ملخص
على رغم التركيز الاقتصادي لم تغب الملفات الأمنية عن أجندة الزيارة. ففي وزارة الحرب الأميركية ناقش الزيدي مع الوزير هيغسيث مستقبل التعاون العسكري بين البلدين بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي، واتفق الجانبان على استمرار تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب ورفع قدرات القوات العراقية.
في زيارة توصف بأنها الأهم في مسار العلاقات العراقية - الأميركية منذ أعوام، أجرى رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي سلسلة لقاءات رفيعة المستوى في العاصمة الأميركية واشنطن، تصدرها اجتماعه بالرئيس دونالد ترمب في البيت الأبيض، إلى جانب لقاءات مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، ووزير الحرب بيت هيغسيث، ومدير مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية DFC بن بلاك، فضلاً عن اجتماعات مع مسؤولين وسفراء أميركيين سابقين.
وتأتي الزيارة في لحظة مفصلية بالنسبة إلى العراق، مع اقتراب موعد إنهاء مهمة التحالف الدولي في البلاد نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل، وتزايد الحاجة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتنويع الاقتصاد بعيداً من الاعتماد شبه الكامل على النفط.
تحول في طبيعة العلاقة
الرسالة الأبرز التي خرجت من اجتماعات واشنطن تمثلت في سعي بغداد وواشنطن إلى إعادة تعريف العلاقة الثنائية على أساس اقتصادي واستثماري، بدلاً من تركيزها التقليدي على الملفات العسكرية والأمنية.
وخلال لقائه مع الرئيس ترمب، أكد الزيدي أن زيارته تهدف إلى بناء شراكة اقتصادية متينة مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن انتهاء الوجود العسكري الأميركي ضمن التحالف الدولي لا يعني انتهاء العلاقة بين البلدين، بل انتقالها إلى مرحلة جديدة قوامها الاستثمار والتعاون الاقتصادي.
من ناحيته، شدد ترمب على دعم بلاده العراق في مسارات الاستقرار والتنمية، مؤكداً أهمية العراق في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
ويبدو أن الجانبين توصلا إلى تفاهمات أولية في شأن توسيع حضور الشركات الأميركية في مشاريع الطاقة والبنى التحتية والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، وهي ملفات باتت تمثل أولوية للحكومة العراقية في إطار خططها التنموية.
الأمن حاضر على رغم أولوية الاقتصاد
وعلى رغم التركيز الاقتصادي، لم تغب الملفات الأمنية عن أجندة الزيارة. ففي وزارة الحرب الأميركية ناقش الزيدي مع الوزير هيغسيث مستقبل التعاون العسكري بين البلدين بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي، واتفق الجانبان على استمرار تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب ورفع قدرات القوات العراقية.
وأعلن رئيس الوزراء تشكيل لجنة مشتركة لتحديد شكل العلاقة الأمنية المستقبلية بين البلدين، بما ينسجم مع السيادة العراقية ومتطلبات المرحلة الجديدة.
وتحاول بغداد، من خلال هذه الصيغة، تحقيق معادلة دقيقة تتمثل في إنهاء الوجود العسكري الأجنبي المباشر، مع الاحتفاظ بقنوات التعاون الفني والاستخباري والتدريب العسكري.
إصلاحات اقتصادية ورسائل طمأنة
في لقائه وزير الخزانة الأميركي، قدم الزيدي ما يشبه عرضاً للبرنامج الاقتصادي الحكومي، مؤكداً المضي في إصلاح القطاع المصرفي وقطاع التأمين والأنظمة الضريبية والجمركية، إلى جانب مواصلة مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة.
وأبدى الجانب الأميركي دعماً واضحاً لهذه التوجهات، مع استعداد للمساهمة في إزالة العقبات التي تواجه التنمية الاقتصادية العراقية.
ويكتسب هذا اللقاء أهمية خاصة، لأن وزارة الخزانة الأميركية تعد أحد أبرز الأطراف المؤثرة في الملفات المالية والمصرفية العراقية، خصوصاً ما يتعلق بالدولار والتحويلات الخارجية والامتثال المالي الدولي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الاقتصاد الرقمي يدخل بقوة
من أبرز محطات الزيارة أيضاً، اللقاء مع مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية التي تعد الذراع التمويلية للحكومة الأميركية في الأسواق الناشئة.
وخلال الاجتماع، عرضت بغداد مشاريع في مجالات الطاقة والنقل والزراعة والخدمات، إلى جانب رؤية للتحول الرقمي تشمل توسيع خدمات الدفع الإلكتروني وإنشاء مراكز بيانات وطنية والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. وأبدت المؤسسة استعدادها للدخول في شراكات تمويلية داخل العراق، بما يشير إلى إمكان تدفق استثمارات أميركية جديدة خلال الفترة المقبلة.
رسائل أميركية داعمة
التوجه الجديد للعلاقة بين البلدين لم يقتصر على التصريحات الرسمية. فقد وصف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي إلى العراق توم براك لقاء ترمب والزيدي بأنه "نقطة تحول" في مستقبل العلاقات الأميركية – العراقية، مؤكداً أن مستقبل العلاقة يكمن في الاستثمار والتجارة والفرص الاقتصادية وليس في الجانب الأمني فحسب، وأضاف أن العراق يمتلك موقعاً استراتيجياً يؤهله ليكون مركزاً للربط الاقتصادي بين الخليج وتركيا وسوريا والأردن وآسيا الوسطى والقوقاز، مما يمنحه فرصة للتحول إلى محور اقتصادي إقليمي.
مذكرات تفاهم مرتقبة
بدوره، كشف مدير المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء عبدالزهرة الهنداوي أن الزيارة ستشهد توقيع عدد كبير من مذكرات التفاهم مع شركات أميركية كبرى في قطاعات مختلفة، وأشار إلى أن هذه الاتفاقات ستنعكس على التنمية الاقتصادية وتوفير فرص العمل وتحسين البنى التحتية، وأكد أن نهاية العام الحالي ستشهد اكتمال خطوات حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء وجود القوات الأجنبية على الأراضي العراقية.
ورأى المتخصص الاقتصادي ميثم محمد أن أهمية زيارة الزيدي إلى واشنطن تكمن في توقيتها، "إذ تأتي وسط تحديات مالية واقتصادية يواجهها العراق نتيجة تقلبات أسعار النفط وتزايد الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل"، مضيفاً أن العراق يمتلك فرصاً استثمارية كبيرة في قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والنقل والخدمات والاقتصاد الرقمي، إلا أن حجم الاستثمارات الأميركية المباشرة ما زال دون مستوى الإمكانات المتاحة، وتابع أن "اللقاءات التي عقدها رئيس الوزراء مع مؤسسات التمويل الأميركية يمكن أن تسهم في جذب رؤوس أموال جديدة، خصوصاً إذا رافقها تحسين بيئة الأعمال وتبسيط الإجراءات الإدارية والقانونية"، وأشار إلى أن دعم وزارة الخزانة الأميركية لخطط الإصلاح المصرفي العراقية قد يمثل عاملاً مهماً في تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب، لافتاً إلى أن تحديث النظام المصرفي يشكل شرطاً أساساً لنجاح أي خطة اقتصادية طويلة الأمد، وشدد على أن التركيز على الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني يعكس تحولاً في رؤية الحكومة العراقية نحو القطاعات المستقبلية، لكنه يتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية والموارد البشرية، وخلص إلى أن نجاح الزيارة سيُقاس في النهاية بمدى قدرة بغداد على تحويل التفاهمات السياسية إلى مشاريع حقيقية واستثمارات ملموسة على الأرض.
من جانبه، رأى المحلل السياسي علي الشمري أن الزيارة تمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات العراقية - الأميركية، تقوم على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية طويلة الأمد، وتابع "العراق والولايات المتحدة يحاولان الانتقال من نموذج العلاقة المرتبط بالحرب على الإرهاب إلى نموذج أكثر استقراراً يقوم على الاقتصاد والطاقة والاستثمار، والإدارة الأميركية تدرك أهمية العراق في معادلات المنطقة، ليس فقط بوصفه منتجاً رئيساً للطاقة، وإنما باعتباره نقطة وصل جغرافية بين الخليج وبلاد الشام وتركيا وآسيا الوسطى"، ولفت إلى أن الرسائل المتبادلة بين ترمب والزيدي تعكس وجود رغبة سياسية مشتركة في بناء شراكة جديدة تتجاوز الملفات الأمنية التقليدية، وأشار إلى أن الحديث عن إنهاء الوجود العسكري الأميركي لا يعني إنهاء التعاون الأمني، بل إعادة تنظيمه ضمن صيغ مختلفة تعتمد على التدريب وتبادل المعلومات والدعم الفني، وأكد أن الولايات المتحدة تنظر إلى العراق باعتباره سوقاً واعدة للشركات الأميركية في مجالات الطاقة والبنى التحتية والتكنولوجيا، مما يفسر الحضور القوي للمؤسسات الاقتصادية في برنامج الزيارة، وخلص الشمري إلى أن نجاح هذه المرحلة يعتمد على قدرة بغداد في الحفاظ على التوازن في علاقاتها الخارجية، واستثمار موقعها الجيوسياسي لتحويل العراق إلى مركز اقتصادي إقليمي يربط بين أسواق المنطقة.
اختبار التنفيذ
وعلى رغم الزخم السياسي الذي رافق الزيارة، يبقى التحدي الأهم أمام بغداد هو ترجمة الوعود والتفاهمات إلى مشاريع حقيقية تنعكس على حياة المواطنين، فالعراق يحتاج إلى استثمارات ضخمة في الطاقة والكهرباء والنقل والبنية التحتية والخدمات الرقمية، كما يحتاج إلى إصلاحات مالية وإدارية عميقة تعزز ثقة المستثمرين.
وبينما تؤكد واشنطن استعدادها لدعم التحول الاقتصادي العراقي، تراهن الحكومة العراقية على أن تكون زيارة الزيدي نقطة انطلاق لعلاقة جديدة مع الولايات المتحدة عنوانها الاستثمار والتنمية، بعد أكثر من عقدين طغت خلالهما الاعتبارات الأمنية والعسكرية على مسار العلاقات بين البلدين.