ملخص
تكشف التقارير الميدانية الواردة من مختلف أنحاء إيران عن أن موجة الغلاء لا تزال تتصاعد، حتى بات تأمين أبسط الحاجات الغذائية يشكل تحدياً حقيقياً لكثير من أسر الطبقة الوسطى.
سبيدة امرأة تعيل أسرتها، وتمكنت من تربية طفليها والإنفاق عليهما من خلال مشروع منزلي صغير، حتى تزوج كل منهما واستقل بحياته. وحتى قبل أعوام قليلة، كانت تُعد الطعام أسبوعياً، وتحمله مع ملابس وقرطاسية وألعاب ومستلزمات أخرى لتوزيعها على الأطفال في المناطق المحرومة، ولا سيما في مناطق أفران الطوب جنوب طهران.
لم تكُن سبيدة ثرية، لكنها كانت قادرة على تدبير شؤونها المعيشية، وظلت تعتمد على نفسها حتى زوجت ابنتها وابنها. أما اليوم، فمضى أسبوع على إصابتها بإنفلونزا حادة، لكنها لا تملك المال الكافي لزيارة الطبيب، وعنفوانها لا يسمح لها بطلب المساعدة من أحد، إضافة إلى أن أوضاع المحيطين بها ليست أفضل حالاً منها، كما تقول.
لا تكاد نوبات السعال المتواصلة تمنح سبيدة فرصة لالتقاط أنفاسها. الألم ينهش جسدها، وتعاني دواراً يمنعها حتى من المشي. ومع كل هذا الوجع، يعتصرها شعور بالمرارة، إذ زارتها إحدى صديقاتها، وعرضت أن تعد لها حساء أو طبقاً من العدس لتخفيف السعال، لكن سبيدة لم تكُن تملك في منزلها لا مكونات إعداد الحساء ولا حتى العدس، وشعرت بخجل شديد عندما أدركت صديقتها ذلك.
وقصة سبيدة، والظروف التي تعيشها اليوم، ليست سوى نموذج من واقع ملايين الإيرانيين الذين انحدروا خلال الأعوام الأخيرة من الطبقة الوسطى إلى ما دون خط الفقر، وأرهقتهم الأعباء المعيشية حتى أثقلت كواهلهم.
موائد تتقلص يوماً بعد يوم
تكشف التقارير الميدانية الواردة من مختلف أنحاء إيران عن أن موجة الغلاء لا تزال تتصاعد، حتى بات تأمين أبسط الحاجات الغذائية يشكل تحدياً حقيقياً لكثير من أسر الطبقة الوسطى.
كذلك اضطر عدد كبير من أصحاب المخابز الذين كانوا حتى وقت قريب يبيعون الخبز المدعوم، إلى التحول لبيع الخبز بالسعر الحر، نتيجة اضطراب آلية تخصيص الدقيق المدعوم وفرض الأسعار الحكومية وغياب الدعم الحكومي الفاعل. وبذلك، انضم الخبز، بوصفه السلعة الغذائية الأساسية، إلى قائمة السلع التي تواصل أسعارها الارتفاع يوماً بعد يوم.
وفي سوق منتجات الألبان، يتحدث المواطنون عن ظاهرة أصبحت مألوفة خلال الأعوام الأخيرة، تتمثل في تقليص أوزان العبوات بالتزامن مع رفع أسعارها. فعلى سبيل المثال، ارتفع سعر عبوة جبن زنة 400 غرام، كانت تباع حتى الأسبوع الماضي بنحو 150 ألف تومان، إلى نحو 180 ألف تومان (ما يعادل نحو 1.2 دولار)، في حين يشير المستهلكون إلى أن ما لا يقل عن 100 غرام من وزنها عبارة عن ماء.
وتقدم أسعار السلع الأساسية الأخرى الأكثر استهلاكاً صورة واضحة عن حجم الضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر الإيرانية، فبلغ سعر كيلوغرام الرز نحو 510 آلاف تومان (3.4 دولار)، وكيلوغرام الدجاج 350 ألف تومان (نحو 2.3 دولار)، وطبق البيض 365 ألف تومان (نحو 2.4 دولار)، وعبوة الزيت النباتي زنة خمسة كيلوغرامات مليونين و200 ألف تومان (نحو 14.7 دولار)، فيما وصل سعر كيلوغرام لحم الغنم إلى نحو مليون و800 ألف تومان (12 دولاراً).
وحتى السلع التي كانت تُعد يوماً من أرخص مكونات المائدة الإيرانية لم تعُد بمنأى عن موجة الغلاء، إذ تجاوز سعر الكيلوغرام الواحد من البازلاء الصفراء والفاصولياء المرقطة 500 ألف تومان (نحو 3.3 دولار)، فيما ارتفع سعر معجون الطماطم إلى نحو 160 ألف تومان (نحو 1.1 دولار)، وعبوة الزبدة زنة 250 غراماً إلى 230 ألف تومان (نحو 1.5 دولار)، فيما بلغ سعر عبوة الحليب سعة ليتر واحد نحو 140 ألف تومان (نحو 0.9 دولار).
وتمثل هذه الأسعار الحد الأدنى المرصود في الأسواق، إذ تباع السلع نفسها بأسعار أعلى في متاجر وأحياء أخرى. ويكشف حساب بسيط عن أن شراء المكونات اللازمة لإعداد بضع وجبات منزلية بسيطة، بات يتطلب إنفاق ملايين التومانات، في وقت تتسع الفجوة يوماً بعد يوم بين دخول الأسر والكلف الفعلية للمعيشة.
ويقول محمد، وهو متقاعد يقيم في شمال غربي طهران، إن الغذاء وإيجار المسكن والدواء، أصبحت الهموم الثلاثة الرئيسة للإيرانيين اليوم، مضيفاً أن ما يلمسه بين أقاربه وجيرانه وأصدقائه يؤكد أن معظم من يعرفهم اضطروا إلى الاستغناء بالكامل عن كثير من متطلبات الحياة، من الملابس والتعليم إلى السفر والترفيه، ومع ذلك فإن مداخيلهم لم تعُد تكفي حتى لتغطية نفقات هذه الحاجات الأساسية الثلاث.
ويستعيد محمد أعوام شبابه، قائلاً إنه "عندما كنت في الـ30 من عمري، وكان لدي ثلاثة أبناء، تمكنت من شراء منزل، وكنا نسافر ونقضي أوقاتاً للترفيه، وكانت زوجتي ربة منزل. أما اليوم، فإن ابني وزوجته يعملان معاً، ومع ذلك بالكاد يستطيعان تدبير أمورهما المعيشية".
ويؤكد محمد أن الإيرانيين يتقاضون مدخولهم بالعملة المحلية، بينما تحتسب نفقاتهم المعيشية عملياً بالدولار، وقال إن هذا الواقع أصبح غير قابل للاحتمال، "لقد أنهكت الضغوط الاقتصادية الناس، واليأس يتفشى في المجتمع، والشباب أصبحوا أكثر غضباً، فيما يقترب المجتمع من حافة الانفجار".
متاعب البطاقة التموينية
أعلنت وزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي أمس الإثنين بالتزامن مع مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، إيداع مخصصات "البطاقة التموينية" لعدد من أرباب الأسر، مؤكدة أن بقية الدفعات ستصرف بحلول الـ16 من يوليو (تموز) الجاري.
وفي وقت تقدم السلطات صرف هذه المخصصات بوصفه إنجازاً، وتستند إليه لتبرير موجة الغلاء، يكشف الواقع المعيشي عن صورة مختلفة. فقيمة هذا الدعم لا تتناسب مع الأسعار الحالية للسلع الأساسية، فضلاً عن أن إخفاق الحكومة في تسوية مستحقات المتاجر دفع كثيراً منها إلى الامتناع عن قبول الشراء عبر البطاقة التموينية، على رغم الوعود السابقة بسداد مستحقات المتاجر خلال مدة لا تتجاوز 72 ساعة.
وتقول سبيدة إنه حتى الشهر الماضي كانت متاجر عدة في حيّها تقبل الشراء بالبطاقة السلعية، إلا أن الوضع تغير الآن. وتضيف أنها، على رغم حالها الصحية المتدهورة، قصدت متجرين في الأقل، لكنها تلقت الجواب نفسه من كليهما "لم نتسلم مستحقات الدفعات السابقة، ولذلك لم نعُد نبيع عبر البطاقة التموينية".
وتتابع أنه "عندما عادت للمنزل خالية الوفاض، وشاهدت على شاشة التلفزيون مراسم تشييع خامنئي بكل ما رافقها من مراسم رسمية ونفقات، لم أفكر إلا في أنني لم أتمكن حتى من شراء عدد قليل من السلع الأساسية".
وتؤكد سبيدة أنها شاهدت مراراً، أمام صناديق الدفع في المتاجر القريبة من منزلها، نساء ورجالاً يبيعون أرصدة بطاقاتهم التموينية بأقل من قيمتها، مقابل خصم معين، ليتمكنوا من شراء الأدوية التي يحتاجون إليها.
وكانت حكومة الرئيس مسعود بزشكيان تعهدت سابقاً برفع قيمة البطاقة التموينية، إلا أن هذا الوعد، شأنه شأن وعود أخرى، لم يرَ النور حتى الآن، ولا توجد مؤشرات على قرب تنفيذه.
وتبلغ قيمة البطاقة التموينية حالياً مليون تومان للفرد (نحو 6.7 دولار)، وهو مبلغ لا يكفي حتى لشراء كيلوغرامين من الرز.
ووفقاً لبيانات مركز الإحصاء الإيراني، بلغ معدل التضخم السنوي للمواد الغذائية في يونيو (حزيران) الماضي نحو 134 في المئة، ليسجل الشهر الخامس على التوالي الذي يبقى فيه التضخم الغذائي عند مستوى ثلاثي الأرقام، وهو أعلى معدل منذ بدء نشر بيانات التضخم في إيران.
وسجلت مجموعة الزيوت والدهون أعلى نسبة ارتفاع في الأسعار بواقع 278 في المئة، تليها اللحوم بنسبة 172 في المئة، ثم الخبز والحبوب بنسبة 139 في المئة. ووفق التعريف الرسمي لوزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي، فإن أية سلعة غذائية يتجاوز سعرها ضعف مستواه قبل عام تُعد دخلت "مرحلة الأزمة"، وهو المؤشر الذي تجاوزته اليوم أكثر من 80 في المئة من السلع الغذائية.
ودعا نائب رئيس اللجنة الاجتماعية في البرلمان الإيراني أخيراً إلى زيادة قيمة البطاقة السلعية بما لا يقل عن 600 ألف تومان (نحو أربعة دولارات) للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين في ما يتعلق بالأمن الغذائي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويعلق محمد على هذا الطرح، "إما أن هؤلاء لا يعيشون في هذا المجتمع، أو أنهم يتجاهلون واقعه. وحتى لو تضاعفت قيمة البطاقة التموينية ثلاث مرات، فإنها لن تكفي إلا لتغطية كلفة ثلاث أو أربع وجبات بسيطة".
ويضيف أنه يرى في محيطه كثراً اضطروا عملياً إلى حذف اللحوم ومنتجات الألبان والرز، وحتى الفاكهة من سلتهم الغذائية، والاتجاه إلى أطعمة أرخص وأقل جودة. ويرى أن الضغوط الاقتصادية لم تقتصر على تقليص موائد الإيرانيين، بل جعلت العلاج أيضاً بعيد المنال بالنسبة إلى كثر.
ويقول محمد إنه "حتى قبل أعوام قليلة، كان من لا يملك تأميناً صحياً يواجه صعوبة في تحمل كلف العلاج والدواء. أما اليوم، فتراكمت ديون الحكومة لشركات التأمين إلى درجة خرجت معها أدوية كثيرة من مظلة التغطية، وبات التأمين الصحي يفقد تدريجاً دوره الذي كان يؤديه في السابق. وبعض أصدقائي، وهم في هذا العمر، اضطروا إلى التوقف عن العلاج وعن تناول أدويتهم، فقط لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل الكلف".
وتقارن سبيدة بين أوضاعها اليوم وما كانت عليه قبل أعوام، وتوضح أنها تسأل نفسها باستمرار إذا كانت الطبقة الوسطى وصلت إلى هذا المستوى من الأزمة الاقتصادية، فكيف هي حال الأسر التي كانت تعيش أصلاً تحت خط الفقر، ولا سيما في وقت بات عدد القادرين على تقديم المساعدة يتراجع يوماً بعد يوم؟
ويكمن القلق الأكبر لدى سبيدة في أن يتحول الفقر إلى واقع اعتيادي في مجتمع تتوالى فيه التقارير عن تقلص موائد المواطنين والاستغناء عن الدواء وتفشي سوء التغذية والعجز عن سداد الإيجارات وانزلاق مزيد من الأسر إلى ما دون خط الفقر، من دون أن تدفع هذه التحذيرات السلطات إلى مراجعة سياساتها أو تغيير نهجها.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"