ملخص
مصادر دبلوماسية تعتبر أن قرار نقل المفاوضات الإسرائيلية- اللبنانية إلى روما "طبخ" بصورة استثنائية من قبل الولايات المتحدة، والتفسير الأميركي المعلن أنه نظراً إلى قرب روما جغرافياً من كل من لبنان وإسرائيل، وقع الاختيار عليها تسهيلاً على فرق التفاوض الانتقال إليها كلما استدعت الحاجة لمشاورات سريعة.
تتجه الأنظار إلى العاصمة الإيطالية روما، حيث من المقرر أن تُعقد في الـ15 والـ16 من يوليو (تموز) الجاري الجولة السادسة من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، بحسب ما أعلن سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة الأميركية يحيئيل ليتر.
وشكل إعلان نقل المفاوضات من واشنطن إلى روما مفاجأة للبنان الذي تبلغ القرار من وزارة الخارجية الأميركية في اليوم نفسه الذي أعلن عنه الجانب الإسرائيلي.
ولم يصدر موقف رسمي عن لبنان كما لم تسقط مصادر دبلوماسية في واشنطن فرضية تأجيل مفاوضات روما إلى ما بعد زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون التي حددت في الـ21 من يوليو الجاري.
بدورها لم تخفِ دوائر القصر الجمهوري قلقها من نقل المفاوضات من أميركا إلى إيطاليا، وأكدت تمسكها ببقاء المفاوضات في واشنطن وبرعاية الأميركيين تخوفاً من تراجع الضغوط الأميركية على تل أبيب، معتبرة أن نقل المفاوضات إلى روما سيمنح إسرائيل فرصة للاستفراد بلبنان أكثر ورفع سقف الشروط والضغوط.
في المقابل قرأ بعضهم في القرار الأميركي هدفاً مباشراً لتثبيت الدور الإيطالي خلال مرحلة تنفيذ اتفاق الإطار مقابل استبعاد فرنسا، فيما شدد بعضهم الآخر على أن مكان المفاوضات ليس هو الأساس بل بات السؤال هل يستمر المسار التفاوضي في ظل المواقف الداخلية وفي ظل التراجع المستجد على خط المسار الأميركي- الإيراني الذي سينعكس بالتأكيد على الملف اللبناني؟
خلفيات القرار الأميركي
كشفت مصادر دبلوماسية في واشنطن عن أن وزارة الخارجية الأميركية أبلغت الإثنين الماضي، سفيرة لبنان ندى حمادة معوض قرارها عقد الجولة السادسة من المفاوضات في روما. والتفسير الأميركي المعلن أنه مع انتهاء مرحلة إطار التفاهم وانتقال المسار إلى تطبيق الملحق الأمني، ونظراً إلى قرب روما جغرافياً من كل من لبنان وإسرائيل، وقع الاختيار عليها تسهيلاً على فرق التفاوض الانتقال إليها كلما استدعت الحاجة لمشاورات سريعة.
واستبعدت المصادر أن تُخصص الجولة السادسة لبحث نقاط أخرى خارج الترتيبات الأمنية، كمسألة الحدود مثلاً، إذ لا يزال من المبكر تناولها، ويفترض أن ترجأ إلى ما بعد بدء التطبيق والاختبار العملي على الأرض.
وبحسب المعلومات، لم يكُن لبنان قد حسم بعد من سيمثله على طاولة روما، في وقت كشفت مصادر دبلوماسية عن أن السفير سيمون كرم أسرّ لمن التقاهم أخيراً بأن مهمته انتهت بعد توقيع اتفاق الإطار، إلا أن معلومات لاحقة أفادت بأن كرم سيترأس الوفد اللبناني إلى روما، على أن تشارك فيه السفيرة حمادة.
في السياق نفسه، تؤكد مصادر في وزارة الخارجية الإيطالية أن قرار نقل المفاوضات "طُبخ" بصورة استثنائية من قبل الولايات المتحدة الأميركية التي تواصلت مع وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني، المقرب من تل أبيب، ونسقت معه الأمر. والهدف، وفق المعلومات، إشراك أوروبا في الترتيبات الأمنية الخاصة بلبنان، وإعطاء الدور الأوروبي لإيطاليا بدلاً من فرنسا.
يُذكر أن روما كانت طرحت سابقاً مبادرة أشارت فيها إلى استعدادها لاستضافة المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، كما كانت قبرص عرضت استضافتها أيضاً. ولقبرص وإيطاليا رمزية أساسية في هذا السياق، إذ تنتمي الدولتان إلى تحالف "شرق المتوسط" الذي يجمعهما بإسرائيل، وهو تحالف تسعى تل أبيب من خلاله إلى السيطرة على حقول وخطوط إمداد الغاز من البحر المتوسط باتجاه أوروبا.
انتقال في وظيفة المسار وليس في مركز القرار
وفي قراءة أولية، لا يُفهم احتمال نقل المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية من واشنطن إلى روما بوصفه انتقالاً في مركز القرار، بل بوصفه انتقالاً في وظيفة المسار. فالولايات المتحدة تبقى الضامن السياسي والاستراتيجي، فيما تتحول روما إلى مساحة أوروبية لتظهير الجوانب التنفيذية والأمنية واللوجستية لأي تفاهم محتمل، خصوصاً ما يتصل بدور الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وبإعادة تثبيت حضور الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.
وفي هذا السياق، يقول المدير التنفيذي لـ"ملتقى التأثير المدني" الدكتور زياد الصائغ إن "هذا التطور، إذا ما تأكد، يجب أن يُقرأ من زاوية التحولات الجيوسياسية الأوسع في شرق المتوسط، لا من زاوية تقنية مرتبطة بمكان عقد المفاوضات فقط. فالمسألة ليست أين تعقد الجلسات، بل لماذا تنقل إلى روما تحديداً، وما الذي ترمز إليه إيطاليا خلال هذه المرحلة من إعادة ترتيب التوازنات في لبنان والمنطقة."
ويضيف أن "التحليل الأول ينطلق من أن واشنطن لا تعيد هندسة المشهد عبر توزيع الأدوار مع شركائها الأوروبيين. فالضمانة الأميركية تبقى حاسمة، لكن تنفيذ أي مسار استقرار يحتاج إلى شركاء قادرين على العمل الميداني والمؤسساتي الطويل النفس، وهنا تبرز إيطاليا بما تملكه من خبرة في الجنوب اللبناني، ومن علاقة مباشرة بملف قوات حفظ السلام الأممية جنوب لبنان "اليونيفيل"، ومن حضور تقليدي في دعم المؤسستين العسكرية والأمنية في لبنان".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قراءة دور حلف شمال الأطلسي
ويتابع "أما التحليل الثاني، فيرتبط بأن لبنان لم يعُد يقارب فقط كمساحة نزاع، بل كمساحة اختبار لإمكان بناء استقرار مستدام بعد مرحلة الحروب المفتوحة والهدن الموقتة. وهذا يعني أن أي تفاهم لبناني – إسرائيلي، مباشر أو غير مباشر، لن يصمد إذا لم يترجم إلى تمكين فعلي للدولة اللبنانية، بدءاً من حصرية السلاح، مروراً بانتشار الجيش، وصولاً إلى تعزيز قوى الأمن الداخلي ومنظومات الرقابة والسيطرة وحماية الحدود."
ويؤكد الصائغ أن الحديث عن روما يفتح أيضاً باب قراءة دور حلف شمال الأطلسي، ولكن لا بصيغته العسكرية المباشرة أو المؤسسية الصلبة. الأدق هو الحديث عن حضور أطلسي بنكهة أوروبية، حيث تتحرك دول أعضاء في الحلف، وفي طليعتها إيطاليا، لتأمين مظلة استقرار للبنان بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة الأميركية. وهذه المظلة لا تعني وصاية، بل تعني دعم الدولة اللبنانية الشرعية كي تصبح قادرة على الإمساك بالأمن، وعلى حماية أي مسار سياسي أو تفاوضي من الانهيار.
ويضيف "من هنا، فإن إيطاليا قد تستعيد دوراً متقدماً في مجموعة الدعم الدولية الخاصة بلبنان، خصوصاً في ما يتعلق بتسليح الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وتدريبهما وتحديث قدراتهما. فالمعركة المقبلة ليست معركة بيانات سياسية فقط، بل معركة بناء قدرة الدولة على تنفيذ ما تلتزم به، وعلى منع تحول أي تفاهم إلى نص بلا أدوات."
ولا يسقط الصائغ البعد الفاتيكاني الذي يدعو إلى عدم إغفاله، "فروما ليست مدينة عادية في الوجدان اللبناني، إنها أيضاً مساحة حضور الكرسي الرسولي، بما يمثله من دفاع تاريخي عن لبنان الحرية والتعددية والعيش المشترك والدولة التي تحفظ الإنسان والجماعات في آن".
ويخلص إلى أن "نقل المسار إلى روما، إذا ثبُت، قد يشير إلى بداية مقاربة دولية مركبة، وفيها ضمانة أميركية، وذراع أوروبية ـ أطلسية بنكهة إيطالية، وحضور فاتيكاني معنوي، وكل ذلك تحت عنوان واحد هو تأمين مظلة استقرار للبنان، غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى مشروطاً بأمر جوهري وهو أن يكون هدفها النهائي قيام الدولة اللبنانية السيّدة، لا إدارة التوازنات الهشة، وبناء سلام مستدام، لا إنتاج هدنة جديدة قابلة للانفجار.
القصة ليست بالمكان بل بالخلافات الجذرية
من جهته يقرأ الكاتب السياسي سام منسى في قرار نقل مكان المحادثات المباشرة مع إسرائيل إلى روما، ويقول "من المؤكد أن عقد المفاوضات في أميركا، وبتمثيل أميركي على مستوى عالٍ، قد لا توفره روما، إنما القصة ليست بالمكان ولا بالجغرافيا، بل بالخلافات الأكثر جذرية".
ويرى أن أميركا غير قادرة على الضغط أكثر على إسرائيل للأسباب الأميركية المعروفة والمرتبطة باللوبي اليهودي، كما أن لبنان غير قادر على تحمل ضغوط المعارضة الداخلية أكثر مما هي عليه الآن. فوتيرة الضغوط الممانعة، في إشارة إلى "حزب الله" وحلفائه، للاتفاق تتصاعد، وكان أبرز مؤشر على ذلك موقف الرئيس السابق لـ"الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط.
ويعتقد منسى بأن هناك نقاطاً أساسية لا تزال معقدة، مشيراً في هذا الإطار إلى لجنة التنسيق الثلاثية بين لبنان وإسرائيل وأميركا التي لا يزال لبنان يرفضها. وهذه النقطة هي الأكثر خلافية حالياً، ويعتمد لبنان على الجانب الأميركي لمعالجتها.
في المقابل، تقرأ أميركا، ومعها إسرائيل، في الموقف اللبناني تردداً وعدم قدرة على التنفيذ. بالتالي يتابع منسى، لا يزال لبنان يسير بخطوة إلى الأمام و10 خطوات إلى الوراء، فيما يبقى الجانب الإسرائيلي حذراً جداً في الإقدام على أية إجراءات تُعتبر، بالمفهوم الإسرائيلي، تنازلات، نتيجة الانتخابات الداخلية في إسرائيل. كما أن الإسرائيلي بحسب رأيه، بمعزل عن الانتخابات أو غيرها، لن يقدم على أية خطوة يمكن أن تعيد الأمور لما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023.
ويستبعد منسى أن تتراجع الضغوط الأميركية على إسرائيل في روما، معتبراً أنه إذا كانت ثمة ضغوط أميركية، فهي تمارس على لبنان لا على إسرائيل.
ويدعو إلى انتظار زيارة رئيس الجمهورية إلى واشنطن التي قد تعطي إشارة إلى الاتجاه الذي ستسلكه المفاوضات، مستبعداً حصول أية خروقات جديدة، لأنه لم يطرأ أي تغيير على الأرض، بل إن المناخ الداخلي آخذ في التراجع.