ملخص
ربط مراقبون حجب واشنطن إصدار التأشيرة لرئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان ليشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعدم موافقته على مقترح لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، قدمه المستشار الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، إذ أبدى الجيش السوداني تحفظات على المقترح، في وقت تتباين فيه المواقف في شأن آليات تثبيت الهدنة وضماناتها.
حجبت الولايات المتحدة تأشيرة الدخول عن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، قائد الجيش السوداني، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، قبل الموعد المقرر لمشاركته في أعمال الدورة الـ81 الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وكان البرهان مدرجاً في البرنامج الرسمي لإلقاء كلمة السودان اليوم الخميس، غير أنه أرجأ سفره إلى نيويورك، في تطور يضيف بعداً دبلوماسياً إلى مسار الأزمة السودانية.
وربط مراقبون حجب واشنطن التأشيرة بعدم موافقة البرهان على مقترح لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، قدمه المستشار الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، إذ أبدى الجيش السوداني تحفظات على المقترح، في وقت تتباين فيه المواقف في شأن آليات تثبيت الهدنة وضماناتها.
وفي نيويورك، يشارك وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم في أعمال الجمعية العامة، وسط توقعات بأن يتولى إلقاء كلمة السودان بدلاً من البرهان. وبينما تصاعدت أزمة التأشيرة، قالت وزارة الخارجية الأميركية إن "القوات المسلحة السودانية وقوات ’الدعم السريع‘، وقائديهما، لا يمثلون حكماً شرعياً ودستورياً للسودان"، مؤكدة أن واشنطن ستواصل الضغط على جميع الأطراف والشبكات التي تسهم في استمرار الحرب، ويعكس هذا الموقف اتجاهاً أميركياً للتركيز على وقف الأعمال القتالية وتهيئة مسار سياسي، من دون حسم مسبق لترتيبات الحكم.
ويأتي ذلك فيما تواصل الولايات المتحدة، بالتنسيق مع السعودية، ومصر، والإمارات، مساعيها لدفع طرفي النزاع نحو وقف القتال، بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب بين الجيش و"الدعم السريع" في أبريل (نيسان) 2023. وتتحرك هذه الجهود ضمن مسار دبلوماسي، تتقاطع فيه اعتبارات وقف الحرب، وحماية المدنيين، وتهيئة شروط تسوية سياسية قابلة للاستمرار، مع بقاء مواقف القوى السودانية والإقليمية والدولية محل تفاوض مستمر.
عائق الحضور
من جهته، اعتبر الصحافي محمد مهدي أن "الخرطوم تتعامل مع مسألة تأخر إصدار تأشيرة رئيس مجلس السيادة باعتبارها مسألة مؤسسية تتجاوز الاعتبارات الثنائية، لأنها تتصل بحق دولة عضو في الأمم المتحدة بالمشاركة الكاملة في أعمال المنظمة". وأضاف أن السودان "لا ينظر إلى الوساطة الدولية بوصفها موضع رفض، ولا يغلق الباب أمام أي مسعى جاد لوقف الحرب، لكنه يرى أن ترتيبات وقف إطلاق النار ينبغي أن تكون نتاج تفاوض بين الأطراف، لا شرطاً مسبقاً لممارسة حق مقرر في إطار المنظمة الدولية"، وتابع "نحن أمام مسألتين ينبغي ألا تختلطا، مسار البحث عن تسوية للحرب، ومسألة تمكين وفد دولة عضو من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة. إدخال الثانية في الأولى يغير طبيعة المسار التفاوضي ويحمّل إجراءً إدارياً وظيفة سياسية لا تخدم فرص التفاهم".
في هذا السياق، دعا سفير السودان لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، الأمين العام أنطونيو غوتيريش إلى الاضطلاع بمسؤوليته في صون حق الدول الأعضاء في الوصول إلى المنظمة والمشاركة في أعمالها، وحثه على استخدام قنواته مع السلطات الأميركية لتسوية المسألة قبل أن تتحول قيود السفر إلى عائق فعلي أمام حضور السودان على مستوى القمة، وأضاف أن معالجة الأمر لا تتطلب انحيازاً إلى موقف الخرطوم، بقدر ما تتطلب حماية قاعدة مؤسسية يفترض أن تكون واحدة على جميع الدول الأعضاء.
وأشار السفير إلى أن "الخرطوم أحاطت الأمين العام بموقفها، ليس طلباً لامتياز، وإنما صوناً لمبدأ ينبغي أن يظل محكوماً بقواعد عامة لا تتبدل بتبدل الخلافات السياسية، فيما تطلب الحكومة السودانية التزاماً بمسار السلام، لكنها ترى أن السلام المستدام لا يُختزل في مهلة زمنية أو صيغة جاهزة، وإنما يحتاج إلى ترتيبات قابلة للتفاوض، وضمانات متبادلة، ومعالجة فعلية للأسباب التي أطالت أمد الحرب".
ونقل عن الحكومة السودانية أنها أكدت أنها لا تريد أن تتحول لحظة خلاف إجرائي إلى قطيعة سياسية، وأن تبقى أبواب الدبلوماسية مفتوحة، وأن تظل قواعد العمل الدولي أوسع من خلافات الحكومات.
The belligerents in Sudan must accept a humanitarian truce, the first step towards a durable peace. The Sudanese people deserve the chance to engage in a political process that leads to peace in a unified Sudan.
— U.S. Senior Advisor for Arab and African Affairs (@US_SrAdvisorAF) September 23, 2026
اختبار مزدوج
من جهتها تضع واشنطن حجب تأشيرة دخول البرهان إلى الولايات المتحدة، وعرقلة مشاركته في الجمعية العامة، ضمن سياق أوسع يتصل بموقفها من طرفي الحرب، لا بإجراء قنصلي منفصل، فالموقف الأميركي المعلن لا يمنح القوات المسلحة السودانية ولا قوات "الدعم السريع" وقيادتيهما، صفة "الحكم الشرعي والدستوري"، باعتبار أن السلطة لا تُستمد، في التصور الأميركي، من السيطرة العسكرية، فيما تتهم واشنطن الطرفين بإطالة الحرب وتقويض الانتقال المدني.
وتربط الإدارة ذلك بهدف معلن، هو وقف القتال وإعادة السلطة إلى السودانيين عبر مسار مدني. ويأتي حجب التأشيرة، وفق تقارير، وسط خلاف حول مقترح الهدنة، فيما لم تؤكد الخارجية الأميركية علناً أن قبول الهدنة شرط للتأشيرة. وتقول واشنطن إن استمرار العمليات والضربات بالطائرات المسيرة يفاقم الخسائر المدنية، وتدعو إلى هدنة إنسانية وحوار سياسي شامل، مع زيادة الضغط على المتحاربين والشبكات الداعمة لهما وزيادة كلفة استمرار الحرب عليهما.
لكن الجديد في القضية يظهر بوضوح في زاوية الأمم المتحدة، فالأمانة العامة لم تتعامل معها كخلاف سياسي أميركي - سوداني، بل كمسألة تمس عمل المنظمة نفسها. وأعلن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، أن أنطونيو غوتيريش "قلق للغاية" من عدم إصدار التأشيرة، مؤكداً أن الأمانة أثارت الأمر فوراً مع واشنطن وتواصلت معها، والأهم أن موقف الأمم المتحدة يستند إلى اتفاق المقر لعام 1947، فالمادة 11 تحظر وضع عراقيل أمام عبور ممثلي الدول الأعضاء إلى مقر المنظمة، فيما تنص الأحكام ذات الصلة على إصدار التأشيرات سريعاً ومن دون رسوم.
وهذا يمنح القضية بعداً قانونياً يتجاوز قادة الجيش السوداني، إذ إن الأمم المتحدة هنا تدافع عن حق الوفود في المشاركة، حتى عندما تكون مواقف حكوماتها محل خلاف. وقد سبق للجمعية العامة أن شددت في عام 2025 على التزامات الدولة المضيفة، بعد أزمات تأشيرات مماثلة، لذلك تكشف أزمة البرهان اختباراً مزدوجاً، قدرة واشنطن على استخدام التأشيرة كأداة ضغط، وحدود هذا الضغط عندما يتقاطع مع الالتزامات التي قبلتها بوصفها دولة المقر على نحو مباشر.
دلالة الموقف
يكتسب هذا الموقف دلالته من توقيته وشروطه المعلنة، فالتأشيرة تبدو مرتبطة بموقف الخرطوم من هدنة الـ90 يوماً. وبذلك لم يعد الضغط الأميركي محصوراً في مضمون المبادرة، بل امتد إلى منصة حضور البرهان نفسها في الأمم المتحدة، بما يحول التأشيرة من إجراء دبلوماسي إلى ورقة ضغط تفاوضية تكشف حدود الوساطة الأميركية، وتضع السيادة السودانية مباشرةً أمام النفوذ الأميركي المتزايد.
وتبدو الهدنة الأميركية المقترحة ليست مجرد نافذة إنسانية، بل مدخلاً لإعادة ترتيب الحرب قبل التفاوض على شكل الدولة، إذ إن الهدنة يتبعها تفاوض على وقف دائم للمواجهات ومسار سياسي يقود إلى انتقال مدني وانتخابات، مع آلية أممية لدعم انسحابات محدودة لقوات "الدعم السريع"، تبدأ خصوصاً في شمال دارفور وشمال كردفان، وآلية تنسيق ومراقبة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ربما ترغب واشنطن في تجميد خطوط النار ثم نقل الصراع إلى التفاوض، بينما يرى الجيش أن الهدنة من دون انسحاب كامل لـ"الدعم السريع" من المدن التي سيطر عليها منذ 2023 تعني تثبيت مكاسب عسكرية غير قابلة للتسوية، لذلك فإن اعتراض الخرطوم ليس على مبدأ الهدنة بقدر ما هو على ترتيب مراحلها ومن يحدد نقطة البداية.
أما مقال البرهان في "فورين بوليسي" فبدا كوثيقة سياسية مضادة، في توقيته، عشية الجمعية العامة، مما يمنحه وظيفة تفاوضية مباشرة، بنقل المعركة من سؤال وقف إطلاق النار إلى سؤال مَن يملك تعريف السلام. وذكر البرهان في المقال أنه يرفض اختزال الحرب في صراع بين فصيلين، ويرفض مساواة الدولة بـ"الدعم السريع"، كما عرض تصوراً يقوم على وقف دائم لإطلاق النار، وإخراج السلاح والمقاتلين من المناطق المدنية، وإنشاء جيش وطني واحد تحت رقابة مدنية، ودستور يكتبه السودانيون وانتخابات بإشراف دولي، وجاء فيه أيضاً أن الهدن السابقة "صيغت للسودان من دون السودان"، مما فُسِّر بأنه اعتراض على الوساطة الأميركية، وصورها كأنها تسعى إلى تحويل السيادة من مبدأ إلى أداة تفاوض.
والظرف المحيط بالمقال يجعله محاولة لاستعادة زمام المبادرة، إذ تضغط واشنطن لقبول هدنة، فيما يتحول منع التأشيرة إلى رسالة سياسية تتجاوز حدود التفاوض التقليدي. وبذلك يقدم البرهان نفسه شريكاً مشروطاً في السلام، لا طرفاً يتلقى شروطه، وهي صياغة تخاطب الخارج بقدر ما تعيد تنظيم موقعه في الداخل.
توقعات محتملة
تكمن الخطوة الأميركية في عدم تمكين البرهان من الوصول إلى نيويورك، في إعادة تعريف كلفة تمثيل السلطة السودانية دولياً، فإذا كانت واشنطن تربط منح التأشيرة بقبول الهدنة فإنها تنقل التفاوض من مستوى النصائح التفاوضية إلى مستوى الحوافز والعقوبات الشخصية، وتبعث بإشارة مفادها أن الاعتراف العملي بالسلطة لا يساوي تفويضاً مفتوحاً لإدارة الحرب، ويكتسب ذلك وزناً أكبر لأن واشنطن عاقبت بالفعل قيادات وشبكات مرتبطة بالجيش و"الدعم السريع"، بما يوحي بسياسة تستهدف مصادر الحرب لا طرفاً واحداً.
الأرجح أن تتحرك الحكومة السودانية أولاً في اتجاه التشدد السياسي، ورفض إظهار القرار كأنه إملاء خارجي، وتصعيد الخطاب حول السيادة، مع إبقاء قناة تفاوض خلفية مفتوحة لاستكشاف شروط الهدنة.
وقد تحاول في الوقت نفسه تحويل الأزمة إلى ورقة تعبئة داخلية، وربط أي تنازل أميركي بشروط ضد تمدد "الدعم السريع"، لكن استمرار العزلة سيضغط تدريجاً على حسابات القيادة، خصوصاً إذا اقترنت العقوبات بقيود على التمويل والتسليح وشبكات الإسناد الإقليمية.
أما "الدعم السريع" فستحاول استثمار الشرخ السياسي بوصفه دليلاً على تراجع الغطاء الدولي عن الجيش، لكنها لن تكون بالضرورة مستفيدة من الهدنة إذا قيدت قدرتها على استثمار مكاسب ميدانية، لذلك قد توافق تكتيكياً على وقف النار، مع السعي إلى تثبيت مكاسب الأراضي وفتح مسار تفاوضي يمنحها وزناً سياسياً من دون أن تلتزم مسبقاً بترتيب نهائي للسلطة.
ومن المرجح أن تختبر واشنطن الطرفين على مراحل، هدنة قابلة للقياس، ثم آلية مراقبة، ثم عقوبات أشد على المعرقلين والداعمين الخارجيين، أما التدخل العسكري المباشر فليس المسار الأكثر اتساقاً مع أدواتها الحالية. الخطر الحقيقي هو أن يفشل الضغط في إنتاج تسوية، فيتحول إلى سباق لإعادة التموضع، عندها قد تصبح التأشيرة بداية دورة تصعيد دبلوماسي أطول، لا حادثة معزولة. وفي هذه الحال ستسعى واشنطن إلى منع انتصار حاسم، لا عبر إرسال قوات، بل عبر تضييق المجال أمام من يرفض التسوية، ورفع كلفة الحرب تدريجاً.