ملخص
يدور سعر خام نفط "برنت" القياسي حول 90 دولاراً للبرميل، ويزحف نحو مستوى 100 دولار للبرميل، وقد يرتفع فوقه إذا استمر الصراع واضطراب إمدادات النفط من الخليج.
مع عودة الحرب بين أميركا وإيران، واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، عادت أسعار الطاقة للارتفاع مجدداً بعد فترة هبوط خلال الهدنة التي فرضتها مذكرة التفاهم بين الطرفين في الأسابيع السابقة على تجدد القتال.
يدور سعر خام نفط "برنت" القياسي حول 90 دولاراً للبرميل، ويزحف نحو مستوى 100 دولار للبرميل، وقد يرتفع فوقه إذا استمر الصراع واضطراب إمدادات النفط من الخليج.
وبعدما كانت أسعار المشتقات، مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات، بدأت في الاستقرار، عادت للارتفاع مجدداً، وزاد سعر غالون البنزين للمستهلكين في الولايات المتحدة على أربعة دولارات، بينما عادت أوروبا للقلق في شأن وقود الطائرات.
ذلك الاضطراب في أسعار الطاقة نتيجة الحرب يمكن أن يدفع معدلات التضخم في كثير من دول العالم نحو الارتفاع مجدداً، بعدما كانت عادت للتباطؤ على أمل التوصل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن وتوقف الحرب تماماً.
ويعيد ذلك المخاوف مجدداً من أن تضطر البنوك المركزية في الاقتصادات الكبرى، ومن ثم بقية البنوك المركزية في العالم، إلى رفع أسعار الفائدة لكبح جماح ارتفاع معدلات التضخم.
من شأن ذلك، إذا استمر، أن يؤثر بشكل سلبي في معدلات النمو الاقتصادي العالمي المتواضعة أصلاً حتى من قبل الحرب، وفي وقت سابق من هذا الشهر، خفض صندوق النقد الدولي مجدداً توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي هذا العام إلى نسبة ثلاثة في المئة فقط، مقابل نسبة 3.5 في المئة العام الماضي 2025، وأرجع السبب إلى تبعات الحرب على إيران.
توقعات سلبية متزايدة
جاء تخفيض الصندوق توقعات النمو في يوليو (تموز) الجاري بنسبة قليلة عن توقعاته في أبريل (نيسان) الماضي، التي كانت عند نسبة نمو 3.1 لعام 2026. إلا أن مؤسسات أخرى، وبنوكاً استثمارية، وشركات استشارات، تخفض توقعاتها للنمو الاقتصادي العالمي بشكل أكبر من ذلك، وفي بعض الحالات بما لا يزيد كثيراً على نسبة اثنين في المئة.
حتى توقعات صندوق النقد الدولي للنمو العام المقبل 2027، عند نسبة 3.4 في المئة، تظل أقل من نسبة نمو العام الماضي. وفي تقديرات هذا الشهر، توقع الصندوق ارتفاع معدلات التضخم عالمياً إلى نسبة 4.7 في المئة، مقابل نسبة 4.1 في المئة للعام الماضي 2025. وسبب التقديرات المعقولة من الصندوق توقعاته بأن النمو في قطاع الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعوض التباطؤ نتيجة حرب إيران.
في مؤتمر صحافي لإعلان التوقعات، قالت نائب مدير الصندوق، بيتيا كويفا بروكس، إن "النظرة المستقبلية (لنمو الاقتصاد العالمي) تحكمها قوتان متضادتان تدفعانها في اتجاهين مختلفين، هما التبعات المستمرة لصدمة الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، والرواج الاستثماري في قطاع التكنولوجيا". وأضافت بروكس أن استمرار الاضطرابات وعدم اليقين يزيد من الأخطار في شأن المستقبل.
هناك عوامل كثيرة كانت تهدد بأزمة تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وحتى احتمالات الركود أو الكساد، منذ ما قبل بدء حرب إيران في نهاية فبراير (شباط) من هذا العام. لكن الحرب، وأزمة الطاقة المصاحبة لها، فاقمت بعض تلك العوامل، بما أصبح يهدد بأزمة اقتصادية عالمية إذا استمر الصراع دون حل حتى العام المقبل، كما يرى كثير من المحللين والمعلقين.
يتراجع معدل النمو في ثاني أكبر اقتصاد في العالم، الصين، وهذا كفيل بتراجع النمو الاقتصادي العالمي، لما كان يمثله النمو في الصين ضمن معدلات زيادة الناتج المحلي الإجمالي في العالم، كذلك فإن الاقتصاد الهندي، الذي كان الأسرع نمواً قبل أعوام قليلة، بدأ نموه يتباطأ أيضاً.
وأسهمت صدمة الطاقة الناتجة من حرب الخليج في هذا التباطؤ، إذ تعتمد الاقتصادات الآسيوية عموماً على استيراد النفط والغاز من الخليج وعبر مضيق هرمز.
عوامل عدة وشرارة أزمة
قبل حرب إيران، كان الاقتصاد العالمي يواجه تحديات، من غليان الأسواق والمبالغة في قيمة الأصول، بما يهدد بتحول فقاعة الأسواق المالية إلى أزمة دين عالمي متصاعدة، تهدد أيضاً بانهيار سوق السندات إذا انفجرت فقاعة الديون. وما بين هذا وذاك، كانت مشكلات الاقتصادات الكبرى، من أزمات عدة تبطئ نمو الاقتصاد الصيني إلى اضطرابات وحال عدم يقين تؤثر سلباً في أكبر اقتصاد في العالم، الولايات المتحدة.
حتى القطاع الذي غطت سرعة نموه على تلك المشكلات الكامنة في الاقتصاد العالمي، وهو الذكاء الاصطناعي، بدأت المخاوف من كونه ربما يشهد تكوين فقاعة قد يؤدي انفجارها إلى أزمة مالية عالمية لا تختلف عن الأزمة المالية العالمية السابقة في 2008 – 2009.
في مقال له مطلع الشهر، لمنافذ عدة عبر "بروجيكت سينديكيت"، كتب الاقتصادي الشهير محمد العريان محذراً من أن "الضرر الاقتصادي من حرب إيران يتطور ويتعمق". لكنه أشار أيضاً إلى أن حال الهشاشة و"التفسخ" في الاقتصاد العالمي تعود إلى أن "العالم القديم قد انتهى، وأن الجميع يواجهون خطر الخسارة في الجديد، والتساؤل الآن هو عن حجم الخسارة وما يمكن عمله تجاهها".
الأهم في ذلك المقال أن العريان ذكر أكثر من عامل مسؤول عن الوضع الحالي للاقتصاد العالمي، معتبراً أن التعامل معها بوصفها عوامل منفصلة خطأ، وخص منها ثلاثة عوامل، هي: تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ونهاية "إجماع واشنطن"، والارتداد عن العولمة. بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، وعلى رغم ما يحمله من إمكانات زيادة هائلة في الإنتاجية، فإنه بحاجة إلى أطر جديدة لضمان توسعه، ليتم تبنيه على نطاق شامل.
أما بالنسبة إلى "إجماع واشنطن"، الذي كان يعني أن الثقة في الليبرالية الاقتصادية، وتخفيف القيود والقواعد، مع الانضباط المالي واستقلالية البنوك المركزية، تدفع نحو الرخاء والرفاهية، فإنه لم يعد موجوداً الآن.
واعتبر العريان أن الولايات المتحدة هي من قادت عملية "موت إجماع واشنطن"، للأسف، بخاصة مع إجراءات فرض التعريفة الجمركية والعقوبات على الاستثمار.
مرونة الاقتصاد الأميركي تقود العالم
مطلع يونيو (حزيران) الماضي، أصدرت منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، التي تضم الدول الصناعية الكبرى، تقريراً حول توقعاتها المستقبلية للاقتصاد، خلصت فيه إلى أنه "إذا استمرت الحرب في الشرق الأوسط حتى العام المقبل، فإنها ستضر بقوة بالنمو العالمي، بما يجعل بعض الاقتصادات تدخل مرحلة ركود". وقدرت المنظمة نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي هذا العام بنسبة 2.1 في المئة، طبقاً لهذا السيناريو.
بل إن تقرير المنظمة أشار إلى أن الرواج الناتج من تطور قطاع الذكاء الاصطناعي مهدد بالفعل في حال استمرار الحرب وصدمة الطاقة الناجمة عنها. وأشار التقرير إلى أن استمرار الصراع في المنطقة وتبعاته يمكن أن "يزيد من تراجع حوافز الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، مما يؤدي إلى تباطؤ النمو في الاقتصادات التي تستفيد حالياً من نمو الاستثمار والإنتاج المرتبط بالذكاء الاصطناعي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
استندت تقديرات تقرير منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي ليس فقط إلى صدمة الطاقة التي تسببها حرب إيران، لكن أيضاً إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وتفاقم مشكلات التجارة العالمية المتضررة منذ أزمة وباء كورونا، ولم تكد تتعافى تماماً حتى نشبت حرب إيران.
على رغم كل تلك التقارير والتحليلات والتوقعات السلبية، فإن المرونة التي أظهرها الاقتصاد العالمي منذ بدء الحرب تشير إلى إمكان تحمل الاقتصاد العالمي تبعاتها الحالية. ويقود تلك المرونة الاقتصاد الأميركي، ليس لكونه أكبر اقتصاد في العالم، وإنما لطبيعته القادرة على امتصاص الصدمات، وعمق أسواقه المالية، وسعة نطاقها، كذلك فإن القدر الأكبر من العامل الذي يخفف من حدة الأزمة، وهو نمو قطاع الذكاء الاصطناعي وقطاع التكنولوجيا عموماً، يتركز في أميركا أيضاً.
احتمالات تجاوز الأزمة
لكن هل تكفي مرونة الاقتصاد الأميركي، ومن ثم الاقتصاد العالمي، لمواجهة أزمة محتملة نتيجة استمرار حرب إيران أو تصعيدها؟، تشير الشواهد في الأعوام الأخيرة إلى الإجابة بنعم.
وشهد العالم "بروفة" لذلك حين ارتفعت أسعار النفط إلى ما فوق 120 دولاراً لبرميل خام "برنت" خلال الأشهر الأولى للحرب، فلم تقتصر المرونة على طرح مئات ملايين براميل النفط من المخزونات التجارية والاستراتيجية لدول العالم، إنما شهد العالم تغيراً واضحاً في نمط استهلاك الطاقة.
الواقع أن هذا التغير في نمط استهلاك الطاقة يعود إلى بداية حرب أوكرانيا عام 2022، وفرض العقوبات على روسيا، وحظر أوروبا استيراد الغاز والنفط الروسي، إذ تغيرت مسارات تصدير وتجارة الطاقة حول العالم، بل وخفضت دول مستهلكة اعتمادها على النفط لصالح مصادر طاقة أخرى.
الحرب في أوكرانيا أدت إلى اضطراب واضح في التجارة العالمية، بخاصة تجارة الحبوب عبر البحر الأسود، ومع ذلك تمكن الاقتصاد العالمي من تجاوز التحدي من دون أزمة كبيرة.
ربما يكون استمرار الصراع في الشرق الأوسط أكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي، بخاصة في مجال الطاقة، إذ يمر خمس نفط العالم (20 في المئة) عبر مضيق هرمز.
اضطراب التجارة في المنطقة يضر بأسواق منتجات أخرى، من الكبريت إلى الأسمدة، ما يعني تضرر قطاعي الزراعة والصناعة حول العالم، لكن تجارب الصدمات السابقة منذ أزمة وباء كورونا، وقدرة الاقتصاد العالمي على تجاوزها، تعني أنه ما لم تتضافر تبعات حرب إيران مع انفجارات أخرى، مثل انهيار الأسواق أو انفجار فقاعة الديون، فإن الاقتصاد العالمي قادر على مواجهة الأزمة.
بل إن بعض المحللين والاقتصاديين يستبعدون أن تؤدي حرب إيران إلى أزمة مشابهة للأزمة المالية العالمية السابقة في نهاية العقد الأول من هذا القرن، فالأسواق العالمية تشهد عمليات تصحيح بين فترة وأخرى، بما يسحب منها أي غليان يزيد الفقاعة توسعاً، كذلك فإن أزمة الدين العالمي، على رغم تفاقم حجم المديونيات، فإن وضع الائتمان وسوق السندات حول العالم يظل جيداً.