ملخص
خلال الأعوام الأخيرة، بدأت فئة جديدة بالظهور، لا تجد مكانا في أي من الحزبين، وليس من الواضح أن أيا منهما سيتمكن بسهولة من تلبية مطالبها. وظهور هذه الفئة المهمشة هو الشرط المسبق الذي يغفل عنه لقيام حزب ثالث.
خلال خطابه الوداعي عام 1796، قال الرئيس المؤسس للولايات المتحدة الأميركية جورج واشنطن إن "التناوب في السيطرة بين فصيل وآخر الذي يتفاقم بروح الانتقام الطبيعية الناجمة عن الانقسامات الحزبية،... هو في حد ذاته استبداد مروع"، إذ أراد وقتها التحذير من خطر تلك الانقسامات والصراعات السياسية.
وبدا أن ما حذر منه الرئيس الأميركي المؤسس يتجسد اليوم في السياسات الأميركية التي باتت أكثر استقطاباً على نحو يثير القلق في الداخل حول تفتت المجتمع الأميركي وانقسامه، غير أنه خلال الأعوام الأخيرة، ولا سيما منذ صعود نجم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الساحة السياسية كمرشح للرئاسة عام 2016، زادت الأصوات الباحثة عن حزب سياسي قوي ينافس قطبي السياسة الأميركية الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، بالنظر إلى ضعف الأحزاب السياسية الأخرى التي بالكاد يعرفها الأميركيون.
ووسط حرب كلامية بلغت أوجها خلال الأيام الماضية بين ترمب وحليفه السابق المليارير الأميركي إيلون ماسك الذي قام بالدور الأكبر في دعم حملة الرئيس الأميركي عبر تبرعاته التي وصلت إلى 300 مليون دولار لمجموعة "أميركا باك" السياسية، فإن الأخير أعلن أمس السبت عن إطلاق حزب سياسي جديد باسم "حزب أميركا"، يمنح المواطن العادي صوتاً حقيقياً، على عكس ما يصفه بالبنية الحالية "الأحادية" التي تمثل الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
"حزب أميركا"
ورداً على الخلاف حول مشروع قانون الموازنة الجديد الذي أطلق عليه ترمب "القانون الكبير الجميل"، كتب ماسك على حسابه بمنصة "إكس"، "إذا جرى تمرير هذا القانون الجنوني للإنفاق، فسيُشكل ’حزب أميركا‘ في اليوم التالي. بلدنا بحاجة إلى بديل عن الحزب الموحد الديمقراطي-الجمهوري لكي يكون للشعب صوت فعلي". وينتقد ماسك الأثر المالي للقانون، باعتباره سيزيد العجز الوطني بمقدار 3.3 تريليون دولار خلال العقد المقبل، استناداً إلى توقعات مكتب الموازنة في الكونغرس، كما ينظر إليه على أنه يحبط الجهود التي بذلها عبر ما يعرف بـ"وزارة الكفاءة الحكومية" للحد من الإنفاق العام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي حين أن الدعوة إلى حزب سياسي جديد منافس للحزبين التقليديين اللذين يسيطران على صنع القرار الأميركي، ليست نادرة من نوعها، إذ هناك من يظهر في كل دورة انتخابية يدعو إلى مرشح مستقل يقود حزباً ثالثاً، لكن هناك من يرون داخل الولايات المتحدة أن الأمر لم يعُد "نكتة"، بل إن الظروف اللازمة لنجاح حزب ثالث قد تكون بدأت تتشكل بالفعل.
رغبة داخلية في حزب ثالث
على مدى عقدين، أظهرت استطلاعات معهد "غالوب" الأميركي، حاجة الأميركيين إلى حزب ثالث رئيس لأن الحزبين الجمهوري والديمقراطي "يقومان بعمل ضعيف جداً" في تمثيل الشعب الأميركي، إذ صوتت الغالبية بنسبة تراوح ما بين 58 و63 في المئة في 12 استطلاع للرأي لمصلحة وجود حزب ثالث. والأسبوع الماضي، أظهر استطلاع جديد أن ما يقارب نصف الناخبين الديمقراطيين يرون أن "وجود حزب سياسي ثالث ضروري" في الولايات المتحدة.
ويقول المراقبون إن الرغبة في وجود أحزاب ثالثة ترتفع دائماً مع تزايد الاضطرابات الداخلية والاستقطاب الحاد، فالأحزاب التي تكون خارج السلطة لديها ردان طبيعيان، الأول هو الإحباط الداخلي من قيادة الحزب نفسها، والثاني هو البحث عن بدائل. وفي هذا السياق، قال أستاذ السياسة لدى جامعة جورجتاون مايكل كازين، لمجلة "نيوزويك" الأميركية، إنه "من المرجح أن يكون الديمقراطيون الآن أكثر تأييداً لحزب ثالث لأنهم غير راضين عن القادة الحاليين للحزب. الأحزاب الثالثة لا تدوم طويلاً في السياسة الوطنية لكنها كانت مهمة لحسم الانتخابات في أوقات مختلفة في الماضي."
النيوليبراليون الجدد
ويقول الكاتب الأميركي نات كوهين، إنه خلال الأعوام الأخيرة، بدأت فئة جديدة بالظهور، لا تجد مكاناً في أي من الحزبين، وليس من الواضح أن أياً منهما سيتمكن بسهولة من تلبية مطالبها. وظهور هذه الفئة المهمشة هو الشرط المسبق الذي يُغفل عنه لقيام حزب ثالث. ويرى أنه في حين لا يمكن لماسك أن يكون ممثلاً حقيقياً لهذه الفئة، غير أنه يُعد مثالاً على شخص ينتمي إلى هذه المجموعة.
لا يضع كوهين اسماً محدداً لهذه الفئة، لكنه يشير إليها في مقالة بصحيفة "نيويورك تايمز" من خلال مجموعة من السمات، فهذه الفئة تؤيد أموراً مثل تقليل العجز المالي وإلغاء القيود التنظيمية والتجارة الحرة والهجرة ذات المهارات العالية، إذ يكون من الممكن التعرف إليها من خلال التسميات التي أطلقها عليها منتقدوها من اليسار واليمين مثل "النيوليبراليين" أو "العولميين"، وإن كانت هذه الفئة الجديدة لا تمجد الأسواق بالضرورة ولا تعارض الإنفاق الحكومي.
ويشير إلى أن مجموعة جديدة من التحديات الاقتصادية والمالية بعد جائحة "كوفيد-19"، أعادت إحياء أفكار سياسية قديمة، فقد أسهم مزيج من ارتفاع أسعار السلع والإسكان وارتفاع أسعار الفائدة والديون الوطنية المتصاعدة، في إعادة قضايا مثل إلغاء التنظيمات وتقليص الموازنات والهجرة، وغيرها لدائرة النقاش. ومع ذلك، فإن النيوليبراليين الجدد لم يتبلوروا بعد كجماعة متماسكة، إذ إنهم لا يزالون يرون أنفسهم ديمقراطيين أو جمهوريين، ويواصلون العمل ضمن الحزبين الرئيسين. لكنهم يعتقدون بأن هذه التحديات تمثل تهديداً خطراً لمستقبل البلاد، في وقت يرون فرصة نادرة لإطلاق نمو استثنائي، وإذا تفاقمت مشكلاتهم خلال الأعوام المقبلة ولم يتمكن الحزبان من معالجة مخاوفهم بصورة كافية، فقد تتوافر الشروط اللازمة لقيام حزب ثالث.
فئة ذات نفوذ
وهذه الفئة المحتملة تتمتع بنفوذ واسع، بفضل تمويلها القوي وداعميها المؤثرين في الإعلام و"وادي السيليكون" وفي "وول ستريت" وواشنطن، ولديها أسباب قوية للاعتقاد بأنها قادرة على التأثير في الحزبين الرئيسين، مثل رجل الأعمال مارك كوبان والمرشح الديمقراطي السابق في الانتخابات التمهيدية 2020 أندرو يانغ اللذين أعربا عن دعمهما لماسك.
وتعتقد ناتاشا ليندستيدت من جامعة إسكس بأن الثروة الهائلة التي يمتلكها ماسك قد تُمكنه من تجاوز العقبات التقليدية وتشكيل قوة مقلقة ضمن السياسة الأميركية. وتشير إلى أن العدد المتزايد من الناخبين المستقلين المحبطين من الوضع السياسي القائم، قد يشكّلون قاعدة دعم قوية لحزب ماسك الجديد. ومع استمرار حال الاستياء من الحزبين الرئيسين، ترى أن هذا التوقيت مثالي لشخصية من خارج المؤسسة مثل ماسك لاستغلال هذا الإحباط الشعبي.
في المقابل، يتبنى توماس غيفت من كلية لندن الجامعية رؤية أكثر تشاؤماً، ويرى أن خطوة ماسك بتأسيس حزب سياسي جديد قد تكون مجرد مناورة استراتيجية أكثر منه التزاماً جاداً. ويُبرز غيفت القوة الراسخة للأحزاب التقليدية في الولايات المتحدة والموارد الهائلة التي تمتلكها، مما يجعل من الصعب للغاية على أي حزب جديد أن يحقق تأثيراً حقيقياً.