل يحملها المواطن أينما ذهب. آراء خبراء علمي النفس والاجتماعي يجمعون على أن عاملي الاقتصاد والقانون وثيقا الصلة بخناقات الشوارع.
يقول أستاذ الطب النفسي خليل فاضل لـ"اندبندنت عربية" إن زيادة مشاعر عدم اليقين، وافتقاد الإحساس بالأمان بسبب الضغوط، والزيادة المستمرة في الأسعار من العوامل الأساس التي تؤدي إلى زيادة وتيرة خناقات الشارع، إضافة إلى توليفة من العوامل الأخرى، مثل ارتفاع درجة الحرارة ودرجة الزحام، ومعها عوامل داخلية تختلف من شخص إلى آخر، ومنها مثلاً إصابة بعضٍ بأمراض أو آلام مزمنة تجعل صاحبها قابلاً للانفجار في أي لحظة، وآخرون يصابون بنوبات هلع، لكن لا يعرفون، ويعتقدون أنهم يشعرون بتعب فجائي يجعلهم عرضة للعصبية والدخول في مشاحنات لأتفه الأسباب.
أتفه الأسباب لا يعني تفاهة المنظومة. المنظومة تقول كثيراً عن المجتمع وأحواله. يقول فاضل "خناقات الشارع في مصر يغلب عليها الصوت العالي مع جهد جهيد لتفادي الاشتباك بالأيدي. اللغة والصوت العالي أدوات تصعيد. لا نسميه صداماً، لكنه احتكاك. وتبقى الخناقة تحت السيطرة إلى أن تُقال كلمة تمس الكرامة، أو شتيمة بالأم، أو ما شابه. هنا، تتطور الخناقة من خلاف بسيط إلى مسألة حياة أو موت لرد الإهانة".
عنصر مهم في خناقات الشوارع ظهر بصورة واضحة منذ عصر الانفتاح الاقتصادي في منتصف السبعينيات. "مش عارف أنا مين؟!" منظومة قائمة بذاتها تطل بين فترة وأخرى في منتصف الخناقة. مركبتان تتنافسان على أولوية المرور، يحدث احتكاك بسيط، يترجل السائقان، كل منهما يلقي بالخطأ على الآخر، تبدأ كلمات التهديد تتناثر، فيتسلح أحدهما، وربما كلاهما، بسلاح التهديد غير المباشر بالجاه أو المنصب أو العلاقات القوية.
يقول فاضل، "هناك عنصر نفسي مهم في خناقات الشوارع، وهو النقص التعويضي. بعضهم يشعر بالنقص لأسباب شتى، قد تكون مادية أو تتعلق برؤيته لنفسه، فيعوض ذلك بالصوت العالي، أو توجيه الإهانة الموجعة للآخر". ويضيف أن من أكثر ما يميز خناقات الشارع اليومية أن الجعجعة غالباً تفوق حجم الحدث وسببه، تتصاعد بسرعة الصاروخ. في الوقت نفسه، تخفت بسرعة، وتنتهي بسرعة الصاروخ أيضاً.
طبيعة المصريين لا تميل إلى العنف الجسدي. حتى في أحلك الظروف، وبينما المشاعر محتقنة في خناقة في الشارع، وكلا الطرفين مثقل بهمومه ومسؤولياته، ومعظمها اقتصادي، و"روحة في مناخيره (أنفه)" للدلالة على الضغط النفسي، يظل اللجوء للعراك بالأيدي محدوداً، مقارنة بـ"الجعجعة".
الجانب الآخر من خناقات الشوارع وثيق الصلة بالقانون، ومفهومة في المجتمع المصري. يقول الكاتب نبيل عمر إن "فكرة القانون ليست أصيلة في السلوك البشري، وإن أهمية القانون وضرورة تطبيقه وحتمية احترامه أفكار لا تسيطر إلا على الفئات المثقفة في غالب الأحوال. غالب المصريين لا يلجأون إلى أقسام الشرطة في غالب خناقات الشارع لأسباب مختلفة، والدولة تعرف ذلك، والناس يعرفون أن الدولة تعرف ذلك".
ويشير عمر إلى رسائل غير مباشرة في الشارع، مثل توك توك يسير عكس الاتجاه، يصطدم أو يلحق ضرراً بسيارة تسير في الاتجاه الصحيح، لا مركبة التوك توك مرخصة، ولا قائد التوك توك يحمل رخصة، وعلى رغم ذلك يعلم سائق التوك توك المخالف سائق السيارة غير المخالفة أن اليد العليا للأول. ويقول عمر إن الرسالة هنا هي إطلاق يد وحرية شبه مطلقة لفعل أي شيء، ما عدا الجرائم الكبرى مثل القتل. وفي حال نشب خلاف، فيحله الشارع بالتعاون بين الجميع.
ويبدو أن "التوك توك" ويليه الميكروباص وعدد من المركبات التي انتشرت في الشوارع خلال العقود القليلة الماضية أصبحت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بخناقات الشارع، سواء تلك التي تحدث بينهم، أو بين أحدهم وآخرين، وهنا تتفجّر مشاعر اتحاد الرفاق، ونصرة أبناء المهنة الواحدة ضد الغرباء، أي غير المنتمين لهذه المهنة، لا سيما ممن ينتمون إلى طبقات اجتماعية واقتصادية أعلى.
الانتقام الطبقي
العنصر الطبقي في خناقات الشارع يفرض نفسه بكل الأشكال. في الوقت نفسه، يخشى الجميع من الاقتراب منه خوفاً من الاتهام بالعنصرية، أو الوصم بالفوقية. يقول فاضل إن "مشهد أي خناقة في الشارع بين سائق توك توك وصاحب سيارة ملاكي، لا سيما لو كانت فارهة وفاخرة يتحول إلى مجال بحثي نفسي واجتماعي بالغ الثراء. لو وقع الخلاف في منطقة شعبية أو عشوائية، فإن كل ما يصدر عن سائق التوك توك وأقرانه الذي يتجمعون بالعشرات لنصرة زميلهم ينم عن رغبة عارمة في الانتقام لطبقته، والظلم الواقع عليها، وانتهاز فرص نادرة لإثبات تفوق هذا على ذاك. ليس هذا فحسب، بل يكشف سائق التوك توك عن غضب حقيقي ينتابه لأن صاحب السيارة الفارهة تعدى على "منطقته" التي يملكها ويهمين عليها ويلتزم كل من فيها بقواعد تختلف عن تلك التي يعتنقها صاحب السيارة. وهنا يظهر العنف المؤدلج، أي الغارق في قناعات وأفكار وقيم وسلوكات تختلف من فئة أو طبقة إلى أخرى. هو عنف مؤدلج لنيل الحقوق، ولو بصفة موقتة".
يتفق فاضل مع عمر في أن الشرطة في الغالب تتفادى قدر الإمكان التدخل في خلافات كتلك. يسود عقد اجتماعي غير مكتوب، وغير منطوق بأن خناقات الشارع تُحل بمحاكم موقتة، أعضاؤها الجيران أو المارة أو أفراد الأمن وحراس العمارات (البوابين). وعادة يرتضي الطرفان المتنازعان بحكم أعضاء المحكمة.
هنا، يشار إلى عنصر اجتماعي طبقي نفسي يتحكم في جانب معتبر من أحكام قضاة خناقات الشارع، ألا وهو "نصرة الغلابة" ولو كانوا جناة. يميل هؤلاء عادة إلى الوقوف في صف الطرف الأكثر فقراً أو حظاً في الحياة، من منطلق أن الطرف الآخر، حتى لو كان الضحية، قادر مادياً على إفادة "الغلبان".
قائد توك توك سار عكس الاتجاه فحطم مقدمة سيارة ملاكي تتحول فجأة إلى مطالبة جماعية لصاحب السيارة بترضية سائق التوك توك بمبلغ مالي. بائع خبز على دراجة تخطى سيارة بتهور فوقع على الأرض يصبح ضحية لقمة العيش وجرحه في رقبة صاحب السيارة. متسول قرر أن يحصل مبالغ مالية في مقابل إيقاف السيارات، فاعترض أحدهم، وتطور الاعتراض أمام إصرار المتسول على تحصيل مبلغ نظير إيقاف السيارة، فيقرر الشارع أن يدفع صاحب السيارة ضعف المبلغ، لأنه كسر قلب الفقير وقسا عليه، وهلم جراً، وكأن الشارع يستعيد العدل المفتقد، ويعيد توزيع الثروات وسد الفجوات كلما أمكنه ذلك.
اللافت أن بعض أفراد الشرطة يصبحون طرفاً في محكمة الشارع، أو عنصراً ملطفاً في بعض الخناقات، وذلك بصورة تلقائية وغير رسمية. الطريف أنه أحياناً ينصح المتعاركين، في المعارك البسيطة، بعدم تصعيد الموقف وتحرير محضر، وذلك من منطلق أن "عفا الله عما سلف" و"يا بخت من قدر وعفا"، وأن دهاليز المحاضر والقضايا طويلة، وأن الأمر لا يستحق.
يقول فاضل "أحياناً يلعب ممثل الشرطة دون أن يدري دور إدارة الخناقة وإنهائها دون تعقيدات. وهذا نوع من أنواع التكيف مع واقع معقد، وفي ذلك دلالة مزدوجة، فهو يحمي الأرواح، إضافة إلى أنه يمنع التصعيد. لكن الأثر الجانبي هو أن ذلك يرسخ فكرة أن القانون قابل للتفاوض".
معضلة القانون تفرض نفسها في كل خناقة شارع. بين ضعف التطبيق، وعدم إيمان كثر به أو بقدرته على استعادة الحقوق، أو تحقيق العدل على الجميع، يرى فاضل أن القوانين كثيرة وتغطي كل مناحي الحياة والخلافات، لكن المشكلة تكمن في التطبيق والعدل. هذه المعضلة أصبحت طريقة حياة، متعارف عليها ومتفق على قواعدها، بما في ذلك خناقات الشارع. إنها الخناقات التي شهدت تغيرات عدة بتغير المجتمع، وتركيبته، والفئات المهيمنة فيه، والحقوق التي اكتسبتها المرأة.
بين المرأة والرجل
صحيح أن غالب خناقات الشارع أبطالها رجال، لكن المرأة حققت طفرة في هذا المجال، وأثبتت أنها لا تقل عن الرجال في الأداء. يقول فاضل "عبر خناقات الشارع العادية، يمكن القول إن المرأة أصبحت تتصرف بندية مع الرجل، بما في ذلك في الخلافات الشارعية. تقف وتعترض وتصيح وتجعجع، وهنا يمكن القول إن الصوت العالي هو سلاحها الأقوى، وهو سلاح رادع في كثير من الأحيان، لا سيما أنه ما زالت هناك بقايا لقاعدة عدم التعرض لامرأة في الشارع". ويضيف "ألاحظ أحياناً أن نساء يمعن في توجيه وصف قاسٍ أو كلمات قبيحة للرجل في الخناقة، وهو ما يمنعه من الرد أو يجعله راغباً في إنهاء المعركة بسرعة والانصراف بعيداً من المكان"، مشيراً إلى أنه نتيجة لتعاظم الشعور والوعي لدى النساء والشابات بأن المجتمع أحياناً يظلمهن لمجرد أنهن إناث، يلجأ بعضهن إلى فش الغل والتعبير عن الغضب في أول فرصة متاحة، ولو كانت خناقة في الشارع".
فش الغل في معارك الشوارع أمر متفق عليه. يشعر به كثر، ويؤكده فاضل عبر نظريات الطب النفسي. يقول "حدثت تغيرات كثيرة في المجتمع ألقت بظلالها على المصريين وتركيبتهم النفسية. وبسبب الضغوط الكثيرة، لا سيما الاقتصادية، واليقين الداخلي بأنه يصعب الحصول على الحقوق، يفقد بعضهم قدرته على تنظيم مشاعره أو إدارتها بصورة صحية. يقع خلاف بسيط في الشارع يتحول إلى معركة كلامية شديدة، توشك أن تتحول للكمات وضربات.
وفي السياق نفسه، يرى عمر أن تفاصيل الحياة الصعبة جعلت كثراً يشعرون أن "الحياة تقسو عليهم" فيقسون عليها وعلى الآخرين كلما سنحت الفرصة. ويقول إن الفرصة المناسبة تكون في الخناقات الصغيرة ولأسباب تافهة، أكثر من المعارك الكبيرة، إذ يبدو وكأن الجميع يتفق على أن الخناقات متناهية الصغر في الشارع منصة لإدارة فش الغل، بما في ذلك الجمهور، بين متفرجين ومصورين بدافع النشر على "السوشيال ميديا"، ومؤيدين لهذا الطرف، ومهدئين للخلاف، ومؤججين له.
وضمن التغيرات التي طرأت على هذه الخناقات، تقلص مساحات التحمل لدى كثر، مع تصاعد الاحتقان الطبقي والمادي وزيادة الأحمال والهموم دون متنفس مناسب. ووفق ما يقول فاضل "خناقات الشارع هي رسائل مشوشة عن حاجات غير ملباة".
الشارع في أي مجتمع هو عنوان ثقافته السائدة، والثقافة ليست معلومات فحسب، بل رؤية للحياة، وكيف يتعامل الناس في مجتمع ما معها، بحسب نبيل عمر. ويخلص إلى أن الفوضى التي توجد في الشارع هي انعكاس لأزمة ثقافية، وعلى رغم أن القانون عنصر بالغ الأهمية للضبط والربط وإعادة الانضباط وإيجاد آليات مناسبة وعادلة لحل الخلافات، فإن تغيير الثقافة عملية تراكمية وتستغرق وقتاً وجهداً مشتركاً بين شركاء المجتمع، الدولة ممثلة في القانون والتعليم، والبيت حيث الأسرة، والإعلام".