ملخص
أنفقت "أيباك" 127 مليون دولار خلال الدورة الانتخابية 2023 من خلال لجنة العمل السياسي التابعة لها المعروفة باسم "مشروع الديمقراطية المتحد"، بهدف هزيمة المعارضين لإسرائيل في مجلس النواب الأميركي، وهو إنفاق يقارب عشرة أضعاف إنفاقها في دورة 2022، مما جعلها واحدة من كبرى الجهات الخارجية إنفاقاً في انتخابات الكونغرس في ذلك العام.
على مدى عقود، ظلت لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية المعروفة اختصاراً باسم "أيباك" أقوى جماعات الضغط السياسي في الولايات المتحدة، فقد عملت بهدوء خلف الكواليس وحافظت على توافق صارم لدعم إسرائيل بين الحزبين الرئيسين الجمهوري والديمقراطي، لكن هذا النفوذ الهائل بدا وكأنه ينهار منذ الهجوم الإسرائيلي على غزة والتحول الملحوظ في الرأي العام الأميركي، مما أدى إلى تآكل نسبي في الحماية التلقائية التي كانت تتمتع بها "أيباك" في الماضي، خصوصاً مع خسارة أربعة في الأقل من المرشحين المدعومين منها في الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين خلال الأسبوع الماضي، فما "أيباك"؟ وكيف أُسست؟ وهل فقدت وهجها، أم غيرت تكتيكاتها فقط ولا تزال قادرة على التأثير وإنفاق عشرات الملايين على المرشحين الداعمين لإسرائيل؟
"أيباك" تحت الضغط
على رغم أن لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية (أيباك) تعمل منذ الخمسينيات كجماعة ضغط مكرسة لتعزيز العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، وقد تزايد نفوذها بصورة غير مسبوقة خلال العقود الماضية لدرجة أن انتقادها كان كفيلاً بتدمير المستقبل السياسي لمن يتجرأ على ذلك، إلا أن جماعة الضغط الأقوى والأشهر في السياسة الأميركية، أصبحت منذ تدمير إسرائيل لقطاع غزة، تحت ضغط هائل من قوى اليسار وأقصى اليمين بسبب التزامها المطلق بالدفاع عن إسرائيل بصرف النظر عن سلوك حكومتها، وسعيها المستمر إلى إقصاء السياسيين المعارضين لها في واشنطن، مما أثار تساؤلات واسعة حول مدى الولاء للمصالح الأميركية، وما إذا كانت جماعات الضغط مثل "أيباك"، تعمل واقعياً لمصلحة قوى أجنبية على حساب مصلحة الولايات المتحدة.
وفي حين أن الضغط المنظم هو سمة أساسية للديمقراطية الأميركية، لأنه يضمن تنوع الأصوات في عملية صنع السياسات، فإن ممارسة هذا الضغط تكشف أيضاً عن العلاقة المتوترة بين النفوذ والهيمنة، لا سيما عندما تمتلك جماعة ضغط مثل "أيباك" القوة المالية الكبيرة، القادرة على تضخيم أصوات معينة على حساب أخرى.
نفوذ على القرار السياسي
جسدت "أيباك" ولجانها التابعة لها، كيف تؤثر جماعات الضغط الدينية أو العرقية بطريقة غير متناسبة في عملية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة، وذلك بتحويل النفوذ المالي إلى ولاء سياسي. فبينما تصور "أيباك" نفسها كجماعة تعمل على تعزيز العلاقات الأميركية - الإسرائيلية، إلا أنها دأبت على توجيه السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط نحو أولويات الحكومة الإسرائيلية، بدلاً من أولويات الشعب الأميركي، مما يثير مطالبات ملحة نحو سياسات أكثر فعالية في ما يتعلق بالجماعات التي تمارس الضغط نيابة عن كيانات أجنبية، فضلاً عن ضرورة إجراء تعديلات على التشريعات الحالية التي تنظم عمل هذه الجماعات، كما يشير الكاتب السياسي جيريمي إستريلا.
قبل ذلك بأعوام، جادل عالمان سياسيان بارزان هما جون ميرشايمر وستيفن والت في ورقتهما البحثية الرائدة "جماعات الضغط الإسرائيلية والسياسة الخارجية الأميركية"، بأن التزام الولايات المتحدة تجاه إسرائيل يعود بصورة أساسية إلى أنشطة جماعات الضغط الإسرائيلية، وليس إلى المصالح الاستراتيجية المشتركة وحدها، كذلك أشارت مجلة "بروين بوليتيكال ريفيو" إلى أن "أيباك" دأبت على توجيه السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط نحو أولويات الحكومة الإسرائيلية، بدلاً من أولويات الشعب الأميركي.
نشأة "أيباك"
أُسست "أيباك" في الأصل عام 1951 تحت اسم اللجنة الأميركية الصهيونية للشؤون العامة، لكن المنظمة خضعت لعملية إعادة هيكلة كبيرة وغيرت اسمها عام 1959 رسمياً إلى لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية (أيباك) بهدف توسيع نطاق جاذبيتها، والابتعاد عن اسم "الصهيونية" بحيث يمكن إشراك قاعدة أوسع من اليهود الأميركيين لأن كثيراً من اليهود الأرثوذكس والمحافظين كانوا آنذاك مناهضين للصهيونية، أي إنهم لم يكونوا مؤيدين لقيام دولة يهودية.
وبحسب دراسة لجامعة كمبريدج البريطانية، عارض كثير من اليهود الأميركيين الصهيونية في أوائل القرن الـ20، إما لاعتقادهم الراسخ بأن اليهود جماعة دينية فقط وليست أمة، أو بسبب إيمانهم العلماني الراسخ برؤى عالمية للتغيير التاريخي.
لكن نظراً إلى شدة معاناة اليهود تحت الحكم النازي في ألمانيا خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الـ20، تضاءلت صفوف المعارضين للصهيونية بصورة كبيرة بين اليهود الأميركيين. وبحلول الخمسينيات، هُمشت القوى المعادية للصهيونية على رغم أن بعض اليهود الأميركيين انتقدوا الدولة الشرق أوسطية الجديدة (إسرائيل) أو لم يبدوا اهتماماً بها، لكن هذه الآراء لم تكن ظاهرة في المنظمات اليهودية، خصوصاً أن بعضاً من غير الصهاينة أيدوا إسرائيل إثر اعتراف الحكومة الأميركية بها سريعاً عام 1948، على رغم مخاوفهم السابقة.
عوامل التحفيز
تبلورت المكونات الرئيسة لجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة في ربيع عام 1954، بعد ستة أعوام من قيام إسرائيل، استجابة لأزمة في العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وتل أبيب اندلعت في أكتوبر (تشرين الأول) 1953 بعدما ارتكب جنود إسرائيليون مجزرة راح ضحيتها أكثر من 60 قروياً فلسطينياً في قبية بالضفة الغربية، مما أثار استنكاراً عالمياً وأميركياً واسع النطاق، ورداً على ذلك، حشد اليهود الأميركيون جهودهم للدفاع عن إسرائيل بأساليب جديدة.
تفاقمت الحاجة إلى تعزيز "أيباك" خلال أزمة السويس عام 1956 حينما شاركت إسرائيل بريطانيا وفرنسا في هجومهما على مصر عقب تأميم قناة السويس، واتخاذ الرئيس دوايت أيزنهاور (1953-1961) موقفاً متشدداً نسبياً تجاه إسرائيل أجبرها على الانسحاب من سيناء، فقد أدرك أنصار إسرائيل أن الضغط على البيت الأبيض لم يكن مؤثراً بما يكفي، وأن الكونغرس الأميركي كان أكثر تقبلاً بكثير لدور منظمات الضغط مثل "أيباك" التي صممت من أجل تنمية علاقات قوية بين الحزبين مباشرة مع المشرعين.
كان آل سي كينين وهو مؤسس "أيباك"، صحافياً ومحامياً ودبلوماسياً أميركياً، أدرك وغيره من القادة في الولايات المتحدة وقادة الحكومة الإسرائيلية في تل أبيب، مثل رئيس الوزراء بن غوريون، أن إسرائيل التي كانت تعاني في الخمسينيات اقتصادياً بسبب تدفق اللاجئين وعدم الاستقرار الإقليمي، بحاجة إلى وجود منظم وفعال في واشنطن للضغط على الكونغرس للحصول على المساعدة المالية والاقتصادية، وأن ضمان بقاء الدعم لإسرائيل هو المهمة الأساس كعقيدة مشتركة بين الحزبين في السياسة الخارجية الأميركية، من خلال تأطير العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل على أنها مفيدة للطرفين للمصالح الاستراتيجية لكلا البلدين.
من الضعف إلى النفوذ
لم يكن اللوبي الجديد قوياً جداً عندما تشكل للمرة الأولى في الخمسينيات، ولم يحدد أو يغير اتجاه سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لكن الناشطين الأوائل أسسوا لخطاب وأجواء اضطرت الأعداد الأكبر التي تبعتهم لاحقاً إلى احترامها، الأمر الذي أدى إلى نمو نفوذ اللوبي الإسرائيلي.
بحلول الستينيات، ساعد هذا اللوبي في تأمين مبيعات الأسلحة الأميركية والمساعدة السخية من حكومة واشنطن لإسرائيل، وبعد ذلك استمر في تعزيز العلاقات السياسية والاستراتيجية بين النظامين السياسيين، إذ شكلت الهياكل التي جرى بناؤها ردود أفعال اليهود والأميركيين الآخرين تجاه الشرق الأوسط بصورة عميقة.
وعلى رغم التزامها تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لم يكن للذراع المالية لمنظمة "إيباك" وجود قبل ديسمبر (كانون الأول) 2021، ولم يسبق لها تاريخياً أن أيدت أو أسهمت في دعم أي مرشح بصورة مباشرة في السابق، لكن قادة "أيباك" كانوا يجتمعون مراراً مع رؤساء اللجان الرئيسة في الكونغرس إما لترويج أو معارضة التشريعات المتعلقة بإسرائيل.
لكن بعد تطبيق اللامركزية في سلطة الكونغرس في ثمانينيات القرن الماضي، بدأت "أيباك" بتوسيع نطاق عملها خارج مبنى الكابيتول هيل، لتشمل برامج شعبية في المدن الأميركية الكبرى. ومع نمو المنظمة على مر الأعوام، ازدادت معارضتها أيضاً.
معارضة "أيباك"
منذ ديسمبر 2021 كشفت جهود "أيباك" بإطلاق لجنتي عمل سياسي ونجاحها في جمع عشرات الملايين من الدولارات لعرقلة مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري المنتقدين لإسرائيل. أصبحت هذه الجهود مثالاً بارزاً على كيفية استغلال المنظمات قوانين الحملات الانتخابية لتعزيز نفوذها السياسي بصورة كبيرة، فبينما لا تتبرع "أيباك" مباشرة للمرشحين، فإن شبكاتها التابعة توجه الأموال إلى سباقات الكونغرس التي تؤثر باستمرار في السياسة التشريعية الأميركية المتعلقة بإسرائيل.
ومن خلال القوة المالية التي تمارسها "أيباك" على المشرعين، والاستهداف الممنهج للمعارضين لإسرائيل، تصاعدت الانتقادات للمنظمة بأنها تقوض فعلياً المؤسسات الديمقراطية الرئيسة عبر تضييق نطاق وجهات النظر الممثلة في الكونغرس، بما يعكس نفوذ منظمة ضغط على من يُنتخب للمناصب العامة.
قوانين الضغط السياسي
ساعد "أيباك" على مضاعفة نفوذها تغير القوانين والأحكام الصادرة من المحكمة العليا خلال الأعوام الأخيرة، إذ إنه بموجب قانون الإفصاح عن أنشطة الضغط السياسي لعام 1995، يُلزَم ممارسو الضغط السياسي التسجيل لدى أمين مجلس الشيوخ وكاتب مجلس النواب عندما يتجاوز إجمال إنفاقهم لصالح عملائهم 3500 دولار أميركي في أي ربع عام، أو إذا كان من المتوقع أن تتجاوز نفقات منظمة تمارس ضغطاً سياسياً داخلياً 16 ألف دولار أميركي خلال الفترة نفسها، كذلك يُلزمون التسجيل في حال تواصلهم مع مسؤولين حكوميين أو موظفين اتحاديين لأغراض الضغط السياسي.
وعلى رغم أن القانون صمم لتعزيز الشفافية لا لتقييد أنشطة الضغط السياسي، فإن الشفافية لا تمنع وحدها النفوذ غير المتناسب، لا سيما عندما تهيمن المنظمات الممولة تمويلاً جيداً مثل "أيباك" على المعلومات والظهور الإعلامي.
وفي حين تخضع عملية الانتخابات لقانون الحملات الانتخابية الفيدرالي، الذي يحظر على الشركات والنقابات العمالية تقديم تبرعات مباشرة للحملات الانتخابية من خزائنها العامة، إلا أنه أصبح بالإمكان التحايل على هذا القانون، من خلال تمكين الشركات من إنشاء لجان عمل سياسي لدعم المرشحين، بحيث يمكنها جمع وإنفاق مبالغ غير محدودة من المال على حملات المرشحين، ولكن لا يمكنها التبرع مباشرة لهم. الأمر الذي أفاد المنظمات والأفراد الأثرياء، إذ أصبح بإمكانهم الآن ضخ مبالغ طائلة في حملات مرشحيهم المفضلين، مما يقلل فعلياً من نفوذ من يملكون موارد مالية أقل بكثير.
ومع انتهاء اللوائح الفيدرالية التي كانت تحد من الرقابة على الإنفاق المستقل في الحملات الانتخابية بمقتضى حكم من المحكمة العليا الأميركية عام 2010، استغلت "أيباك" وغيرها من الجماعات المؤيدة لإسرائيل الفرصة بإنشاء "لجان عمل سياسي عملاقة" قادرة على جمع وإنفاق عشرات الملايين من الدولارات في كل انتخابات. وبدلاً من المهمة الشاقة المتمثلة في التنسيق السري لعشرات لجان العمل السياسي الخاضعة للتنظيم الفيدرالي والمحدودة في المبالغ التي يمكن تلقيها من المتبرعين الأفراد وتقديمها لكل مرشح، بات بإمكان هذه اللجان العملاقة غير الخاضعة للتنظيم، تلقي تبرعات بملايين الدولارات من الأفراد وإنفاق المبلغ نفسه لدعم أو الإضرار بالمرشحين الذين تختارهم.
من نجاح إلى فشل
ومع ذلك لم يمنع الزلزال السياسي الذي سببه الاجتياح الإسرائيلي الانتقامي لقطاع غزة عقب هجوم "حماس" على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وما سببه الدمار الشامل للجيش الإسرائيلي في غزة، والتحول الكبير في الرأي العام الأميركي ضد إسرائيل لأول مرة، "أيباك" من إنفاق 127 مليون دولار خلال الدورة الانتخابية 2023 من خلال لجنة العمل السياسي التابعة لها المعروفة باسم "مشروع الديمقراطية المتحد"، بهدف هزيمة المعارضين لإسرائيل في مجلس النواب الأميركي، وهو إنفاق يقارب عشرة أضعاف إنفاقها في دورة 2022، مما جعلها واحدة من كبرى الجهات الخارجية إنفاقاً في انتخابات الكونغرس في ذلك العام.
نجحت هذه الأموال في هزيمة أعضاء ما يسمى بفرقة الجماعة التقدمية الذين انتقدوا إسرائيل علناً واتهموها بارتكاب تطهير عرقي في غزة، بمن فيهم النائبة كوري بوش من ولاية ميسوري، والنائب جمال بومان من ولاية نيويورك، مما أدى إلى انتخاب مرشحين ديمقراطيين مؤيدين لإسرائيل، مدعومين من "أيباك" التي تعد أكبر جماعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة.
لكن هذا النجاح لم يستمر طويلاً، فقد فشلت الأموال التي أنفقتها "أيباك" للهجوم على ثلاثة مرشحين تقدميين في نيويورك الأسبوع الماضي، ومرشحة رابعة في كولورادو، في هزيمة مرشحي اليسار المتشدد من الحزب الديمقراطي الذين دأبوا على انتقاد إسرائيل ووقف المساعدات المالية والسياسية والعسكرية عنها، مما فسره البعض بأنه إشارة إلى ما قد يكون نهاية حقبة بالنسبة إلى اللوبي المؤيد لإسرائيل.
عبء سياسي
بالتزامن مع ذلك، تزايد عدد المشرعين الأميركيين الذين ينأون بأنفسهم عن الشبكات السياسية المؤيدة لإسرائيل أو يرفضون علناً تأييد "أيباك" أو يعيدون تبرعاتها، بعدما أصبحت ولأول مرة السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، التي كانت في السابق محل إجماع بين الحزبين قضية قابلة للنقاش علناً في الانتخابات.
أصبح من الواضح أن دعم "أيباك" الثابت للسياسات الإسرائيلية اليمينية والتصعيد العسكري ألحق ضرراً بالغاً بالمصالح الإسرائيلية والأميركية على المدى البعيد. ومن خلال الضغط الناجح ضد المساعدات المشروطة، أسهمت "أيباك" في تهيئة البيئة السياسية التي أدت إلى الحروب المدمرة مع غزة وإيران، كما يقول أستاذ العلاقات الدولية في مركز الشؤون العالمية بجامعة نيويورك، ألون بن مئير، الذي يعترف بأن "أيباك" لا تزال تتمتع بنفوذ هائل في حماية القادة الإسرائيليين من المساءلة الدبلوماسية في واشنطن، لكنه يشير إلى أن هذا النفوذ قد ارتد عليها بنتائج عكسية على الصعيد العالمي، ليس فقط في دفع إسرائيل إلى عزلة دولية غير مسبوقة، بل أدى أيضاً إلى تفتيت عميق للتوافق الحزبي التقليدي في الولايات المتحدة، مما يجعل تمسك "أيباك" الجامد بنهجها غير قابل للاستمرار.
وكما يقول الكاتب في موقع "نيو ريبابليك" أليكس شيبارد، طغت الحسابات الانتخابية المحلية على جهود النخب التقليدية في واشنطن مع تزايد استياء الرأي العام من التدخل العسكري المطول في الشرق الأوسط. وللمرة الأولى، يُناقش قبول أموال "أيباك" بجدية باعتباره عبئاً سياسياً بدلاً من كونه ميزة لا جدال فيها. وعلى رغم أن هذا لا يعني انهياراً فورياً لـ"أيباك"، فإنه يشير إلى نهاية قدرتها على فرض إجماع سياسي مطلق لا جدال فيه داخل الحزب الديمقراطي.
لم يقتصر هذا على الديمقراطيين فقط، فقد وجد الجناح المناهض للتدخلات الخارجية في اليمين المؤيد لترمب أنفسهم في توافق نادر في الرأي مع الديمقراطيين في معارضة مشاركة إسرائيل في الحرب على إيران، التي أدت إلى ارتفاع التضخم وتزايد أسعار الطاقة وتأجيج السخط الشعبي بين المواطنين الأميركيين العاديين.
باتت "أيباك" مكروهة بشدة في بعض المجتمعات الأميركية، مما اضطرها إلى إنشاء كيانات جديدة أو الاعتماد على جهات بديلة لتوزيع الأموال التي تجمعها على المرشحين. وعلى رغم هذه التعديلات، فإن العقبات التي تواجه القوى المؤيدة لإسرائيل تبدو أكبر من طاقتها، فسلوك إسرائيل يُنفر مزيداً من الناخبين، وكلما زاد إنفاق "أيباك" ازدادت صورتها السلبية على حد وصف رئيس المعهد العربي الأميركي في واشنطن جيمس زغبي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
انتكاسة شعبية
كانت هذه التحولات مدفوعة بتراجع الدعم الشعبي لإسرائيل بصورة ملحوظة خلال الأعوام القليلة الماضية بين مؤيدي الحزبين السياسيين وجميع الفئات العمرية التي شملها استطلاع لمركز "بيو" للأبحاث، الذي أظهر أن عدد البالغين الأميركيين الذين أعربوا عن آراء سلبية جداً تجاه إسرائيل تضاعف تقريباً من 10 في المئة عام 2022 إلى 19 في المئة عام 2025.
وفي استطلاع مماثل أجرته مؤسسة "غالوب" عام 2024، وجدت أن 55 في المئة من المستطلعين لم يوافقوا على سلوك إسرائيل في قطاع غزة، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 10 في المئة على الذين أعربوا عن رفضهم في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 عندما بدأت إسرائيل غزوها. وعكس استطلاع رأي حديث نشرته مؤسسة "يوغوف" هذا التحول في الرأي العام، إذ أظهر زيادة بنسبة 20 في المئة في تأييد خفض المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل.
بل إن هذا التحول امتد حتى إلى ما كان يعدّ تقليدياً القاعدة الأكثر استقراراً لدعم إسرائيل في الولايات المتحدة، فقد ازداد السخط بصورة ملحوظة بين اليهود الأميركيين الشباب على العمليات العسكرية لإدارة بنيامين نتنياهو، وتوسعت عضوية المنظمات المنتقدة لإسرائيل، مثل "الصوت اليهودي من أجل السلام". وتظهر بيانات مركز "بيو" للأبحاث انخفاضاً في نسبة التأييد لإسرائيل بين اليهود الأميركيين من 73 في المئة قبل عامين إلى 64 في المئة حالياً.
تأثير محدود في الكونغرس
ومع ذلك، لم يكن للرأي العام سوى تأثير محدود في الكونغرس حتى الآن، فباستثناء تأييد أكثر من 100 عضو في مجلسي النواب والشيوخ وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل بسبب انتهاكاتها حقوق الفلسطينيين، واتهام عشرات المرشحين لها بارتكاب جرائم إبادة جماعية، وتعهد مئات من أعضاء الكونغرس والمرشحين برفض أي دعم من "أيباك"، ظلت سجلات التصويت في الكونغرس مؤيدة لإسرائيل بقوة منذ بداية الحرب في غزة، ففي عام 2024 أقر الكونغرس قانونين لإرسال 18 مليار دولار إلى إسرائيل لاستخدامها في تطوير قدراتها العسكرية، كذلك استمر الدعم السياسي والعسكري في الكونغرس الأميركي لإسرائيل خلال عهدي بايدن وترمب من دون انقطاع.
لم يكن إقرار حزم المساعدات هذه انعكاساً بسيطاً لأولويات السياسة الخارجية الأميركية الراسخة، بل كان نتاجاً لبيئة انتخابية تعاقب مالياً المرشحين الذين ينتقدون تصرفات إسرائيل وتكافئ من يدعمونها، فقد وسعت "أيباك" ولجان العمل السياسي التابعة لها دورها بشكل كبير في انتخابات الكونغرس، ووجهت أموالاً طائلة نحو المرشحين الذين يتبنون مواقف مؤيدة لإسرائيل بقوة، وواجهت من يخالفون هذا الموقف. وهو ما يكشف عن فجوة بين الرأي العام والقوانين التي يقرها الكونغرس، مما يوحي بأن المشرعين يستجيبون لحوافز سياسية بدلاً من آليات المساءلة الانتخابية.
يقدم هذا الوضع تفسيراً منطقياً لاستمرار كثير من أعضاء الكونغرس في دعم المساعدات العسكرية لإسرائيل على رغم تراجع شعبيتها بين ناخبيهم، مما يظهر أن النفوذ الانتخابي لـ"أيباك" يعيد تشكيل الخطاب السياسي المقبول حول إسرائيل. وعلى رغم تغير الرأي العام استجابة للحرب في غزة، ظلت تحركات الكونغرس بمنأى عن هذه التغيرات، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى القوة المالية التي تمارسها "أيباك" على المشرعين. ولهذا يشير الأستاذ في معهد الدراسات الأميركية في معاهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة، تشانغ تشين إلى أن نفوذ "أيباك" لا يتراجع، بل يتحول ويتكيف، ومع تآكل داعميها، ظلت القوة المالية الهيكلية قائمة.
لم يحدث التحول الجذري في الموقف السياسي لأسباب أخرى أيضاً، منها أن 64 في المئة من اليهود الأميركيين و65 في المئة من المسيحيين الإنجيليين البيض، مازالوا يحملون آراء إيجابية تجاه إسرائيل، ونظراً إلى كبر حجم المجتمع الإنجيلي في الولايات المتحدة الذي يشكل ربع السكان (أكثر من 80 مليوناً)، نصفهم في ولايات الجنوب التي تسمى بحزام الإنجيل، يظل هذا المجتمع هو الكتلة المسيحية الكبرى والركيزة الأكثر ثباتاً في دعم إسرائيل لدى الناخبين الجمهوريين، مقارنة بالكاثوليك والبروتستانت التقليديين.
تكيف "أيباك"
يعتمد "مشروع الديمقراطية المتحد" التابع لـ"أيباك" بصورة أساس على الضغط السياسي والتأثير الخفي القائم على قضايا محددة، في تحول يشير بحد ذاته إلى أن النموذج القديم، الذي كان يرتكز على الإقناع الشخصي والشبكات الاجتماعية، يواجه ضغوطاً متزايدة، فقد ركزت استراتيجية مشروع "أيباك" الإعلانية على بناء صورة سلبية عامة عن الخصوم السياسيين، بدلاً من تسليط الضوء صراحة على القضايا المتعلقة بإسرائيل، وبينما لم يتغير منطق التمويل، إلا أن شكله تغير، وزادت صعوبة إمكان تتبعه.
وعلى سبيل المثال، جرى توجيه التمويل في الانتخابات التمهيدية الأخيرة للحزب الديمقراطي في ولاية إلينوي عبر ثلاث لجان عمل سياسي، إذ جرى إنفاق أكثر من 5 ملايين دولار بطرق استغلت ثغرات الإبلاغ في نظام الإفصاح عن تمويل الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة، مما صعب على الناخبين تحديد مصادر التمويل قبل الإدلاء بأصواتهم.
لا يشير هذا إلى اختفاء قوة الضغط السياسي لـ"أيباك"، بل إلى تكيفها مع أشكال أكثر تطوراً من التخفي، إذ استمر كثير من المشرعين الذين أعلنوا علناً ردهم تبرعات "أيباك"، في تلقي التمويل المؤيد لإسرائيل عبر قنوات بديلة، مثل تلك اللجان السياسية التي أعيد تسميتها، أو عبر جهات مانحة لا تشير صراحة إلى ارتباطها بإسرائيل، مما يشير إلى أن كثيراً من المشرعين لا يسعون إلى تجنب المال بحد ذاته، بل الأخطار السياسية وسمعتهم المرتبطة بها.
باب جديد للنقاش
وإذا كان التقدميون يهتمون بالدرجة الأولى بالكلف الأخلاقية للعمليات العسكرية الإسرائيلية ودور المال في الانتخابات التمهيدية، يهتم تيار "ماغا" (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً) بمناهضة انجرار الولايات المتحدة إلى صراعات خارجية، مما يشير إلى أن التوافق بين الطرفين، يُفهم على أنه تداخل موقت لمظالم مختلفة موجهة نحو هدف مشترك، وليس تشكيل تحالف سياسي مستقر.
والآن، بعد نصف قرن من هيمنة "أيباك" على الحزبين، قد يرى بعض المتابعين أن سيطرة هذا اللوبي على السياسة الخارجية الأميركية قد ضعف، بينما يرى آخرون أنها مستمرة بصور أخرى، إلا أنه من المؤكد أن نفوذ "أيباك" لن يختفي قريباً، لكن التطورات والتحديات الأخيرة التي شهدتها الانتخابات والمواقف في شأن "أيباك" وإسرائيل ستجبر الجميع على فتح باب النقاش بطريقة لم تحدث من قبل حول سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وفي القلب منها دور "إيباك" الطاغي فيها والقوانين التي سمحت لها بذلك.