Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا يتخوف مصريون من تصدير العقار؟

في الوقت الذي يعتقد البعض أنه استثمار تأخر كثيراً وسط إغلاق أكثر من 12 مليون وحدة سكنية فإن آخرين يرونها خطوة تحمل أخطاراً مستقبلية لا تخدم البلاد

تملك الأجانب للعقارات في مصر يسهم في زيادة الحصيلة الدولارية ويزيد العوائد الضريبية للدولة (رويترز)

ملخص

يخضع تنظيم تملك الأجانب للعقارات في مصر إلى القانون رقم 230 لسنة 1996، الذي كان يشترط للتملك أن لا يزيد عدد العقارات المملوكة على عقارين في أنحاء البلاد، وأن يكون بغرض السكن الخاص للمشتري وأسرته، وأن لا تتجاوز مساحة العقار 4 آلاف متر مربع، وأن لا يكون من العقارات المعدة أثراً وفقاً لأحكام قانون حماية الآثار، حتى أدخلت الحكومة تعديلات لاحقاً عليه، لتسمح بتملك عدد غير محدود من الوحدات، مقابل سداد قيمتها بالعملة الأجنبية عبر تحويل مصرفي من الخارج والحصول على الموافقات الأمنية اللازمة.

بينما تراهن الحكومة المصرية على ملف "تصدير العقار"، لتوسيع قدرة الأجانب على امتلاك عقارات بمصر، باعتباره "الحصان الرابح" لإنعاش السوق العقارية، وتنشيط الاستثمار ودعم الاقتصاد الوطني، يتخوف بعض المتخصصين من انعكاسات هذا التوسع على أسعار الوحدات السكنية بالمستقبل وإمكان حدوث "فقاعة عقارية" تلهب الأسعار، إضافة إلى أخطار "التوغل الأجنبي وانعكاساته على الأمن القومي".

فما بين مطرقة جلب العملة الصعبة وسندان صون الأصول والثروة العقارية، يظل ملف تملك الأجانب للعقارات ملتهباً لاشتباك الرؤى، ويفتح الباب أمام تساؤلات عدة في شأن الضمانات والآليات التنظيمية لمنع تلاعب الأجنبي واستغلاله أي ثغرات مستقبلاً. فهل تصدير العقار هو الحل الأمثل أم أن هناك بدائل استثمارية أخرى أقل مخاطرة؟ وكيف يوازن المشرع المصري بين تشجيع الاستثمار الأجنبي وحماية الأمن القومي؟ وهل تنجح مصر في تكرار التجارب الدولية الجاذبة لرؤوس الأموال في هذا الملف، من دون تأثر المواطن في الحصول على حقه في سكن ملائم ومن دون تغيير التركيبة المجتمعية؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي يونيو (حزيران) الماضي أعلن رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي أن تملك الأجانب عقارات في مصر ليس بـ"الأمر السلبي"، وأن هذه العملية تتضمن تملُّك عقار وليس أرضاً، مردفاً "دول كبيرة في المنطقة ينظر إليها بانبهار تقوم على فكرة جذب الأجانب لتملك العقار"، مطالباً بعدم النظر إلى الأمر بحالة من القلق، لا سيما أن هناك ضوابط وضعتها الدولة لتنظيم هذه العملية، قائلاً "لا توجد مشكلة إذا أقدم الأجنبي الذي اشترى عقاراً على تأجيره لأجانب، لا سيما أن هذا المستأجر سينفق أموالاً داخل الدولة".

مساعٍ إيجابية لكن بضوابط تنظيمية

يصف المتخصص الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة مساعي الحكومة المصرية نحو تعزيز فرص تملك الأجانب للعقارات في مصر بـ"الإيجابية" وتصب في صالح الاقتصاد الوطني، إذ تسهم في زيادة الحصيلة الدولارية وتزيد العوائد الضريبية للدولة، وتعزز من ثقة الأجنبي للاستثمار في مصر وفتح السوق المصرية أمام الأسواق العالمية، إضافة إلى إنعاش حركة السوق العقارية، التي تشهد حالة من التباطؤ حالياً، ووفرة في حجم المعروض من الوحدات السكنية.

وفي تقدير بدرة، فإن تملك الأجانب للعقارات بمصر ليس أمراً مستحدثاً أو وليد اللحظة، فهناك قانون معمول به بالفعل يتيح تملك الأجانب للعقارات في مصر، سواء كانت وحدات سكنية أو أراضي فضاء، إضافة إلى أن تلك التجربة مطبقة في كثير من بلدان العالم العربية أو الأجنبية، وتلقى رواجاً واسعاً.

ويخضع تنظيم تملك الأجانب للعقارات في مصر إلى القانون رقم 230 لسنة 1996، الذي كان يشترط للتملك أن لا يزيد عدد العقارات المملوكة على عقارين في أنحاء البلاد، وأن يكون بغرض السكن الخاص للمشتري وأسرته، وأن لا تتجاوز مساحة العقار 4 آلاف متر مربع، وأن لا يكون من العقارات المعدة أثراً وفقاً لأحكام قانون حماية الآثار، حتى أدخلت الحكومة تعديلات لاحقاً عليه، لتسمح بتملك عدد غير محدود من الوحدات، مقابل سداد قيمتها بالعملة الأجنبية عبر تحويل مصرفي من الخارج والحصول على الموافقات الأمنية اللازمة.

ويعتقد المتخصص الاقتصادي أنه يتوجب الالتزام بضوابط وآليات تنظيمية في أثناء التحرك في هذا الملف، تفادياً لأى "صدمات مستقبلية"، مقترحاً أن تجري كل المعاملات النقدية في عمليات البيع والشراء بين المالك المصري سواء كان "مطوراً عقارياً أو فرداً" وبين المواطن الأجنبي، عبر البنوك المصرية والمصالح الحكومية الرسمية، حتى يجري إثبات قيمة الأموال وتحصل الدولة على حقوقها الضريبية بالعملة الأجنبية، ولا تتسلل تلك الأموال إلى السوق الموازية غير الرسمية، إضافة إلى وضع قيود ملزمة على الأجنبي في مسألة نقل الملكية والتوريث في المستقبل، لضمان عدم حدوث أي ثغرات، فضلاً عن إعداد قاعدة بيانات لحصر الوحدات المملوكة للأجانب لمعرفة حجم وقيمة ممتلكاتهم، ووضع لائحة ملزمة توضح حقوق والتزامات الأجانب في مسألة البيع والشراء، مع ضرورة وضع آليات رقابية تلزم البائع المصري بالإفصاح عن نسب القيم المالية للعقار في أثناء عمليات البيع والشراء لضمان الحفاظ على حقوق الطرفين.

 

وفى رأي بدرة، فإن المواطن الأجنبي الذي يستهدف الشراء في مصر يسعى دائماً إلى امتلاك عقارات، إما في الأماكن الساحلية هرباً من حرارة الطقس في بلده والاستمتاع بقضاء إجازته أو شراء عقارات في العاصمة، متسائلاً: "الإحصاءات الرسمية تشير إلى وجود 12 مليون وحدة سكنية مغلقة بمصر، إذا افترضنا بيع مليون وحدة منها، ما الذي سيهدد الوطن ولماذا لا نستفيد منها اقتصادياً؟".

يؤيده الرأي المتخصص في الشأن العقاري أسامة سعد الدين، إذ يرى أن مصر تأخرت كثيراً في "تصدير العقار" مقارنة بدول أخرى حققت نجاحات كبيرة خلال الآونة الماضية. لافتاً إلى أن كل البلدان المتقدمة تسمح بتملك الأجانب وفق ضوابط تحفظ حقوقها وتحمي أصولها، موضحاً أن تملك الأجانب في مصر سيؤدى إلى زيادة فرص ربط الأجنبي في بلده بمصر، إذ سيكون مهتماً بمتابعة أخبارها، وما يتعلق بالأنشطة والفرص الاستثمارية بها بصورة دائمة لاقتناص تلك الفرص.

وكشفت وزيرة الإسكان في مصر المهندسة راندة المنشاوي في يونيو الماضي عن قرب إطلاق المرحلة الأولى من منصة "تصدير العقار المصري" بالتعاون مع وزارتي الاتصالات والعدل والاستعداد لبدء تشغيلها في مدينة العلمين الجديدة، لتسهيل استثمار الأجانب في السوق العقارية عبر توفير منظومة رقمية متكاملة، تشمل عمليات الشراء المثبت بصورة رقمية وميسرة بمزايا تنافسية للأسواق العالمية.

وتساءل سعد الدين، الذي يشغل منصب المدير التنفيذي لغرفة التطوير العقاري، "المصريون يمتلكون أصولاً عقارية في دول الخارج، فما الذي يمنع الأجنبي من التملك داخل مصر؟"، مشيراً إلى أن كثيراً من الدول أصبحت تغري المستثمرين بتملك العقارات والأراضي بها نظير مبالغ مالية محددة في مقابل منح امتيازات لهم تتعلق بالإقامة أو الجنسية.

مخاوف مُبالغ فيها

ويرفض المتخصص العقاري "النغمة" التي تروج لتأثير تملك الأجانب على أسعار الوحدات السكنية بمصر في المستقبل، موضحاً أن مؤسسات الدولة تسير في هذا الملف بخطوات مدروسة وتتعامل معه باحترافية، وتضع المواطن المصري وحاجاته في مقدمة أولوياتها وتدرس الخيارات الأفضل والأنسب له، للحفاظ على حقوقه في توفير مسكن ملائم له، مقترحاً "أن تخصص وحدات سكنية اقتصادية وفوق متوسطة للمصريين فقط بأسعار مناسبة يحظر على الأجانب التملك فيها"، متمنياً أن ترتفع قيمة ملكية العقار للأجنبي في المستقبل لجني عوائد دولارية أكبر.

ويوضح المتخصص في الشأن العقاري أن غالب المطورين العقاريين المصريين أصبح لديهم وعي بطبيعة الفارق بين شخصية الأوروبي، الذي يرغب في ملكية شقق "استوديو" بمساحات صغيرة مزودة بالخدمات، والعربي الذي يفضل شراء الفيلات والقصور ويهوى الرفاهية، موضحاً أن عدم فهم ذلك الفارق قبل سنوات كان يمثل أبرز المعوقات التي واجهت انطلاقة تصدير العقار المصري.

وقدر رئيس مجلس تصدير العقار المهندس هشام شكري في مايو (أيار) الماضي أن مصر حققت حصيلة من تصدير العقار بنحو ملياري دولار في 2025 – 2024، ومن المتوقع زيادة تلك الحصيلة بنسبة تراوح ما بين 10 و20 في المئة في 2025 - 2026.

 

ويرى سعد الدين أن تخوفات البعض من التوسع في فتح الباب لملكية الأجانب تحت ما يسمى "بيع أصول الوطن والتفريط فيها والاستحواذ على أراضي الدولة"، أمر مبالغ فيه وغير منصف، رافضاً تلك "النظرة التشاؤمية"، مستشهداً "كل الدراسات أثبتت أن نسبة تملك الأجانب لعقارات وأراضي خارج أوطانهم تصل إلى نحو 60 في المئة"، موضحاً أن الفرصة مواتية أمام مصر للنهوض بتصدير العقار، لا سيما أن ما لا يقل عن 86 في المئة من مساحة مصر غير مستغلة، فما المانع من استثمارها؟

يتماشى ذلك مع ما طرحه وزير الدولة للإعلام في مصر ضياء رشوان خلال مؤتمر صحافي في يونيو الماضي، إذ وصف مخاوف المواطنين بأنها "غير مبررة". ورجح أن يتجاوز عدد الوحدات السكنية حالياً ما بين 45 و50 مليون وحدة، متسائلاً: "كم وحدة يمكن أن يشتريها الأجانب؟ وبأي نسبة؟ وما حجم الضرر المترتب على ذلك؟"، وأضاف أن "هذه الوحدات ليست من أصول الدولة، بل هي ملكيات خاصة للمواطنين، ولا ضرر في بيعها وتمثل أحد المكاسب المهمة لاقتصاد الأسر".

شبح الفقاعة العقارية

في مقابل الطروحات السابقة يرفض عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بالبرلمان المصري عاطف مغاوري توسع الحكومة في تملك الأجانب، معتبراً أنه "لا يخدم الاقتصاد الوطني وينطوي على كثير من الأخطار، ويثير المخاوف ويعبر عن الاستسهال في بيع الممتلكات من أجل سداد الديون"، وفق تعبيره.

ويرجح مغاوري، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن الحكومة لجأت لما سماه بـ"سياسة المضطر"، بحسب تعبيره، لإنقاذ المطورين العقاريين، لا سيما بعدما أفرطوا في بناء الوحدات السكنية بصورة تفوق قدرات المستهلك المصري على الشراء، وأصبحوا غير قادرين على الالتزام بسداد مديونياتهم أمام البنوك، معتبراً أن توجيه التركيز طوال الوقت على أن الاستثمار العقاري هو الأكثر نمواً بمصر ويخلق فرص عمل لكثير من الصناعات أمر خطر، لأنه اقتصاد ريعي، لكن ينبغي توجيه البوصلة لدعم القطاعات الاقتصادية الإنتاجية والزراعية المستدامة، لأنها تمثل قاطرة الوطن، محذراً أن الاستمرار في هذا النهج قد ينذر بحدوث "فقاعة عقارية" على غرار أزمة الرهن العقاري بأميركا 2008، ومصر لا تستطيع أن تتحمل تبعات ذلك.

يرى البرلماني المصري أن سياسة السكن في مصر أصبحت "طبقية" تميل إلى ملاك "الكومباوندات المنعزلة من الأثرياء"، إذ أصبحت هناك وفرة في الإسكان الفاخر مقارنة بالإسكان المتوسط وتحت المتوسط الذي يحتاج إليه المواطن المصري، على رغم أن الدستور أقر بحق المواطن في السكن، مستنكراً "كيف يطرد المستأجر المصري من مسكنه ويحصل الأجنبي على ملكية فيه؟".

ويحذر مغاوري من استغلال الدول المعادية فكرة تملك الأجانب للتوغل داخل أرجاء الوطن، موضحاً أن الحملة المضادة الرافضة لهذا الأمر جعلت رئيس الوزراء يوكل الملف برمته لوزير العدل، قائلاً: "ينبغي وضع الأمن القومي في مقدمة الأولويات ويجب أن نعي دروس التاريخ جيداً".

وفوض رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي في يونيو الماضي، وزير العدل المستشار محمود حلمي الشريف بمباشرة بعض اختصاصاته، المنصوص عليها في المادتين الثانية والخامسة من القانون رقم 220 لسنة 1997 في شأن تنظيم تملك غير المصريين للعقارات المبنية والأراضي الفضاء.

 

وتتحفظ أيضاً أستاذ العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسة الدكتورة سهير زكي حواس على هذا النهج، قائلة: "لست ضد الاستثمار الأجنبي للاستفادة من القوة الشرائية ودعم موارد الدولة، لكن التمليك على المدى الطويل يعني فقدان السيطرة على التحكم، وهو أمر يطرح علامة استفهام، وقد يؤدي إلى تحويل مصر لجزر أجنبية منعزلة مستقبلاً، وهو ما يشكل خطورة على الأجيال القادمة".

تضيف حواس، خلال حديثها لـ"اندبندنت عربية"، أن تمليك الأجانب للعقارات والأراضي أمر له انعكاسات على الأصول المصرية على المدى البعيد إلى جانب الانعكاسات السلبية على نفسية المواطن المصري وشعوره بالانتماء، قائلة: "بيع الأرض أو العقار للأجنبي يشبه بيع مواطن غرفة شقته لشخص غريب وتجعله يتحكم في حياته"، مقترحة أن يكون البيع بنظام حق الانتفاع والشراكة بين المصري والأجنبي، وأن تكون نسبة الاستحواذ الغالبة للمصريين لتفادي أي أزمات مستقبلية.

نفسياً واجتماعياً، ترى أستاذ علم النفس السياسي بالمركز القومي للبحوث الجنائية الدكتورة سوسن الفايد أن بواعث القلق المصري من تملك الأجانب للعقارات أمر مبرر ومنطقي، إذ يعد المواطن المصري العقار جزءاً من هويته وحريته وجذوره ويشعر بالغيرة عليه، إضافة إلى أن الموروث الثقافي الذي تربى عليه جعل هذا الشعور يتنامى يوماً تلو الآخر لديه.

تضيف الفايد، خلال حديثها لـ"اندبندنت عربية"، أن المواطن المصري يشعر في تملك الأجنبي بمثابة "استيلاء على مقدرات وطنه"، ويخشى من التآمر عليه، موضحاً أن التجارب والشواهد عززت تلك المشاعر في نفوس المصريين، فأصبح هناك "حاجز نفسي" بين العقلية المصرية وثقافة الاستثمار الأجنبي.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات