Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما السبيل إلى الفوز بسباق الابتكار الدفاعي؟

على أميركا وحلفائها توحيد جهودهم

مصنع للمدفعية في أونترلويس، ألمانيا، أغسطس 2025 (أنيغريت هيلس/ رويترز)

ملخص

لم تعد الولايات المتحدة أو أي دولة منفردة قادرة على إنتاج ما يكفي من الأسلحة والذخائر والتقنيات اللازمة لردع الخصوم أو خوض صراع طويل وعالي الحدة. دمج قدرات الحلفاء الصناعية والتود يسرّع الابتكار والإنتاج، ويحصّن سلاسل الإمداد والتحالفات، شرط تخفيف الحمائية والقيود البيروقراطية.

تتعرض تحالفات واشنطن لضغوط هائلة، فكثير من حلفائها وشركائها يواجهون تهديدات متزايدة من قوى كبرى منافسة ويعكف شركاؤها في آسيا وأوروبا ومناطق أخرى على توسيع قواعدهم الصناعية والتكنولوجية الدفاعية، لتعزيز قدرتهم على استخدام قوتهم العسكرية خارج حدودهم وردع الأعداء والانتصار في صراع طويل الأمد.

غير أن المشكلة تكمن في أن الولايات المتحدة وشركاءها تعاملوا مع جهود تعزيز قدراتهم الدفاعية بوصفها مشاريع محلية في المقام الأول، بينما يحتاجون في الواقع إلى تجميع مواردهم بصورة أكثر فاعلية. وتكشف الحرب مع إيران مخاطر العمل بشكل منفصل. فقد نفذت منظومات عسكرية أميركية يعود تصميمها إلى أجيال سابقة، من المقاتلات الشبحية ومدمرات الصواريخ الموجهة وحاملات الطائرات، ضربات مؤثرة. واستنزف الصراع سريعاً المخزونات الأميركية من ذخائر الضربات المتطورة بعيدة المدى والصواريخ الاعتراضية للدفاع الجوي، فيما بدت القواعد الأميركية والبنية التحتية في الخليج وحركة الملاحة عبر مضيق هرمز عرضة للصواريخ والمسيّرات  الزهيدة الكلفة والمتوافرة بأعداد كبيرة. وكان ذلك أحدث دليل على أن دولة واحدة، حتى وإن كانت بقوة الولايات المتحدة، لا تستطيع بمفردها إنتاج ما يكفي من المسيّرات والسفن والذخائر الحيوية، أو بناء قاعدة صناعية دفاعية مبتكرة وقابلة للتكيف بالقدر اللازم للانتصار في صراع طويل الأمد وعالي الحدة، أو لردع خصوم مقتدرين.

وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة في وقت يمضي فيه خصوم الولايات المتحدة وحلفائها نحو تعاون صناعي وتكنولوجي دفاعي أعمق، فخلال الحرب في أوكرانيا، زودت إيران روسيا بتكنولوجيا المسيّرات، وقدمت كوريا الشمالية إليها الذخائر والقوات. أما الصين، التي تنفذ مشاريع ضخمة لتحديث قواتها المسلحة وتوسيع طاقتها الصناعية، فقد أمدت روسيا بمكونات مزدوجة الاستخدام ومنحتها متنفساً اقتصادياً. وفي المقابل، تنقل موسكو إلى شركائها أسلحة متطورة وخبرات عملية ومعلومات استخباراتية.

وتتصدر الولايات المتحدة، إضافة إلى مجموعة موثوقة من الحلفاء والشركاء، التطور العلمي والتكنولوجي على مستوى العالم. وتضم هذه المجموعة أعضاء "حلف شمال الأطلسي"، وحلفاء آخرين مرتبطين بالولايات المتحدة بمعاهدات، مثل أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، وشركاء مقتدرين مثل البرازيل والهند وإسرائيل وتايوان. ولذلك، يفترض أن تكون هذه الدول قادرة على مواجهة الجبهة المتزايدة التماسك لخصومها، لكن قدراتها ستظل غير مستغلة بالقدر الكافي أو سيئة التوظيف ما لم توائم جهودها بصورة أوثق. ولا يزال النموذج التقليدي للتعاون بين الحكومات، الذي يشمل آليات رسمية مثل برنامج المبيعات العسكرية الخارجية الأميركي واتفاقات الإنتاج المشترك الثنائية وعمليات الشراء التابعة لـ "حلف شمال الأطلسي"، مفيداً، لكنه غير كاف. فهذا النظام يتيح للاعتبارات السياسية مجالاً واسعاً لعرقلة التقدم، ويتحرك ببطء شديد لا يواكب ساحة معركة تتغير تكنولوجياً في غضون أسابيع لا أعوام.

أما القوة الدافعة الحقيقية وراء تعاون فعال ودائم بين حلفاء الولايات المتحدة وشركائها، فتكمن في الشركات الخاصة والمؤسسات البحثية التي تنشأ داخلها ابتكارات تكنولوجية كثيرة تفضي إلى قدرات عسكرية متطورة. ولتحقيق أقصى استفادة من التعاون الدفاعي والتكنولوجي، يتعين على الحكومة الأميركية وشركائها أن يقرنوا جهودهم الوطنية بجهود عابرة للحدود، من خلال تجميع رؤوس أموال الحلفاء وخبراتهم الفنية وطاقاتهم الإنتاجية وسلاسل إمدادهم، ضمن شبكات تربط الشركات والجامعات والمستثمرين والحكومات. ولن يتيح بناء هذه الشبكات تسريع الابتكار والإنتاج على نطاق واسع وحسب، بل سيحصن أيضاً تحالفات الولايات المتحدة وشراكاتها التي يزداد القلق في شأنها، ويقيم روابط دائمة قادرة على الصمود في عالم مضطرب تُدار فيه العلاقات بمنطق الصفقات.

إمكانات القطاع الخاص

ترفع الولايات المتحدة وشركاؤها طاقتهم الإنتاجية الدفاعية ويدفعون الابتكار في هذا المجال. وقد غيرت تقنيات جديدة نشأت في القطاع التجاري، من بينها مستشعرات تعمل من الفضاء الخارجي والذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل، طبيعة ساحة المعركة خلال الأعوام الخمسة الماضية. كذلك تسارعت وتيرة تطوير التقنيات الجديدة واعتمادها، وهو ما يتضح في الابتكار السريع لتكنولوجيا المسيّرات في أوكرانيا. وتكيف الدول عمليات الابتكار لديها تبعاً لذلك. فقد حصل الجيش الأميركي، مثلاً، على منظومة مسيّرة تسمى "لوكاس"، وهي نسخة من المسيّرة الإيرانية "شاهد". وأطلقت وزارة الدفاع الأميركية العام الماضي برنامج مشتريات طموحاً يهدف إلى تسريع اعتماد التقنيات الجديدة وتسهيله. وفي وقت سابق من هذا العام، أعلن وزير الدفاع بيت هيغسيث إستراتيجية مكثفة لدمج الذكاء الاصطناعي في مختلف إدارات الوزارة. وفي غضون ذلك، بسّط حلفاء للولايات المتحدة، مثل ألمانيا واليابان، وشركاء مثل الهند، هياكل الابتكار وإجراءاته بغية الاستفادة بصورة أفضل من التقنيات التجارية.

لكن الجهود الحالية تعطي الأولوية لتعزيز الصناعات الدفاعية الوطنية وتسريع اعتماد التكنولوجيا داخل كل دولة. وتفرض الحكومات اشتراطات للمحتوى المحلي، وتمنح أفضلية في المشتريات تشجع الجهات الحكومية على الشراء من الشركات الوطنية، وتضع قواعد تحصر التمويل الدفاعي في الشركات المحلية. وهذه إجراءات تجعل، بحكم تصميمها، من الصعب على الشركات الحصول على المكونات أو تبادل البرمجيات أو تطوير المنظومات بصورة مشتركة عبر الحدود. والأسباب سياسية بقدر ما هي إستراتيجية، فالحكومات تحمي الإنتاج المحلي لخلق وظائف في دوائر انتخابية مهمة، والاحتفاظ بسيطرة سيادية على سلاسل الإمداد الحيوية، والحد من اعتمادها على حلفاء قد لا تثق بهم.

يمضي خصوم الولايات المتحدة بالفعل نحو تعاون صناعي وتكنولوجي دفاعي أعمق

 

لكن الحاجة إلى التعاون أكبر من أن تسمح باستمرار جهود إعادة التسلح، ضمن أطر وطنية منعزلة، تولد أوجه قصور وتكراراً في الجهود وفرصاً ضائعة، فالابتكار يستفيد من جمع المواد والسلع والخدمات والمعارف والمواهب، وحتى عندما تتوتر العلاقات بين الحكومات، يمكن للشراكات أن تزدهر على المستوى العملي بين الشركات الناشئة والشركات الراسخة والجامعات. ولدى الشركات التجارية والباحثين والمستثمرين حوافز لاغتنام أكبر قدر من الفرص، وتحقيق أعلى قدر من الكفاءة، وهو ما يقودهم بطبيعته إلى التعاون عبر الحدود. وكذلك فإن للشركات مصلحة في جذب الاستثمارات الأجنبية وبيع سلعها وخدماتها في الخارج. ومقارنة بالتعاون بين الحكومات، تقل احتمالات عرقلة هذه الشراكات لأسباب سياسية. كذلك تميل المؤسسات الخاصة إلى أن تكون أسرع حركة من نظيراتها العامة، وأكثر قدرة على التعلم والتكيف بسرعة.

وقد وُضع بالفعل بعض الأساس اللازم لبناء هذه الروابط، فكثير من الشركات والمؤسسات البحثية في الولايات المتحدة والدول الشريكة متعددة الجنسيات، أو تعمل دولياً، أو تتعاون مع مؤسسات بحثية وشركات أجنبية، ومن بينها شركات تكنولوجيا دفاعية مثل "أوتيريون"، التي أُسست في سويسرا وتتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها. وشمل مشروعها "أرتيمس" مسيّرة للضربات في العمق طُورت في أوكرانيا وصُنعت في ألمانيا وأوكرانيا والولايات المتحدة. وفي غضون ذلك، تعمل مجموعة "هانوا" الكورية الجنوبية وشركة "فاتن سيستمز"، التي تتخذ من ولاية رود آيلاند مقراً لها، على تطوير مركبات مسيّرة ذاتية التشغيل تحت الماء لمصلحة البحرية الأميركية. وأطلقت الحكومتان الأميركية والهندية أخيراً مبادرة مشتركة لتطوير وإنتاج مسيّرات بحرية وأنظمة مضادة للمسيّرات، بمشاركة شركات من البلدين. ويعمل معهد "فراونهوفر" الألماني مع جامعات أميركية وشركاء من القطاع العام في بحوث تطبيقية تتعلق بالأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وتقنيات الاستشعار والأنظمة مزدوجة الاستخدام. وفي مارس (آذار)، وقعت جامعة "بليموث" البريطانية وشركة "هيلسينغ" الألمانية للمسيّرات والذكاء الاصطناعي مذكرة تفاهم لإجراء بحوث في الأنظمة البحرية الذاتية. وأعلنت "جامعة ألبرتا" الكندية و"جامعة كوينزلاند" الأسترالية شراكة في مجال البحوث الدفاعية. ومع ذلك، تظل مثل هذه العلاقات استثناء لا قاعدة، ولا تمثل سوى جزء ضئيل من التعاون العابر للحدود المطلوب.

وتبلغ فرص توسيع التعاون العابر للحدود ذروتها بين حلفاء الولايات المتحدة وشركائها الذين يتمتعون بطاقة صناعية كبيرة، ومستويات مرتفعة من استثمارات القطاع الخاص في التكنولوجيا التجارية ومزدوجة الاستخدام، وإنفاق دفاعي مخصص للبحث والتطوير واقتناء التقنيات الجديدة. وكذلك فإن الموثوقية والقيم المشتركة مهمتان، إذ يتعين على الولايات المتحدة وشركائها التأكد من أنهم يعملون مع دول تتقارب تصوراتها للتهديدات، وتلتزم بحماية المعلومات الحساسة، وتفرض ضوابط على التصدير لمنع وصول التكنولوجيا إلى الخصوم، وانتشارها من دون رقابة، وتحترم حقوق الإنسان.

وظفوا نقاط قوتكم

إذا أحسنت واشنطن وشركاؤها استغلال مزاياهم النسبية، فسيصبح الابتكار واعتماد التقنيات بسرعة والإنتاج على نطاق واسع أكثر سهولة. وتتصدر الولايات المتحدة عدداً كبيراً من التقنيات المتطورة، مثل الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الفضاء والحوسبة الكمومية. لكن القواعد العلمية والتكنولوجية والصناعية في الدول الشريكة يمكنها أن تكمل مكامن القوة الأميركية، فسويسرا مثلاً، لديها أعلى تركّز لمواهب الذكاء الاصطناعي في العالم، وتضم جامعات تُعد الأفضل أوروبياً في تحويل البحوث المتقدمة إلى شركات ناشئة. ويتمتع حلفاء وثيقون، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، بطاقات في بناء السفن وتصنيع أشباه الموصلات، تفوق الإنتاج الأميركي الحالي. وتبرع ألمانيا في التصنيع الدقيق، فيما تتمتع المملكة المتحدة بخبرة في المستشعرات والبحوث الأساس والذكاء الاصطناعي. وتمتلك البرازيل مكامن قوة في موارد المعادن النادرة وهندسة الطيران والفضاء، والهند في الكفاءات البرمجية والتصنيع الواسع النطاق والمنخفض الكلفة، وإسرائيل في الأمن السيبراني والدفاع الصاروخي والأنظمة من دون طاقم.

وثمة سوابق لتوحيد الجهود بغية تسريع الابتكار. ففي يونيو (حزيران) 2025، أعلنت شركة الدفاع السويدية "ساب" وشركة "جنرال أتوميكس إيرونوتيكال سيستمز" الأميركية شراكة لتطوير نظام جوي من دون طاقم للإنذار الباكر، من خلال دمج مستشعرات "ساب" في منصة تابعة لـ "جنرال أتوميكس"، وأسهم التعاون بينهما في تقليص زمن التطوير وكلفة الإنتاج. وتعاونت شركتا "أندوريل إندستريز" الأميركية و"راينميتال" الألمانية أيضاً عام 2025 لتطوير أنظمة جوية ذاتية التشغيل وأنظمة مضادة للمسيّرات لأوروبا. وجمعت الشراكة بين تقنيات التشغيل الذاتي الأميركية وقدرة المصنعين الأوروبيين على دمج التقنيات الجديدة في منظومات أكبر، بما يتيح نشرها بسرعة أكبر. ويمكن لاستغلال المزايا الإجرائية والتمويلية، في دول مختلفة، أن يساعد الولايات المتحدة وشركاءها أيضاً في استخدام مواردهم الدفاعية بكفاءة أكبر.

وقد يكون التعاون مفيداً بصورة خاصة في مساعدة الشركات الناشئة على عبور ما يعرف بـ "وادي الموت"، وهي المرحلة التي تلي إنتاج النموذج الأولي، حين تفتقر شركات جديدة كثيرة إلى التمويل اللازم لمواصلة العمل، إلى أن تتمكن من تغطية كلفها، وتميل الدول الصغيرة إلى امتلاك إجراءات أسرع للمشتريات واتخاذ القرارات، وهو ما قد يفضي إلى إبرام العقود بسرعة أكبر وتسريع الإنتاج. وفي المقابل، زادت ألمانيا، وهي دولة كبيرة، إنفاقها الدفاعي بدرجة كبيرة منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، لكن صناعتها الدفاعية لا تستطيع تلبية كامل الطلب المتزايد ومتطلبات المشتريات. ويمكن لشركات من دول أخرى سد هذه الفجوة، وتسريع الابتكار والإنتاج.

وتتمتع دول معينة بمزايا نابعة من موقعها في سلاسل الإمداد العالمية، بما في ذلك سلاسل المعادن النادرة الضرورية للطاقة النظيفة والتقنيات الدفاعية الحيوية معاً. وقد بدأت واشنطن بالفعل إدراك هذه الفرصة. فوافقت "مؤسسة تمويل التنمية الدولية" الأميركية أخيراً على قرض بقيمة 565 مليون دولار لشركة التعدين البرازيلية "سيرا فيردي"، بهدف زيادة إنتاجها من المعادن النادرة الثقيلة. وتضمنت الصفقة خياراً يتيح للحكومة الأميركية شراء حصة محدودة من أسهم الشركة. وبالمثل، حصلت شركة "ليناس رير إيرثس" الأسترالية على عقد من الحكومة الأميركية لبناء منشأة لمعالجة المعادن النادرة في تكساس. وبفضل هذه الشراكات، سيتمكن مطورو التكنولوجيا الأميركيون من الحصول على المواد والمكونات والخدمات من دول صديقة، بما يعزز أمن الولايات المتحدة ويقلل تعرضها لانقطاع الإمدادات في قطاع لا تزال الصين تهيمن عليه.

العالم مصنع

يتطلب نقل التقنيات الجديدة إلى ساحة المعركة طاقة كبيرة للإنتاج الصناعي، وهي طاقة قد لا تتوافر حتى للولايات المتحدة. وهنا يأتي دور الحلفاء. إذ تستطيع الولايات المتحدة تطوير التقنيات الجديدة والاستثمار فيها، ثم الاستعانة بشركائها لتصنيعها. ويمكن لهؤلاء الشركاء تخزين المنتجات النهائية، ثم تشتريها الولايات المتحدة عندما تدعو الحاجة.

ويُطبق هذا النموذج بالفعل على أنواع مختلفة من الذخائر والمنظومات الكبرى التي تنتج في الخارج بموجب تراخيص أميركية، فشركة "ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة" اليابانية، مثلاً، تحمل ترخيصاً من شركتي "آر تي إكس"، المعروفة سابقاً باسم "رايثيون"، و"لوكهيد مارتن" الأميركيتين لإنتاج صواريخ "باتريوت". وتسهم هذه الصواريخ في تعويض المخزونات الأميركية واليابانية التي استنزفتها المساعدات المقدمة إلى أوكرانيا والحرب مع إيران. كما اتفقت شركة "نورثروب غرومان" الأميركية وشركة الأسلحة البولندية "نيفيادوف- بي جي أم" في فبراير (شباط) الماضي على الإنتاج المشترك لأكثر من 180 ألف قذيفة مدفعية من عيار 155 مليمتراً سنوياً في بولندا، لتزويد السوقين الأوروبية والأميركية.

وإذا سهّلت الحكومة الأميركية وغيرها من الحكومات وصول مقاولي الصناعات الدفاعية إلى الأسواق الأجنبية، فسيصبح عدد أكبر بكثير من الشركات المنتجة للأنظمة العسكرية المبتكرة قادراً على الاستمرار تجارياً، فالشركات الناشئة والشركات المنبثقة التي تنتج المسيّرات والأنظمة المضادة لها والمنصات ذاتية التشغيل والذخائر في الولايات المتحدة وآسيا وأوروبا تمتلك إمكانات واعدة، لكنها تفتقر أحياناً إلى طلب محلي قوي وموثوق. ويمكن للطلب الدولي أن يوفر الحوافز اللازمة لتوسيع الإنتاج. وفي الوقت الراهن، تمنع محدودية المشتريات المحلية وضوابط التصدير وغياب الطلب المضمون كثيراً من هذه الشركات من بلوغ الحجم الذي كان يمكنها الوصول إليه. وبوسع الحكومات استخدام ما يعرف باتفاقات المشتريات الدفاعية المتبادلة لدعم دخول الأسواق الأجنبية والفوز بمثل هذه العقود. ولدى الولايات المتحدة بالفعل نحو 24 اتفاقاً من هذا النوع، لكنها لا تستخدم بالقدر الكافي. وينبغي لواشنطن توسيعها لتشمل شركاء مقتدرين لم تشملهم بعد، مثل الهند، وتحديث الاتفاقات القائمة لتشمل التقنيات التجارية ومزدوجة الاستخدام، لا المنظومات التقليدية وحدها. كذلك ينبغي لها تشجيع الحكومات الأجنبية على شراء الأسلحة الأميركية، مع تحفيز الشركات الأميركية على استخدام هذه الاتفاقات للحصول على مكونات أجنبية.

ثمة مزايا جغرافية إضافية لجمع طاقات التطوير والإنتاج، فإنتاج التكنولوجيا والأسلحة في دول تقع على خطوط مواجهة محتملة في آسيا وأوروبا أو بالقرب منها يعزز الردع ويوفر مزايا في حال اندلاع الحرب. وبالنظر إلى اعتماد الإستراتيجيات العسكرية الحديثة على النشر السريع لأعداد كبيرة من المسيّرات القابلة للاستبدال والذخائر الرخيصة وبعيدة المدى، في ما يسميه الإستراتيجيون "الحشد الدقيق القابل للفقد والتعويض"، فمن المفيد إنتاج هذه الأنظمة قرب مسارح الحرب المحتملة، لخفض الكلفة وتجنب عمليات النقل الطويلة التي يستطيع الخصم تعطيلها. وقد طبقت شركة "هيلسينغ" هذا المنطق بإنشاء ما تسميه "مصانع الجاهزية" في أنحاء أوروبا، مما يتيح للشركة الألمانية توسيع إنتاجها إذا اندلع صراع. وتستفيد مركبة "غوست شارك" الذاتية تحت سطح البحر، التابعة لشركة "أندوريل"، أيضاً من توزيع الإنتاج، فبما أنها تُنتج لدى فرع الشركة الأسترالي، لا يعتمد تصنيعها على أحواض بناء السفن الأميركية المثقلة بالفعل بطلبيات الغواصات، كما تبقى القدرة على إنتاجها قائمة حتى إذا تعطلت خطوط الإمداد العابرة للمحيطات.

المنتج الأفضل يفوز

يتيح تسهيل الوصول إلى أسواق الدفاع لدى الحلفاء والشركاء للدول اقتناء أفضل التكنولوجيا المتاحة، فالشركات الأميركية، مثلاً، تصمم أفضل رقائق الذكاء الاصطناعي في العالم، لكن شركاء في الخارج يقدمون إسهامات أساسية، حيث تُصنع معظم الرقائق في تايوان، وتتطلب أنظمة للطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى لا تنتجها إلا شركة "أيه أس أم أل" الهولندية، ولإشراك الشركاء بصورة أكثر انتظاماً في عمليات الابتكار الدفاعي الأميركية، تحاول وحدة الابتكار الدفاعي في الـ "بنتاغون"، المكلفة بتسريع اعتماد الجيش الأميركي للتقنيات الناشئة، إتاحة المشاركة للشركات الدولية في برنامج مشتريات يسمى "طرح الحلول التجارية". وكذلك تعمل الوحدة على إبرام عقود مشتركة لتطوير نماذج أولية مع أستراليا والمملكة المتحدة.

ومن شأن تنافس عدد أكبر من الشركات على العقود الدفاعية أن يخلق سوقاً أكثر تنافسية، ففي الولايات المتحدة وأوروبا، تهيمن مجموعة صغيرة من شركات الدفاع الكبرى والراسخة عادة على الأسواق المحلية التي تكون الحكومة فيها العميل الوحيد. ويضمن "احتكار الشراء" هذا، وهو هيكل سوقي يواجه فيه مشتر واحد عدداً قليلاً من البائعين، استمرار الطلب، ولا يترك للشركات الراسخة إلا قليلاً من المنافسين، مما يمنحها حافزاً ضعيفاً لضبط الكلفة أو التحرك بسرعة أو الابتكار.

ومن دون تحرك حكومي واضح لتعزيز المنافسة، قد تؤدي الزيادات الأخيرة في الإنفاق الدفاعي إلى تفاقم هذه المشكلات، فالأسواق العابرة للحدود تكافئ الشركات الأكبر حجماً إذا تُركت وشأنها، وإذا لم تتمكن من عقد شراكات مع الشركات الكبرى في الخارج، إلا المؤسسات التي تتمتع أصلاً بحضور عالمي ورؤوس أموال كبيرة ونفوذ سياسي، فسترسخ هذه المؤسسات تفوقها وتقصي الشركات الصغيرة والمبتكرة من السوق. لذلك، يتعين على الحكومات صياغة قواعد المشتريات وأنظمة التصاريح الأمنية وضوابط التعاقد مع الموردين الفرعيين بما يتيح لشركة برمجيات إستونية صغيرة، أو شركة برازيلية لصناعة المستشعرات، أو شركة منبثقة من جامعة، الدخول في الترتيبات العابرة للحدود نفسها التي تدخل فيها شركات دفاع عملاقة مثل "أندوريل" و"راينميتال". وقد تفضي المنافسة الحقيقية إلى اختراقات تكنولوجية وحلول غير مألوفة للتحديات الميدانية، لكن إرساءها خيار سياسي لا نتيجة تلقائية.

ضعوا المعايير

يتوقف تحقيق الفوائد الجماعية لجهود الحلفاء الدفاعية على قابلية التشغيل المشترك، أي قدرة المنصات والأنظمة العسكرية على التواصل والتكامل والعمل جنباً إلى جنب. اعتمد حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها تقليدياً بصورة كبيرة على التكنولوجيا الأميركية، مما كان يعني أنهم سيخوضون القتال بمنظومات متوافقة، بل قابلة للتبادل أحياناً. ويستخدم كثير من حلفاء الولايات المتحدة، مثلاً، المقاتلة نفسها من طراز "أف-35 لايتنينغ 2" التي تنتجها شركة "لوكهيد مارتن". ولذلك يمكنهم تقاسم الإسناد اللوجستي والصيانة وقطع الغيار والتدريب، والعمل في الميدان كقوة مشتركة. لكن مع مضي الدول الأوروبية في جهود وطنية لإعادة التسلح، فإنها تخاطر بالتخلي عن هذه الميزة من خلال الاستثمار في أنظمة معقدة لا تتوافق في ما بينها أو مع الأنظمة الأميركية.

ويمكن، بل ينبغي، للتعاون العابر للحدود بين الصناعات أن يدعم التشغيل المشترك، بما في ذلك عندما يسعى الشركاء والحلفاء إلى إنتاج أنظمتهم العسكرية الخاصة. ويستطيع الباحثون والمهندسون اعتماد معايير تقنية مشتركة وهياكل مفتوحة خلال البحث والتطوير، لضمان توافقها مع التطبيقات والأنظمة الأخرى منذ مراحل التطوير الأولى. وفي المراحل اللاحقة، تستطيع الشركات بناء واجهات مشتركة، واستخدام مكونات موحدة، وتبادل البيانات التقنية، والتنسيق بعد تسليم المنتج النهائي، لضمان ألا تجعل تحديثات البرمجيات وأعمال الصيانة أنظمة، كانت متوافقة في السابق، غير قادرة على العمل معاً. ولدى الشركات أيضاً حافز تجاري لإنتاج أنظمة متوافقة، لأن التقنيات التي يمكن دمجها بسرعة في القوات المسلحة الوطنية واستخدامها بالتعاون مع الحلفاء ستكون أكثر جاذبية للمشترين الحكوميين.


ويمكن للشركات أيضاً أن تضطلع بدور رئيس في ترسيخ معايير تقنية مشتركة. ويؤدي "ائتلاف البنية المفتوحة لأنظمة الاستشعار" المستقل هذا الدور، إذ يوفر للشركات الأميركية منصة لتطوير معايير مفتوحة وأفضل الممارسات. وتشارك الوكالات والإدارات الحكومية الأميركية في هذه العملية من دون أن تديرها، وتكرس معايير الائتلاف من خلال لوائح المشتريات وقراراتها. وقد يكون نهج مماثل مفيداً في جمع شركاء دوليين لتطوير معايير في مجالات أخرى، فلو اعتمدت الصناعات معايير مشتركة للاتصالات الآمنة والذكاء الاصطناعي والبرمجيات المرتبطة به وواجهات الذخائر، لأمكن أن تعمل أنظمة الحلفاء معاً بسلاسة أكبر.

وتكون الاتفاقات الرسمية بين الدول ضرورية أحياناً لتمكين الشركات من التعاون بصورة أوثق في مسائل التشغيل المشترك، فاتفاقات اعتراف الولايات المتحدة وشركائها المتبادل، بشهادات صلاحية الطيران والسلامة والجودة، مثلاً، تسرع التطوير والإنتاج المشتركين، لأنها تلغي الحاجة إلى إعادة الحصول على الشهادات في كل سوق وطنية. لكن المؤسسات البحثية والشركات تستطيع، في حالات أخرى، إنجاز كثير بمفردها. فقد دخلت شركة "شيلد أيه آي" الأميركية في شراكة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 مع شركة "ديستينوس"، التي أُسست في سويسرا وتعمل في أنحاء أوروبا، لدمج برمجية "هايف مايند" التابعة لـ "شيلد أيه آي" في منصات المسيّرات التي تنتجها "ديستينوس"، وتباع في أسواق الدفاع الأوروبية والأوكرانية، وأتاح ذلك لـ "ديستينوس" تطوير مسيّراتها بسرعة، من دون الاضطرار إلى إدخال تعديلات كبيرة على تصميمها، لتلبية متطلبات كل عميل.

تقاسموا الثروة

يمثل نقل التكنولوجيا والمعرفة والخبرة العملية جزءاً ضرورياً من الابتكار الدفاعي العابر للحدود، وقد بدأت الشركات والجامعات بالفعل إيجاد سبل لتحقيقه، ويصمم مطورو القطاع الخاص بعض التقنيات عمداً بحيث تكون قابلة للتصدير، فشركة "أندوريل" مثلاً، تنتج المستشعرات ووحدات الاتصالات والبرمجيات، وتسوقها بوصفها تقنيات تجارية، كي لا تخضع لضوابط التصدير الأميركية على السلع العسكرية. وكلما ازدادت قدرة الشركات والحكومات على التوجه مباشرة إلى الأسواق المدنية في الدول الحليفة، لشراء سلع ومكونات يمكن تعديلها لأغراض عسكرية، متجاوزة بذلك ضوابط التصدير والاستيراد والاستثمار المرهقة، تسارعت قدرتها على اعتماد التقنيات الجديدة ومواصلة تطويرها.

وتعزز المؤسسات البحثية والصناعات أيضاً تبادل المواهب عبر الحدود، مما يقوي الخبرات والتفاهم بين الحلفاء والشركاء. ولدى الجامعات برامج دولية راسخة للزائرين، فيما ترسل شركات التكنولوجيا والدفاع موظفيها للقاء العملاء وزيارة منشآت الإنتاج في الخارج، وتقديم الخدمات في مواقع العمل، وتعمل عن كثب مع مسؤولين حكوميين أجانب في مشاريع معينة، فعندما اشترت البرازيل مقاتلات "ساب جايه أيه أس 39 غريبن" بموجب عقد وُقع عام 2014، ذهب ضباط من سلاح الجو البرازيلي ومهندسون مدنيون إلى منشآت "ساب" في السويد للعمل على المتطلبات التقنية والتشغيلية للمشروع، ومراقبة الإنتاج. وألحقت شركات تكنولوجيا، مثل "بالانتير" و"شيلد أيه آي" الأميركيتين، موظفيها أيضاً بوحدات عسكرية أميركية، ووحدات تابعة لدول شريكة في الخارج، لتسهيل اعتماد التكنولوجيا والتدريب والصيانة.

كذلك يمكن للاتفاقات التي تلزم الشركات بنقل التكنولوجيا، ودعم الإنتاج المحلي، أن تشجع التطوير والإنتاج، فبموجب هذه الترتيبات، تنقل الشركات التكنولوجيا والمعرفة المرتبطة بها إلى دولة أجنبية، في مقابل التزام تلك الدولة باستثمارات إضافية وإنتاج محلي وخدمات، وتفيد هذه الاتفاقات كلاً من مطوري أنظمة الأسلحة، القابلة للتصدير والدول المستوردة، ولا سيما القوى الصغيرة والمتوسطة التي تفتقر إلى قواعد صناعية دفاعية كبيرة، أو تسعى إلى بناء قدراتها المحلية. وقد استخدمت دول مثل البرازيل وسويسرا هذه الآليات للحصول على تقنيات متقدمة في إلكترونيات الطيران والمستشعرات وأنظمة الطائرات، فيما أسهم ما يصاحبها من إنتاج محلي وفرص عمل ونقل للتكنولوجيا في كسب التأييد السياسي الداخلي لتلك البرامج، وكانت شاشات اللمس المخصصة للطائرات العسكرية، التي طورتها شركة "أيه إي أل سيستيماس" البرازيلية، نتيجة اتفاق تعويض صناعي مع شركة "ساب" السويدية، متقنة إلى حد دفع سلاح الجو السويدي لاحقاً إلى استخدامها في مقاتلاته.

في خندق واحد

يمكن للتعاون عبر الحدود بين الشركات والمستثمرين والمؤسسات البحثية أن يوثق الروابط بين الحلفاء والشركاء على مستوى الدول، لأنه يمنحها مصالح مشتركة، ومن خلال تشبيك الاقتصادات والصناعات الوطنية، يكبح هذا التعاون الضغوط السياسية الداعية إلى فك الارتباط، ولأن هذه العلاقات تدوم عادة أطول من الولايات المعتادة للحكومات المنتخبة، فإنها تساعد التحالفات والشراكات في الصمود خلال فترات التغيير السياسي.

وتنبع فاعلية الابتكار الدفاعي العابر للحدود من أنه لا يعتمد على آليات التحالف الرسمية، إذ تختار الشركات والمؤسسات البحثية وجهات الاستثمار الحكومية العمل معاً، في مسائل ميدانية وتقنية وعلمية، حين ترى أن تعاونها يمكن أن يحقق فائدة ملموسة. وفي أوكرانيا، قادت شركة "سبيس إكس" الأميركية التعاون مع كييف من خلال توفير شبكة "ستارلينك" للاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية. وفي تايوان، عملت "أوتيريون" وشركات أميركية ومن دول حليفة أخرى مع مؤسسات محلية، من بينها "معهد تشونغ شان الوطني للعلوم والتكنولوجيا"، على بناء صناعة المسيّرات في الجزيرة. وفي أماكن أخرى، تجمع مبادرات مثل "منظومة تسريع التعاون الدفاعي بين الهند والولايات المتحدة" الشركات الناشئة والمستثمرين والجامعات والمختبرات الحكومية، لتطوير التكنولوجيا الدفاعية بصورة مشتركة. ومع نمو هذه الشبكات، فإنها لا تساعد الحلفاء والشركاء في الابتكار واعتماد التقنيات الجديدة بسرعة أكبر وحسب، بل تظهر أيضاً للخصوم المحتملين امتلاكهم قدرة مشتركة كبيرة.

لكن قطاع الصناعة لا يستطيع دفع الابتكار الدفاعي العابر للحدود بمفرده، إذ يتعين على الحكومات أيضاً اعتماد سياسات تتيح لهذه الروابط الازدهار. وسيكون اتخاذ مثل هذه الخطوات صعباً خلال المناخ السياسي الحالي، الذي يدفع حكومات كثيرة إلى حماية الإنتاج المحلي لخلق وظائف في دوائر انتخابية مهمة، والاحتفاظ بسيطرة سيادية على سلاسل الإمداد الحيوية، والحد من اعتمادها على الآخرين. وتتجسد هذه النزعات بصورة متزايدة في القوانين، فالولايات المتحدة تشدد المتطلبات المفروضة على قواتها المسلحة ووكالاتها الفيدرالية الأخرى والمتعاقدين معها، لشراء منتجات أميركية الصنع، وكذلك يدمج الاتحاد الأوروبي تفضيلاً للسلع الأوروبية الصنع في إستراتيجية إعادة التسلح الخاصة به. ولن تمول آلية القروض الأوروبية المسماة "العمل الأمني من أجل أوروبا"، التي تبلغ قيمتها 175 مليار دولار، إلا المشاريع الدفاعية التي لا تزيد حصة المكونات الواردة إليها من موردين خارجيين على 35 في المئة. ويشترط برنامج "الصناعة الدفاعية الأوروبية"، على نحو مماثل، أن يكون منشأ 65 في المئة من مكونات المنتج الممول داخل الاتحاد الأوروبي، أو النرويج أو أوكرانيا. والمنطق السياسي واضح: ينبغي للأموال الأوروبية أن تبني الصناعة الأوروبية.

ولا تعني السياسات الداعمة للابتكار الدفاعي العابر للحدود بالضرورة إضعاف جهود الحكومات لتعزيز صناعاتها الوطنية، مثلما أنها لا تتعارض حتماً مع التوجهات السياسية السائدة، فالقواعد الحمائية تستهدف في الأساس المنظومات العسكرية المكتملة والعقود الرئيسة، بينما يمكن أن يستمر إلى جانبها قدر كبير من التعاون الأقل ظهوراً، مثل توريد المكونات، ونقل البرمجيات والخبرات، والتطوير المشترك، وهي كلها عناصر أساس في الابتكار الحديث. وحتى المبادرات الدفاعية الأوروبية التي تعطي الأفضلية للمنتجات الأوروبية تسمح باستثناءات لشركاء موثوقين، مثل كندا والمملكة المتحدة، ولا يمكنها الاستغناء كلياً عن الإنتاج بموجب تراخيص أجنبية، أو فروع الشركات الأجنبية، أو التقنيات مزدوجة الاستخدام التي تعتمد عليها المنظومات الأوروبية بالفعل، وعندما تحقق الشراكات العابرة للحدود منافع واضحة للدولة، مثل خلق فرص العمل، وإنشاء خطوط إنتاج محلية خاضعة لسيطرتها، ونقل التكنولوجيا الأجنبية إليها، فإنها تنسجم أيضاً مع الاعتبارات القومية التي تحرك الحكومات اليوم.

في أسواق الدفاع، لا تنشأ المنافسة الحقيقية تلقائياً، بل تصنعها السياسات الحكومية

 

ولا ينبغي لصناع السياسات أن يصطدموا بالنزعة إلى حماية الصناعة الوطنية، بل أن يوظفوها لتحقيق مكاسب داخلية من خلال التعاون مع الحلفاء، فمن الطبيعي أن تسعى الحكومات إلى زيادة الإنتاج المحلي، لكن عليها في الوقت نفسه أن تبقي سوق الدفاع مفتوحة أمام المنافسة الدولية. ويتطلب ذلك إعادة النظر بعناية في القوانين والسياسات التي تلزمها شراء منظومات عسكرية مصنعة محلياً، ويمكن تحقيق ذلك بمنح الحلفاء الموثوقين إعفاءات واسعة واستثناءات دائمة من شروط المكونات المحلية، أو في الأقل بتجنب تطبيق هذه الشروط بتشدد مفرط.

وينبغي للحكومات أيضاً ألا تفرط في تصنيف المعلومات على أنها سرية أو شديدة السرية، وأن تخفف القيود الصارمة على تداول البيانات التقنية التي تعوق تبادل المعلومات، وأن تقر الاعتراف المتبادل بالتصاريح الأمنية، بما يتيح للشركاء الوصول إلى المعلومات المصنفة. ومن شأن هذه الخطوات أن تسهل على الشركات تطوير الأنظمة العسكرية ومزدوجة الاستخدام، وإنتاجها بصورة مشتركة، وأن تيسّر على الحكومات شراءها.

ولدى كثير من حلفاء الولايات المتحدة وشركائها مخاوف مشروعة من اعتمادهم العسكري والتكنولوجي عليها، ولتبديد هذه المخاوف، ينبغي لواشنطن أن توضح أنها لا تسعى إلى إدامة علاقة دفاعية غير متوازنة، بل إلى بناء اعتماد متبادل حقيقي، ويمكن لشراء تقنيات وسلع أجنبية للجيش الأميركي، والتطوير المشترك لتقنيات وتطبيقات وأنظمة جديدة، والاستثمار في الجهود العلمية والتكنولوجية لدى الشركاء، أن يبرهن بوضوح على التزام الولايات المتحدة. وبالطبع، يجب على واشنطن أن تقاوم إغراء استخدام هذا الاعتماد المتبادل في قطاعي التكنولوجيا والدفاع أداةً لتحقيق مكاسب قصيرة الأمد.

كذلك يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها الموثوقين تخفيف القيود التي يفرضها كل طرف على صادراته إلى الآخر، مع مواصلة منع نقل التكنولوجيا العسكرية ومزدوجة الاستخدام إلى الخصوم، ومن شأن تقليص الأعباء البيروقراطية أن يشجع التعاون في التكنولوجيا الدفاعية، بما في ذلك التقنيات العامة الاستخدام ومزدوجة الاستخدام التي ستشكل أساس القدرات المتقدمة مستقبلاً.

وقد اتخذت واشنطن خطوات مهمة لتخفيف القيود على تصدير التكنولوجيا الحساسة المرتبطة بالغواصات العاملة بالطاقة النووية إلى أستراليا والمملكة المتحدة، شريكتيها في اتفاق "أوكوس". وينبغي أن تحكُم الروح نفسها الجهود مع حلفاء وشركاء آخرين، وأن تمتد إلى نطاق أوسع من التقنيات الدفاعية.

ويمكن إجراء بعض عمليات تبادل التكنولوجيا ومشاريع الابتكار المشترك عبر مؤسسات قائمة بالفعل، فـ "مسرّع الابتكار الدفاعي لشمال الأطلسي" التابع لـ الـ "ناتو"، يتعاون مع الشركات الناشئة لإيجاد حلول للتحديات العسكرية، ويمول "صندوق الدفاع الأوروبي" مشاريع بحث وتطوير مشتركة بين دول الاتحاد، بينما تتولى الركيزة الثانية من اتفاق "أوكوس" تنسيق تطوير قدرات متقدمة، في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية والأنظمة العاملة تحت سطح البحر والتقنيات فرط الصوتية. لكن هذه المؤسسات تستطيع تحقيق نتائج أكبر إذا وسعت دائرة الشركات المؤهلة للعمل معها. وقد أتاح إقرار "قانون تفويض الدفاع الوطني" لعام 2026 للولايات المتحدة فرصة تيسير تعاونها مع الحكومات والشركات الأجنبية، إذ يلزم القانون الحكومة بإنشاء منصب مساعد وزير الدفاع للتعاون الدولي في مجال التسليح. غير أن المكتب الجديد لن يكون مؤثراً ما لم يُزود بالموارد اللازمة، ويُمنح صلاحيات فعلية لتنسيق تراخيص التصدير، والتواصل مع الشركاء، ويُكلف بوضوح ببناء منظومة مشتركة للابتكار الدفاعي. ولتيسير التعاون بدرجة أكبر، ينبغي لحلفاء الولايات المتحدة، الذين لا يملكون مكاتب مماثلة، أن ينشئوها، وعلى من يملكونها أن يوسعوا صلاحياتها.

تجعل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، والحروب الممتدة، وتسارع التطور التكنولوجي، تعاون الولايات المتحدة وحلفائها في مجال التكنولوجيا الدفاعية أكثر إلحاحاً، وقد بدأت الشركات والجامعات بالفعل مد جسور التعاون عبر الحدود، لدعم الابتكار وتوسيع مشاريعها، لكنها تحتاج إلى مساندة الحكومات كي تستفيد من هذا النهج إلى أقصى حد. ولا يجوز أن تؤدي الضغوط السياسية، المطالبة بحصر إنتاج الأسلحة والتكنولوجيا داخل الحدود الوطنية، إلى تقويض هذا التعاون. فالتصدي للتهديدات الأمنية الراهنة يتطلب زيادة حجم الإنتاج وتوسيع شبكات التعاون في الوقت نفسه، أي تعزيز التسلح محلياً، وجمع مواطن القوة لدى الحلفاء. وفي وقت تتزايد شكوك الحلفاء في مدى موثوقية الولايات المتحدة، فيما يشك الأميركيون في قدرة حلفائهم على تحمل نصيب أكبر من المسؤوليات الأمنية، فمن شأن تعزيز الابتكار الدفاعي العابر للحدود أن يرسخ هذه العلاقات الحيوية حول هدف صناعي وتكنولوجي مشترك، بما يحقق للجميع فوائد مستدامة.

 

ترجمة عن "فورين أفيرز"، 10 يوليو (تموز) 2026

كولين كال مدير معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية في جامعة ستانفورد، وشغل منصب وكيل وزارة الدفاع الأميركية لشؤون السياسات بين عامي 2021 و2023.

توبياس فيستنر مدير إدارة الأبحاث والمشورة السياسية في مركز جنيف للسياسات الأمنية، وباحث منتسب إلى "مركز الأمن الدولي والتعاون" في جامعة ستانفورد.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء