ملخص
العطش يزحف نحو خيام النازحين في غزة بعد توقف مشاريع إمداد مياه الشرب بسبب أزمات التمويل، كارثة بيئية وصحية مرتقبة تفوق القدرة على التحمل.
تحت لهيب شمس الصيف الحارقة في مخيم دير البلح، تقف الطفلة مرام منذ أربع ساعات في طابور طويل وهي تحتضن غالوناً بلاستيكياً أصفر.
تتقدم ببطء نحو "التنك" الرئيس للمخيم، لكن عندما وصلته رأت الورقة البيضاء المكتوبة بخط اليد والمثبتة بقطعة لاصق على حديد الخزان الفارغ "تنويه للنازحين… يؤسفنا إعلامكم بتوقف ضخ مياه الشرب ابتداءً من اليوم بسبب توقف التمويل".
أسقطت مرام غالونها الفارغ، والتفتت تسأل أمها بذهول "يعني هذه المرة ليس السبب قصف المحطة وإنما نتيجة شح في المال؟".
بينما اعتاد السكان على ملاحقة الموت الزاحف مع الدبابات، باتوا في مواجهة نقص حاد في المياه، ولكن هذه المرة لم تكن الصواريخ هي المسؤولة عن قطع شريان الحياة عن مخيمات النزوح في غزة، بل خلافات التمويل.
كواليس الانسداد
لكي تفهم الأزمة، يجب تفكيك آلية حصول مخيمات غزة على مياه الشرب أثناء الحرب، فمع تدمير الشبكات العمومية، باتت المخيمات تعتمد كلياً على معادلة ثلاثية الأطراف: ممولون دوليون ومنظمات وسيطة تدير الملف وشركات محلية خاصة تمتلك محطات التحلية وشاحنات النقل التي تضخ المياه فعلياً إلى المخيمات.
في الفترة الأخيرة، تعرضت هذه الآلية لانتكاسة، حيث توقفت إمدادات المياه بصورة مفاجئة عن مخيمات النزوح، وهذا خلق أزمة إنسانية حادة.
يوضح مدير عام المياه في مصلحة بلديات الساحل ماهر سالم أن أزمة التمويل لها ثلاثة عوامل، الأول "يتمثل في انفجار الكلف التشغيلية، حيث كانت الاتفاقات المبرمة مع المنظمات المانحة جرت بناء على أسعار معيارية قديمة لمدخلات الإنتاج، ومع اشتداد الحصار، قفزت أسعار الديزل والزيوت الصناعية اللازمة لتشغيل المولدات ومحطات التكرير إلى مستويات فلكية، إلى جانب ندرة قطع الغيار ومع رفض الجهات الدولية تعديل بنود الموازنات، بات استمرار الضخ يمثل نزفاً وخسارة مالية مباشرة تتحملها الشركات المحلية وحدها".
أما العامل الثاني يبين سالم أنه عقدة الحوالات وشلل السيولة النقدية، إذ تسببت التعقيدات المفروضة على حركة الأموال والتحويلات المصرفية المتجهة إلى قطاع غزة في تأخير مستمر للمستحقات أسابيع طويلة، مما أدى إلى جفاف التدفق النقدي الفوري للشركات، وعجزها عن شراء المواد الخام الفورية ودفع أجور العمال وسائقي الشاحنات.
أما العامل الثالث فيتمثل بآكل القدرة الائتمانية للموردين إذ استمرت الشركات في توزيع المياه أسابيع عدة بالاعتماد على وعود وتسهيلات ائتمانية موقتة لضمان عدم عطش المخيمات، لكن مع غياب أي أفق زمني لتسوية الديون المتراكمة، وصلت القدرة الائتمانية للموردين إلى طريق مسدود، مما أجبرهم على التعليق الإجباري لضخ المياه.
وفي السياق ذاته، يقول مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة "توقف مشاريع إمداد المياه لبعض مخيمات النزوح أمر غير مقبول مطلقاً بغض النظر عن الأسباب والذرائع، نحن نتحدث عن انحدار حصة الفرد اليومية من المياه إلى مستويات خطرة تقل عن ثلاثة ليترات، وهي نسبة لا تغطي 20 في المئة من الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة بحسب معايير منظمة الصحة العالمية".
تدمير البنية التحتية
في الحقيقة، أزمة العطش قديمة جداً، فلم تكن غزة تنعم بمياه عذبة أو آمنة قبل الحرب، كانت تعيش تحت وطأة حصار جعل من قطرة الماء النظيفة سلعة نادرة.
وحول واقع المياه التاريخي في القطاع، يؤكد المدير العام لمصلحة مياه بلديات الساحل منذر شبلاق أن قطاع غزة يعتمد بنسبة تزيد على 95 في المئة على الخزان الجوفي الساحلي كمصدر وحيد للمياه.
بقول شبلاق "تعرض الخزان لاستنزاف جائر فاق قدرته على التجدد الطبيعي بثلاثة أضعاف، مما أدى إلى تداخل مياه البحر الأبيض المتوسط المالحة مع المياه الجوفية، وتسرب مياه الصرف الصحي إلى الآبار نتيجة تهالك الشبكات، لتصبح النتيجة الصادمة قبل الحرب الحالية أن 97 في المئة من المياه الجوفية لغزة غير صالحة للاستهلاك البشري بناء على معايير منظمة الصحة العالمية".
أمام هذا الواقع، اضطر سكان غزة إلى شراء المياه المحلاة من محطات تجارية صغيرة خاصة، أو الحصول عليها من خطوط مياه "مكوروت" الإسرائيلي، أو محطات التحلية المركزية الثلاث الكبرى التي كانت تعمل بتمويل دولي.
ومع اندلاع الحرب، تحول العجز المائي إلى كارثة شاملة نتيجة الاستهداف المباشر والممنهج لشبكات الإمداد، يقول المتخصص في الإصحاح البيئي والبنية التحتية في غزة المهندس عوني نعيم "ما شهده قطاع غزة ليس مجرد أضرار جانبية للعمليات العسكرية، بل هو تدمير شامل للبنية التحتية المائية، حيث قصفت الآليات والطائرات الإسرائيلية أكثر من 70 في المئة من آبار المياه المحلية، كذلك جرفت الآليات العسكرية مئات الكيلومترات من أنابيب الخطوط الناقلة الرئيسة تحت الأرض، مما أدى إلى استحالة إيصال المياه عبر الشبكات التقليدية".
ولم يتوقف الأمر عند تدمير الآبار والشبكات المحلية، إذ توقفت محطات التحلية المركزية الثلاث في القطاع عن الخدمة مرات متكررة بفعل المنع الصارم لدخول الوقود الحيوي اللازم لتشغيل المولدات، ومنع دخول قطع الغيار الضرورية لأعمال الصيانة.
هذه الكواليس جعلت النازحين رهائن لشاحنات الإغاثة ومحطات التحلية التجارية الصغيرة المعطلة بسبب أزمة التمويل.
سجال الروايات
بينما يواجه النازحون العطش، يدور في زاوية أخرى سجال تصريحات، إذ تحمل المنظمات الأممية القيود العسكرية الإسرائيلية الصارمة المسؤولية الأولى عن انهيار منظومة المياه، وتراجع تمويل المشاريع الإغاثية لعدم توفر بيئة تشغيلية آمنة.
يعلق المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" فيليب لازاريني "غياب الديزل ومنع إدخال المعدات يعطلان جهود توفير المياه للنازحين حيث يصطف الناس يومياً ساعات طويلة للحصول على قطرة ماء في خضم صراعهم من أجل البقاء".
وفي السياق ذاته، أصدرت منظمة "أطباء بلا حدود" بياناً جاء فيه "إسرائيل تستخدم المياه كوجه من أوجه العقاب الجماعي في غزة، حيث يُقتل ويُصاب المدنيون أثناء محاولاتهم اليائسة للوصول إلى نقاط المياه الشحيحة".
تشير "اليونيسيف" إلى أن نصف عائلات غزة تعيش على أقل من ستة ليترات يومياً، وأن رفض السلطات الإسرائيلية إدخال المعدات بذريعة المواد المزدوجة الاستخدام هو ما يشل عمل محطات التحلية ويجهض عقود التمويل الدولية.
في المقابل، ترفض السلطات الإسرائيلية عبر منسق أعمال الحكومة في المناطق يورام هليفي هذه الاتهامات، ويقول "الادعاءات بأن إسرائيل تستخدم المياه كوجه من أوجه العقاب عارية عن الصحة تماماً، فالطرف الوحيد الذي يحول المساعدات الإنسانية والمياه إلى غزة هي تل أبيب".
ويضيف "حجم المساعدات والوقود وضخ المياه عبر خطوطنا يتجاوز المتطلبات الإنسانية الأساسية للقطاع، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في الفشل الإداري وعجز توزيع الإمدادات بصورة عادلة وحماية صهاريج المياه والوقود من الفوضى الأمنية وأعمال السرقة الداخلية في غزة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
العطش بالأرقام
تشير إحصاءات بلديات الساحل إلى أن قطاع غزة كان يعتمد على 300 بئر مركزية تضخ نحو 262 ألف متر مكعب يومياً.
في الحرب دمر الجيش الإسرائيلي 85 في المئة من هذه الآبار، ولا يعمل حالياً سوى ما يقارب 40 في المئة فقط من إجمال منشآت ومرافق المياه العامة.
تحتاج مدن ومخيمات القطاع كحد أدنى إلى 250 ألف متر مكعب يومياً، تراجع إجمال الإمدادات والمياه المتاحة لتستقر عند 35 في المئة كحد أقصى من القدرة السابقة.
تصل نسبة العجز المائي العام إلى 75 في المئة في وسط القطاع وجنوبه، وتلامس 90 في المئة في المحافظات الشمالية.
وبحسب البيانات فإن حصة الفرد اليومية قبل الحرب تقدر بنحو 84.6 ليتر في اليوم، لكن تراجعت معدلات التزود بالمياه لتصل إلى ستة ليترات فقط في اليوم.
عقب أزمة التمويل، انحدرت الحصة في المخيمات الأكثر اكتظاظاً إلى أقل من ثلاثة ليترات يومياً، وهذا يمثل عجزاً بنسبة 96.5 في المئة.
وفقاً للمعاير الدولية فإن الحد الأدنى الإنساني المطلوب في حالات الطوارئ الذي تقره منظمة الصحة العالمية يصل إلى 15 ليتراً يومياً، وهذا رقم يعدّ أقل من خط البقاء البيولوجي على قيد الحياة.
الانهيار البيئي
دخلت غزة بعد توقف التمويل وانقطاع الماء في مرحلة الانهيار البيئي، وفي هذا الشأن يقول استشاري الإصحاح البيئي والبنية التحتية محمد المقادمة "تزويد المخيمات بالمياه هو المحرك الأساس لغسل أنابيب شبكات الصرف الصحي، مع غياب المياه اندفعت العائلات لحفر مئات آلاف الحفر الامتصاصية العشوائية والمراحيض البدائية مباشرة بجانب خيام النوم والطهي".
ويضيف "انحدار حصة المياه يعني عملياً حظر النظافة الشخصية والاستحمام داخل الخيام المصنوعة من النايلون والقماش في أجواء الصيف الحارقة، هذا الجفاف القسري فتح الباب لقفزة مرعبة في تفشي الأمراض والالتهابات".
صوت الشارع
يعيش المواطن الغزي معركة تستنزف طاقته وجسده، في مخيمات النزوح بات السؤال الصباحي "هل ستصل شاحنة المياه اليوم؟".
تروي نعيمة "حياتنا تحولت إلى مطاردة مستمرة لخزان ماء أو شاحنة توزيع، نستيقظ مع خيوط الفجر الأولى وأوزع الغالونات البلاستيكية على أبنائي ليصطفوا في طوابير مختلفة قد تمتد لثلاث أو أربع ساعات تحت الشمس الحارقة"، وتضيف "في كثير من الأيام، نعود بغالونات فارغة لأن التمويل توقف، نضطر أحياناً إلى شراء المياه التجارية بأسعار خيالية تفوق قدرتنا، أو الاستسلام للأمر الواقع وشرب مياه الآبار المالحة التي تسببت لأطفالي بنزلات معوية حادة لا تفارقهم".
أما الحاج بكر فيجلس أمام خيمته ممسكاً بوعاء بلاستيكي فارغ، ويلخص المأساة "نجونا من القصف والموت المحتم في الشمال، لنجد أنفسنا نقاتل من أجل ليتر ماء نظيف هنا، أوعيتنا البلاستيكية الصفراء أصبحت جزءاً من أجسادنا، والاصطفاف في الطوابير بات وظيفة يومية إجبارية للأطفال والنساء".