Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

15 ساعة إذاعية لا تقول كل شيء عن "الموناليزا"

كل كلام حول لوحة ليوناردو دا فنشي الأشهر يبدو جديداً ومدهشاً حتى ولو سمعناه للمرة الألف

لوحة "الموناليزا" وابتسامتها الغامضة والساحرة الدائمة (غيتي)

ملخص

ما الذي جعل لوحة ليونارد دا فنشي "الموناليزا" تعتبر أجمل لوحة بورتريه أنجزها فنان على مدى التاريخ؟ ومن الذي قرر ذلك؟ وتبعاً لأية معايير؟ الجواب الأبسط والأكثر "علمية" يأتي هنا: هي كذلك لمجرد أنها، وفي رأي واحد من المؤرخين، قطعت في أسلوبها مع ما اعتادت أن تكون عليه صور النساء في تلك المرحلة الزمنية المبكرة

بعد كل شيء وبعد أكثر من 500 سنة ومئات الكتب وألوف الحكايات وكم من الإشاعات والأخبار والسجالات والتحليلات والدراسات العلمية وغير ذلك، يعود ليطرح سؤال لا يزال يطرح مراراً وتكراراً منذ اللحظات التي وضع فيها ليوناردو دا فنشي، وفي فرنسا وليس في موطنه الإيطالي، اللمسات الأخيرة على تلك البورتريه الذي لم يكن ليدور في خلده أنه سيصبح يوماً "أشهر لوحة رسمها فنان في تاريخ البشرية".

والسؤال بسيط وغالباً ما يطرح من منطلق الاستذكار لا من منطلق التساؤل العلمي الحقيقي أو من منطلق الدهشة: هل حقاً لا يزال ثمة ما يمكن قوله حول تلك اللوحة؟ ودائماً ما يأتي الجواب أن "نعم هناك دائماً إضافات تنبع من هنا أو من هناك، في هذه اللحظة أو تلك. وحتى من دون أن تكون جديدة أو مفاجئة!".

وهذا على أية حال ما يحاول أن يقوله لنا من جديد برنامج إذاعي يبث يومياً في هذه الأيام بالذات على أثير محطة "فرانس كولتور" الفرنسية التي تعتبر واحدة من أكثر الإذاعات جدية وثقافة في أوروبا. والبرنامج لا يستغرق ساعة أو ساعتين، بل هو يبث خمسة أيام في الأسبوع عند الصباح، بمعدل نصف ساعة يومياً وطوال ثلاثين يوماً أي ما مجموعه 15 ساعة.

لفهم لوحة ما...

ولعل أغرب ما في الأمر ما يمكن أن يكون قد تنبه إليه القارئ للوهلة الأولى عبر السطور أعلاه. وهو أن البرنامج المعني، إذاعي، أي أنه كلام وراء كلام من دون صور أو شرائط تفسيرية. كلام تصاحبه بين الحين والآخر موسيقى عابرة من الواضح أنها لا تقوم هنا بوظيفة درامية أو حتى تفسيرية أو حتى لخلق شعور نفسي ما، أو تموضع عاطفي تجاه تاريخ من التواريخ. هي فقط من نوع الفواصل التي تستخدم لالتقاط النفس. ولكن نفس من؟ على الأقل الممثلة المسرحية القديرة جولييت بيتيو التي تقوم طوال ساعات البرنامج بدور الراوية والمؤرخة التي تعرف منذ جمل الحوارات الأولى أن مهمتها أن تطرح غالباً بل وتجيب أحياناً، على مجموعة كبيرة من الأسئلة المتمحورة من حول... ما يعرفه معظم المستمعين سلفاً. لكنها تقوله بلغة مبتكرة وكأنها تكشف أسراراً وخفاياً وخبايا كانت غارقة في سبات طويل وها هي الآن توقظها لتدهش جمهوراً لا شك أنه مستعد لأن يلعب اللعبة معها.

ولنقل منذ البداية إن كل الأسئلة المطروحة تتحلق من حول اثنين رئيسيين: من أين تأتي شهرة "الموناليزا" (التي نتذكر طبعاً منذ الحلقة الأولى أنها تسمى "الجوكوندا" أيضاً ويقال لنا لماذا؟)، وما هو الدور الذي تلعبه لوحة ليوناردو هذه في تاريخ الفن؟

للوهلة الأولى هنا أيضاً يبدو الأمر بسيطاً. ولكن للوهلة الأولى فقط. لأنه بعد ذلك سوف يزداد تشعباً وإثارة وبخاصة لأن عدد الذين يشاركون في توضيح الجواب يعدون بالعشرات. وهم آتون بالطبع من شتى المشارب والاتجاهات والمدارس الفكرية والمهن الفنية.

ما نعرفه و...لكن

يتتابع حضور هؤلاء حلقة بعد حلقة، ويتتابع كلامهم وتفسيراتهم ولكن من دون أن يخطر في بال أي منهم أنه هنا ليفاجئ. بل هو هنا ليشرح ويفسر ويضيف أي جديد إن وجد. ودائماً في حوارات خلاقة ومعمقة مع الراوية التي تلعب طوال الوقت دور الجمهور حيناً ودور محامي الشيطان في أحيان أخرى، ومن دون أن تبدو في بعض الأحيان أكثر من أنها تستدعي القول المأثور "زدني علماً...!". ومن دون أن تنسينا للحظة أن الفكرة كلها تقوم على تلك الحالات التي تحسن تنويعها. وإن ما يجب أن تفعله ليس أكثر ولا أقل من تحريك فضول ضيوفها من صحافيين ونقاد وأساتذة جامعيين ورسامين ومسؤولي متاحف، ليخبرونا جميعاً تلك الحكاية التي يخيل إلينا أول الأمر أننا شبعنا منها: حكاية الفنان المكتهل المتعب الذي ليسد رمقه قبل أن يرسم بورتريه للمدعوة ليزا غيراردينيي، زوجة تاجر القماش الشهير في فلورنسا في ذلك الحين، المدعو فرانشيسكو ديل جوكوندو.

وحتى هنا تبدو الحكاية بسيطة، ويبدو أن كل شيء يمضي على ما يرام، وهو ما يؤكده لنا البرنامج منذ حلقته الأولى. بيد أنه سرعان ما يخبرنا أن الأمور لم تمض على تلك السلاسة. فأولاً بدا ليوناردو عاجزاً عن استكمال العمل في موعده المضروب، ووجد أن عليه أن يبارح الوطن إلى فرنسا ومعه في ركابه اللوحة غير المكتملة، التي ستحتاج منه أكثر من عشرة أعوام أخرى قبل أن تكتمل، هذا إذا كانت قد اكتملت أصلاً. وهو موضوع سجالات لا تنتهي ولم تنته في حلقات البرنامج. ولقد كان ثمة ما يشغله عن ذلك في ديار الجيران، حيث كان هناك ضيفا على الملك فرانسوا الأول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حياة بعد موت الفنان

المهم أن عالم الفن وأصحاب الفنان كان عليهم أن يرضوا بما باتت عليه تلك اللوحة، عند موته. وهكذا تم القبول بها كما هي بل تقدم من الملك الذي اعتبرت من مقتنياته، ليشتريها واحد من الشبان المتدربين عند ليوناردو. وهو ما جعل اللوحة تعتبر منذ ذلك الحين... فرنسية بل أشهر لوحة فرنسية على الإطلاق.

طيب إذا كانت هذه الجزئية تقنية ومقبولة، تبقى الجزئية الأخرى: ما الذي جعل اللوحة بالتالي تعتبر أجمل لوحة بورتريه أنجزها فنان على مدى التاريخ؟ ومن الذي قرر ذلك؟ وتبعاً لأية معايير؟ الجواب الأبسط والأكثر "علمية" يأتي هنا: هي كذلك لمجرد أنها، وفي رأي واحد من المؤرخين، قطعت في أسلوبها مع ما اعتادت أن تكون عليه صور النساء في تلك المرحلة الزمنية المبكرة. وهو ما تفسره الباحثة الإيطالية ستيفانيا توليو كاتالدو مذكرة إيانا بأن "ابتسامة السيدة تتناقض في عذوبتها مع وضعية الكآبة التي كان يجب أن تظهر على محيا النساء المرسومات"، إضافة إلى أن الجسد المرسوم والوعي بالحركة إنما هو النتيجة التي توصل إليها ليوناردو في تعبيره هنا عن كل ما حاول رسامو عصر النهضة من قبله أن يسبغوه على الجسد الأنثوي منذ بدأوا توجههم نحو إنسانية المرأة...". لقد حلموا طويلاً بأن يحاكوا الطبيعة. وذلك من خلال توصلهم إلى - وتعبيرهم عن - فهم عميق للعالم الذي يعيشون فيه ناقلينه إلى مسطحات لوحاتهم". وهو ما اختصره ليوناردو بكل بساطة وصبه ألواناً وحياة وخطوطاً على هذه اللوحة" بحسب ما يقوله كضيف في إحدى حلقات البرنامج، الباحث الفني لويس فرانك المحافظ العام لمتحف اللوفر ملخصاً أن "ابتسامة الموناليزا إنما أتت لتجسد ذلك الطموح للمرة الأولى في تاريخ الفن".

صحيح أن ليس ثمة ما يبدو جديداً في مثل هذه التأكيدات، لكن مجرد وضعها معاً في برنامج واحد وبأصوات مجموعة من أهم الباحثين في تاريخ الفن، يعطيها تلك النكهة التي لا تتردد في أن تجعلنا نقول: أجل بالتأكيد، هناك أشياء يمكن أن تقال، بعد، عن هذه اللوحة الساحرة، كما عن الفن وكل فن. فكل التراث الفني الإنساني إنما وجد ليحفزنا على الكلام عنه، كلاماً يظهر في كل مرة جديداً، مدهشاً، حتى ولو سمعناه للمرة الألف.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة