ملخص
اختلفت النظرة إلى عملية إعادة الإعمار في لبنان، فهي ليست ورشة عمل ضخمة تحاول من خلالها الدولة اجتذاب الاستثمارات الخارجية والشركات الأجنبية، وإنما اختبار لمدى تقدم الإجراءات الحكومية واستجابتها للشروط الدولية لناحية إنجاز الإصلاحات ومكافحة الفساد، وفرض سلطة وسيادة الدولة على أراضيها كافة، وعدم تكرار تجارب الماضي من خلال ضلوع شركات خاضعة للعقوبات في عمليات الإعمار والعقود. ويتوقع خضوع عملية إعادة الإعمار إلى عملية رقابة أمنية من قبل جهات دولية بذريعة منع إعادة ترميم البنى التحتية العسكرية في جنوب لبنان والمناطق المستهدفة من الجيش الإسرائيلي.
لم تتوفر بعد الظروف المناسبة لإطلاق عملية إعادة الإعمار في لبنان بانتظار اكتمال المشهد السياسي والأمني والإصلاحي الاقتصادي. فالشركات الأجنبية حذرة جداً من العمل في بيئة غير مستقرة، وفي دولة لا تؤمن الضمانات الكافية لاستقرار واستمرار عملها، وما يزيد الطين بلة أن عملية إعادة الإعمار في لبنان ليست عملية محض تقنية، فهي ليست مشروعاً ضخماً ترسو مناقصته على مستثمر وكفى، إنما هي عملية لها أبعادها السياسية والأمنية، بدءاً من إعادة الناس إلى قراهم ومنازلهم وضمان استقرارهم في أراضيهم، وإعادة بناء ما تدمر من بنى تحتية في قرى مُسحت جغرافياً، والالتزام بالشروط الدولية لناحية عدم إقامة بنى عسكرية جديدة أو حفر أنفاق، بمعنى أن هذه العملية ستكون ضمن تصور عام لمستقبل ودور البلاد على خط التصالح والصدام الإقليمي والدولي.
عبء إعادة الإعمار
للوهلة الأولى يظن البعض أنه فور وقف إطلاق النار ستتسابق الشركات الأجنبية، وستأتي من كل حدب وصوب للمشاركة في عملية إعادة الإعمار، ولكن هذا لم يحصل، إلا أن الثابت هو مشهد الدمار الهائل الذي تعرضت له مساحات واسعة من جنوب لبنان، والضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق من البقاع (شرق)
وحسب تقديرات المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، فإن قرابة 40 ألف وحدة سكنية مدمرة كلياً أو متضررة بشكل كبير في الفترة بين الثاني من مارس (آذار) والسابع من أبريل (نيسان) الماضيين، فضلاً عن أكثر من 230 ألف وحدة تدمرت أو تضررت كلياً في حرب 2023 - 2024، والتي لم تبدأ عملية إعادة إعمارها بعد.
وأكد المجلس تعرض مساحات واسعة من الأراضي الزراعية لحرائق شديدة ومتوسطة، فضلاً عن أضرار بيئية كبيرة بالتربة والمياه والهواء. وفي تقييم حالة أعده المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حول "فرص إعادة الإعمار في لبنان"، أشار الباحثون إلى تراكم الأعباء بسبب الحروب والأزمات المتلاحقة، إذ تقدر الخسائر الناجمة عن حرب الـ 66 يوماً، والتي انتهت باتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 بقرابة 6,9 مليار دولار أميركي وخسائر بلغت 7,2 مليار دولار أميركي بناء لتقديرات البنك الدولي في مارس (آذار) عام 2025، وتقدير كلفة إعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار.
وما هي إلا أشهراً حتى اندلعت حرب مدمرة أخرى في الثاني من مارس عام 2026، إذ لا توجد تقديرات بشأن أضرارها وأكلافها حتى الآن. ويشير تقييم الحالة إلى العبء الأكبر من الأضرار المادية بسبب حرب عام 2024 تتركز على القطاع السكني. أما في حرب عام 2026، فاتسع نطاق الضرر ليطال البنى التحتية والخدمات العامة بما فيها شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، فضلاً عن تراجع القدرة التشغيلية للمؤسسات الصحية والتعليم.
لاحظ القيمون على التقييم وجود فجوة تمويلية مقارنة بعام 2006 عقب انتهاء الحرب التي اندلعت في 12 يوليو (تموز) بذريعة أسر جنديين إسرائيليين، إذ حظيت عملية إعادة الإعمار بدعم إقليمي وسياسي سمح بتدفق أموال دعم خارجية بشكل سريع وكبير خصوصاً من دول مجلس التعاون الخليجي.
ففي مؤتمر ستوكهولم حصل لبنان على أكثر من 940 مليون دولار، وفي مؤتمر باريس - 3 حصل على قروض مدعومة وميسرة بقيمة 7,6 مليار دولار، وودائع حكومية خليجية لدى مصرف لبنان. في المقابل، تبدل المشهد بعد حرب عام 2024 لجهة محدودية التمويل مقارنة بالاحتياجات، إذ يقدر البنك الدولي الحاجة للتعافي بـ 11 مليار دولار أميركي. وتبقى التدفقات المالية لا تذكر لجهة إعمار البنى التحتية أو القطاع السكني، مع غياب شبه كامل للمنح الخليجية المباشرة التي شكلت ركيزة نموذج عام 2006.
ويقدم تقييم الحالة نموذجاً هجيناً لمصادر التمويل إذ يحاول الإدماج بين تمويل دولي عبر الهبات أو القروض من جهات أممية، ودعم من دول صديقة وفق شروط سياسية قابلة للتحقق ومقبولة من الإجماع اللبناني، وتمكين محلي موجه إلى قطاعات اقتصادية مدمرة إلى قطاعات قابلة للتطور وخلق وظائف، مستدركاً أن "نجاح هذا النموذج يبقى مشروطاً بقدرة الدولة على أداء دور تنظيمي فعلي في بنية مؤسساتية مترهلة وفساد في بنية النظام السياسي، ما يشكل التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة".
رغبة مؤجلة
وأخيراً، تحدثت وسائل إعلامية لبنانية عن خطوة مرتقبة لمجيء رجال أعمال خليجيين إلى لبنان، الأمر الذي نفاه أحد رجال الاقتصاد قائلاً "نسمع كثيراً من الشائعات، ولكن لا يمكن توقع أي زيارات قبل رفع حظر السفر إلى لبنان".
في السياق، اعتبر مدير معهد دراسات السوق باتريك مارديني أن "الأمر مستبعد في المرحلة الراهنة بسبب ارتباط الاستثمارات الخارجية بالبعدين السياسي والأمني"، مضيفاً "لن يشارك أحد في إعادة الإعمار من دون ضمانات أمنية بأن الحرب لن تندلع مجدداً"، كما أنه "لا توجد أي جهة مستعدة لتمويل الدولة اللبنانية من أجل إعادة الإعمار، وبالتالي ستُطالب الدولة بفتح الباب أمام الاستثمار في القطاعات المحتكرة، والتي لا نعلم مدى استعداد لبنان لإلغاء الاحتكارات ومنح شركات أجنبية إمكان إنشاء شركات خاصة لإنتاج الكهرباء، أو توزيعها ونقلها وإدارتها، ما ينطبق أيضاً على القطاعات الأخرى في النفايات والمياه والصرف الصحي وغيرها"، وبالتالي فإن "الرهان على إعادة الإعمار وفق الصيغة القديمة، مشروع مستبعد بسبب أزمة الثقة وتجربة الانهيار وشبهات الفساد".
من ناحيته، أكد المتخصص في السياسات الاقتصادية محمد فحيلي على محاذير عملية إعادة الإعمار المتوقعة "لأن الاستثمار وإعادة الإعمار يحتاجان إلى مبالغ ضخمة وسيولة بالعملات الأجنبية"، مشيراً إلى أن "الإعمار ضرورة اجتماعية للمنازل السكنية والقرى التي تهدمت بالهجمات الإسرائيلية على لبنان، ولكن الاستثمار يخضع لتقييم مخاطر"، مشدداً على حاجة لبنان إلى استثمارات منذ سنوات لكي يكبر الاقتصاد، "لكن الظروف حالت دون ذلك".
وتطرّق فحيلي إلى أهمية وجود قطاع مصرفي وتوافر الشروط الضرورية للاستثمارات الضخمة، "إذ لا يمكن تحويل مبالغ كبيرة تحتاجها نقداً أو بواسطة شركات تحويل الأموال، وهي بحاجة إلى قنوات غير ملوثة في القطاع المصرفي بسبب وجود لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي"، إذا لا تتوفر الحماسة "لدى البنوك المراسلة الأوروبية لتحويل أموال إلى مصارف في بلدان تفتقر إلى إجراءات الحيطة والحذر تجاه مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، واقتصاد اتهم مسؤولوه الموجودون في مواقع القرار بالفساد وهدر المال العام".
ولفت فحيلي إلى ضرورة التمييز بين الاستثمارات القادمة من المغترب اللبناني، وبين القرارات الصادرة عن الشركات الأجنبية، "فاللبناني قد تدفعه العاطفة للاستثمار، أما الاستثمارات الأجنبية فما زالت محدودة وتقتصر على بعض شركات الشحن، وهي لا تقود إلى التعافي والنمو، والمطلوب من السلطة اللبنانية إثبات قدرتها على تحمل المسؤولية للوصول إلى برنامج تمويل من قبل صندوق النقد الدولي، وإخراج لبنان من اللائحة الرمادية والدول العالية المخاطر حسب تقييمات الاتحاد الأوروبي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعود التمويل
في أكثر من مناسبة عبّر الشركاء الإقليميون والدوليون عن حماسة مشروطة لدعم لبنان للخروج من مأزقه ودوامة الفشل، لكن الظروف القاهرة حالت دون بدء مسيرة التعافي.
وأشار فحيلي إلى أن لبنان تلقى في مؤتمر "بيروت - 1" (مؤتمر دولي عقد في بيروت عام 2025) وعوداً بتمويل هائل "ولكن لم تتحول إلى استثمارات حقيقية بسبب التدخلات بالقضاء والأمن وضعف السيادة الأمنية والنقدية، وكان خير مؤشر على ضعف مصداقية لبنان أمام المجتمع الدولي، هو التناقض بين ما أعلنته الحكومة اللبنانية والقيادات السياسية والأمنية عن خلو جنوب الليطاني من السلاح (سلاح حزب الله)، ولكن ما إن بدأ آخر جولات الحرب حتى ثبُت أن السلاح ما زال موجوداً، ولم يسلم إلى المؤسسات الشرعية".
واعتبر فحيلي أن "عدم إقدام السلطة على طمأنة المستثمر الأجنبي ومعالجة الديون السيادية وحل أزمة أموال المودعين، رسالة سلبية إلى الجهات الدولية والمستثمرين الأجانب، لا بل إن إحدى شركات التصنيف الائتماني قررت الانسحاب من لبنان بسبب عدم الثقة بالبيانات الاقتصادية الصادرة عن جهات رسمية، ما يزيد منسوب المخاوف لدى الشركات العالمية".
شفافية إعادة الإعمار
وأعادت تجربة إعادة الإعمار عام 2006 التخوف من تكرار التجربة ذاتها عام 2026، في ظل فرض عقوبات على مجموعة من الشركات التي تدور في فلك "الثنائي الشيعي" (حزب الله وحركة أمل).
ولفت المتخصص في السياسات الاقتصادية محمد فحيلي إلى أن عملية إعادة الإعمار "ستشتمل على الوحدات السكنية بالإضافة إلى البنى التحتية على مستوى الصرف الصحي والمياه والكهرباء والطرقات التي تضررت إلى أقصى حد بسبب الهجمات العنيفة بحجة تدمير الأنفاق (أنفاق حزب الله)، بالإضافة إلى تأهيل الأراضي الزراعية، فكلما اتسعت دائرة إعادة الإعمار، ازدادت الكلفة، وتعثرت عملية التمويل".
وحذّر من أننا "لن نجد شركات أجنبية تعمل في بيئة عالية المخاطر، كما أنه لن يسمح للشركات الخاضعة للعقوبات بالعمل في إعادة الإعمار"، مشيراً إلى أن "المشكلة في لبنان ليست في القطاع المصرفي كما يتم تصويرها، لأن بعض المصارف حافظ على علاقته مع العالم، ويستورد لبنان من خلالها بقيمة 18 مليار دولار أميركي، وإنما العتب الدولي على كتاب العدل وتجار العقارات والذهب والقضاة والمؤسسات غير المصرفية غير الخاضعة لرقابة مصرف لبنان بسبب تعاطيها بالاقتصاد النقدي، ومُنحت السلطة اللبنانية فرصة أخيرة لنهاية عام 2026 لتثبت أنها مؤهلة لتحمل مسؤولياتها قبل فتح أبواب الاستثمار على مصراعيها".
عقبات قانونية
تتعدد المشاكل والعقبات التي تعترض دخول الشركات الأجنبية إلى لبنان من أجل المشاركة في ورشة متوقعة لإعادة الإعمار.
ورأى المحامي والأستاذ الجامعي كريم ضاهر أن الموضوع متشعب ومتعدد المستويات، "ولا يمكن فصله عن الأوضاع المالية والاقتصادية والقانونية"، لافتاً إلى أن "إعادة الإعمار تشكل حافزاً للشركات من أجل اقتناص المشاريع الضخمة المعروضة للتلزيم، لكن ذلك لا يكفي للدخول إلى لبنان إلا في حال تأمين شبكة أمان أمنية وقانونية واقتصادية ومالية وضريبية". وأوضح أن التدقيق يبدأ من الخطوة الأولى، "من خلال تحديد نظام وصيغة إدارة وتنفيذ المشروع والجهة الممولة، هل هو تمويل حكومي من الخزينة وحجز اعتمادات في الموازنة وفق قانون المحاسبة العمومية؟ أم سيتم اعتماد صيغ أخرى من خلال تمويل خاص؟".
أضاف ضاهر "لبنان خارج سوق الإقراض العالمية بسبب عدم وفائه بسندات اليوروبوندز عام 2020، وتزداد الأمور تعقيداً بسبب عدم وجود قطاع مصرفي قادر على التمويل الداخلي في لبنان. وبالتالي فإن محدودية الدخل سيحول دون قدرة الدولة على تمويل إعادة الإعمار، والاكتفاء بما تلتزمه من رواتب وأجور، ما سيقلل جاذبية المشاريع لأن المستثمر يحتاج لمعرفة كيفية دفع الأموال المترتبة له على الحكومة".
وتحدث ضاهر عن إمكان اللجوء إلى الشراكة مع القطاع الخاص لبناء البنى التحتية، مكرراً التأكيد أن "المستثمر لن يأتي إلى لبنان قبل أن يشعر بأن البلاد سلكت المسار الصحيح نحو التعافي، بدءاً بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وإلا ستراوح الأمور مكانها. وعليه، لا بد من التزام واضح من السلطات اللبنانية من أجل بدء الإصلاحات وعودة الانتظام المالي ورد الودائع، وإقرار قوانين ضريبة الدخل وتطوير قانون المحاسبة العمومية".
وأسف ضاهر لأن ما حدث خلال السنوات الماضية من حجز للودائع وحرمان الناس من حقوقها المالية، "وجه رسالة سلبية للمستثمر الخارجي، لا بل إن رجال أعمال عرباً وأجانب بادروا إلى رفع دعاوى دولية ضد الدولة اللبنانية"، لافتاً إلى "وجوب تقديم ضمانات لعدم تكرار ما حصل تحت أي ظرف من الظروف".
واقترح ضاهر وضع قانون خاص للاستثمار الأجنبي من أجل منح الطمأنينة للمستثمر، وعدم المساس بحقوقه، ومنحه حوافز ضريبية وتخفيض أكلاف الطاقة والاستيراد، ناهيك عن تأمين بيئة سليمة للأعمال ومكافحة الفساد وإساءة استخدام السلطة والمنصب، مؤكداً في الوقت نفسه أن "إعادة الإعمار قد تشكل فرصة لتحقيق إنماء متوازن للمناطق اللبنانية كافة".