ملخص
هل ثمة أجنحة داخل النظام الإثيوبي يمكن وصفها بـ "الصقور والحمائم" عند التعاطي مع القضايا الخلافية في الإقليم؟ أم أن أديس أبابا تتعمد تبني خطاب مزدوج الأول موجه للخارج والمؤسسات الدولية، والثاني للاستهلاك المحلي؟
قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا إن البحر الأحمر والقرن الأفريقي باتا أكثر عرضة للصراعات وأكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
وفي كلمة ألقاها خلال حفل تخريج الدفعة الرابعة من كبار الضباط من برنامج الدراسات الأمنية والاستراتيجية في كلية الدفاع الوطني الإثيوبية، أعلن أن البيئة الأمنية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي التي اتسمت طويلاً بعدم الاستقرار، أصبحت أكثر عرضة للصراعات وأكثر تعقيداً من أي وقت مضى، محذراً من أن "الأعداء" يسعون إلى إشغال إثيوبيا بشؤونها الداخلية للحد من نفوذها الإقليمي.
وأضاف أن خصوم إثيوبيا "يحيكون مؤامرات" ويحولونها إلى صراعات حقيقية لإشغال البلاد بشؤونها الداخلية، بالتالي منعها من القيام بما وصفه بـ"دورها القيادي والمستقر" في المنطقة، وأردف أن هذه الجهات الفاعلة، في الوقت ذاته، "تزعزع استقرار الدول المجاورة" لزيادة الضغط على الأمن الداخلي الإثيوبي.
وأكمل أن ما وصفه بـ"تحالف قديم مناهض لإثيوبيا" والذي قال إنه سعى تاريخياً إلى منع إثيوبيا من الوصول إلى البحر، "أعاد تسمية نفسه اليوم" باسم "تسيمدو"، بينما يواصل "المؤامرات المعادية لإثيوبيا".
كذلك اتهم جولا "خونة" لم يسمِّهم رأى أنهم "لا يستطيعون العيش من دون حروب" و"لا يخجلون من الهزيمة"، وأنهم أصبحوا "أدوات لمصر" من خلال الدخول في تحالفات تخدم مصالح أجنبية بينما تضعف إثيوبيا. وأكد أن مثل هذه التصرفات أطالت أمد الصراعات و"لم تجلب سوى الدمار لشعوب تيغراي وأمهرة وأورومو".
وتأتي تصريحات برهانو جولا بعد هدنة كانت سعت إليها الحكومة الإثيوبية إزاء تصعيد المواقف في المنطقة، خلال خطاب ألقاه وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس أثناء فعالية نظمها "تشاتام هاوس" في لندن بتاريخ 17 يونيو (حزيران) الماضي بعنوان "أولويات السياسة الخارجية الإثيوبية في جوار متنازع عليه"، ورأى المراقبون لشؤون المنطقة أن خطابه قدم رؤية تحاول تطويق التوتر بين إثيوبيا وجوارها، إذ تضمن تراجعاً عن المواقف الإثيوبية السابقة التي عدّت قضية الوصول إلى المنفذ البحري "قضية وجودية" واصفاً إياها بـ"المسألة التنموية"، وأشار إلى أن المسعى الإثيوبي "ليس موجهاً ضد أية دولة، ولا ينتقص من سيادة أي جار، بل على العكس، إنه فرصة لتعزيز الازدهار المشترك بما يحترم سيادة كل دولة"، ولفت إلى أن بلاده "تسعى إلى حلول تفاوضية لا تكون نتيجتها صفرية".
وعلى رغم أن تلك المواقف التي أعلنها وزير الخارجية من لندن مثلت نوعاً من الهدنة، وعززت من احتمال تراجع خطاب الحرب في المنطقة، فإن الخطاب الجديد لقائد أركان الجيش الإثيوبي أعاد الوضع للمربع الأول.
فهل ثمة أجنحة داخل النظام الإثيوبي يمكن وصفها بـ"الصقور والحمائم" عند التعاطي مع القضايا الخلافية في الإقليم؟ أم أن أديس أبابا تتعمد تبني خطاب مزدوج الأول موجه للخارج والمؤسسات الدولية، والثاني للاستهلاك المحلي؟
ضبابية المشروع
من جهته يرى المتخصص في الشؤون الإثيوبية محاري سلمون أن ثمة ضبابية في المشروع الذي طرحه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في يونيو عام 2023، تحت عنوان "المنفذ البحري"، فمن الواضح أن طرحه أتى في إطار استحقاقات داخلية فرضتها ظروف ما بعد حرب تيغراي التي انتهت من دون أن تحقق أديس أبابا نصراً فعلياً على الأرض، مثلما وعدت شعبها. كذلك أن اتفاق بريتوريا للسلام أعاد "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" لممارسة السلطة في تيغراي بصلاحيات واسعة وضمانات دولية، مما بدد كل الحجج التي اعتمدت عليها الحكومة المركزية لخوض الحرب تحت شعار "إنفاذ القانون" ومن بينها عدّ الجبهة "جماعة إرهابية"، ومن ثم فإن طرح مشروع الوصول إلى البحر في ذلك التوقيت أتى لتسكين الجبهة الداخلية، ومن دون دراسة كافية لتداعيات هذا الطرح الذي يتناقض مع القانون الدولي.
ويوضح سلمون أن التخبط الواضح في خطاب المسؤولين الإثيوبيين بين التهدئة والتصعيد يكشف عن تلك الحقيقة، فأديس أبابا لم تحدد بعد توجهها بصورة استراتيجية، سواء في تبني المشروع أو في آليات تنفيذه، أو حتى في الوجهات المراد الوصول إليها، هل عبر السواحل الإريترية بتبني الطرح التاريخي، أم صوماليلاند عبر تفعيل مذكرة التفاهم التي جرى التراجع عنها، بعد توقيع اتفاق أنقرة مع الصومال، أم بطريقة ثالثة؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
العسكر في قلب الصراع
ويرى المحلل الإثيوبي أن رجال المؤسسة العسكرية عادة ما ينفذون التوجهات الاستراتيجية التي تخططها القيادة السياسية، لكن في هذه المسألة ثمة تناقضاً واضحاً بين تصريحات السياسيين والعسكريين، إذ أضحت المؤسسة العسكرية الإثيوبية في قلب الصراع الإقليمي، ويصدر قادتها تصريحات تهدد الأمن والسلم الإقليميين.
ففيما تتحفظ وزارة الخارجية على تسمية "الأعداء" وتشير إليهم بعبارة "الخصوم التقليديين أو التاريخيين لإثيوبيا"، يحرص قائد الجيش على ذكر مصر وتحميلها كل أوزار الحرب الداخلية، رابطاً تطور العلاقات المصرية - الإريترية بأنها تستهدف استقرار بلاده.
ويرجح سلمون أن قائد الأركان الإثيوبي المشير برهانو جولا الذي كان أسيراً سابقاً لدى الجيش الإريتري أثناء الانتفاضة التحريرية، قد تحركه أحقاد قديمة والثأر، بخاصة أن قنوات محسوبة على النظام الإريتري تحرص خلال الفترة الأخيرة على بث فيديوهات تظهره أثناء فترة الأسر، عندما كانت "الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا" و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" في تحالف عسكري لإسقاط نظام منجستوا هيلي ماريام.
الأخطار الأمنية والعسكرية
بدوره يرى المتخصص في الشأن الإثيوبي بيهون غيداون أن تصريحات المشير جولا أثناء حفل تخريج كبار الضباط، تأتي متسقة مع الأدوار التي ينبغي أن تضطلع بها المؤسسة العسكرية، في إطار مسؤولياتها المباشرة عن حماية الأمن القومي الإثيوبي، "بخاصة في ظل التحديات الجديدة التي يفرضها الوجود المصري في كل من الصومال وإريتريا".
ويضيف أن الخطاب لم يتوقف عند حدود مطالب إثيوبيا بالمنفذ البحري، بل عرج على الأخطار الناجمة عن تهديد استقرار إثيوبيا من خلال دعم المتمردين، بخاصة الحركات المسلحة التي تنشط في أقاليم تيغراي وأمهرة وأوروميا.
وكشف عن أن إرشاد الضباط الجدد بالأخطار والتحديات الأمنية والعسكرية المحيطة بإثيوبيا ودور القوى الإقليمية في توتير الأوضاع من مسؤوليات قائد الجيش وفي صلب صلاحياته العسكرية، موضحاً أن "الخطاب أتى في إطار تصدي القوات المسلحة للتهديدات العابرة للبلدان وينبغي فهمها في السياق ذاته المتعلق بتنوير الضباط الجدد بالمهمات التي تنتظرهم".
تقاسم الأدوار
من جهة أخرى، يُقدر المحلل الإثيوبي التصريحات المتعلقة بالوصول إلى البحر أنها متسقة مع تصريحات سابقة للمسؤول ذاته، مبرراً تناقضها مع المواقف التي عبر عنها وزير الخارجية الإثيوبي في لندن، بأنها جزء من تقاسم الأدوار بين المؤسستين العسكرية والسياسية، وأضاف أن "لكل مؤسسة رؤية وآليات تتسق مع الأدوار المنوطة بها، إلا أن الكلمة الأخيرة تعود لرئيس الوزراء وفقاً للدستور الفيدرالي".
ويوضح غيداون أن أديس أبابا منذ البدء أعلنت رغبتها في الوصول إلى البحر بالطرق السلمية والقانونية، من دون إسقاط الخيار العسكري كخيار محتمل، في حال فشلت كل الجهود الدبلوماسية والسياسية، مشيراً إلى أنه في حال فشل الخيار السلمي يتحمل الجيش مسؤولية تنفيذ الخطط المعدة من المؤسسات السيادية في الدولة.
ويرى المحلل الإثيوبي أنه من الطبيعي أن يسعى وزير الخارجية إلى إقناع العالم بقبول المشروع وتحقيقه بالطرق السلمية التفاوضية، فتلك طبيعة مهماته، أما الجيش فليس من بين مهماته القيام بالجهود الدبلوماسية، بل الاستعداد لأي طارئ تحقيقاً للرؤية الاستراتيجية القائمة على حماية الأمن القومي الإثيوبي.
وختم "لا ينبغي النظر إلى الأمر على أنه تناقض في التوجهات، بقدر ما هو نوع من التكامل بين الخيارين السلمي والعسكري".