Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أميركا ماغا" تتداعى ولكن الولايات المتحدة تبقى عظيمة

في ذكرى تأسيسها، قد يكون أكبر ما يدعو إلى الفرح هو التفكير في أن صفحة من يعبث بهذه الأمة العظيمة ستطوى

لقد كانت أميركا عظيمة بالفعل قبل وصول ترمب إلى الحكم، ولن تسترد عظمتها تلك إلا عندما يصبح مجرد ذكرى بعيدة (غيتي)

ملخص

احتفالات "حرية 250" في واشنطن تتحول إلى عرض مرتبك من الديكورات الرخيصة والحضور الهزيل، بعدما حاول ترمب تحويل الذكرى الوطنية إلى مناسبة تدور حوله وحول حركة "ماغا". أميركا تبدو في عيدها الـ250 ديمقراطية منهكة لكنها قادرة على الصمود.

منذ أيام، والعالم كله يتابع الانهيار المتسارع لفعاليات "حرية 250" في واشنطن العاصمة.

بات واضحاً أن النسخة المقلدة المبتذلة، المصبوغة بطابع "ماغا" والمتمحورة حول ترمب، من الاحتفالات الرسمية بـ"عيد ميلاد" أميركا الـ250، انتهت إلى كارثة.

فقد كاد راقصون يُصابون بقطعة من ديكور المسرح سقطت أثناء تدريباتهم في واشنطن الخميس. وبما أن أحداً لم يُصب بأذى، يمكننا أن نستمتع بشيء من الشماتة القاتمة بهذا الفشل الرمزي، خلال تدريبات فقرة غنائية راقصة كان يفترض بها تمجيد ترمب، وبدت كأنها مستوحاة من العروض الجماعية المتزامنة التي تقام في بيونغ يانغ احتفالاً بأعياد ميلاد أفراد عائلة كيم.

لكن المشهد كان أقرب إلى مؤتمر حزب المحافظين البريطاني عام 2017، حين فقدت رئيسة الوزراء آنذاك تيريزا ماي صوتها، وقاطعها أحد صنّاع المقالب، إذ ناولها نموذج P45، الخاص بمن يغادر عمله، ثم مضت في خطابها على رغم ذلك، فيما سقط حرف F من خلفية شعار "بناء بلد يعمل من أجل الجميع". ومع ذلك، انطوى الحدث - بطريقة ما - على مقدار أكبر من الوقار.

وكما تظهر مقاطع فيديو متداولة عبر الإنترنت، فإن كثيراً من الهياكل ذات الطراز الكلاسيكي في عرض ترمب ليست سوى ألواح من الخشب المضغوط، في حين أن "البناء الحجري" المزعوم ليس في الواقع إلا ورق جدران مثبتاً بالدبابيس على ألواح خشبية. هذا المشهد لا يمت بصلة إلى حلم روما الذي يروّج له. بل إن الأمر وصل إلى حد الاستعانة بنسخة مصغرة على نحو مثير للسخرية من "قوس النصر" الذي اقترح الرئيس الأميركي تشييده، بدت كأنها مقتطعة من حفلة لـ"سباينل تاب" Spinal Tap.

ولا يعد هذا الموقف سوى الحلقة الأحدث في سلسلة من الإخفاقات المتتالية، بدءاً من أعمال ترميم "بركة الانعكاس عند نصب لينكولن التذكاري"، التي تسببت خطأً في تحول مياهها إلى اللون الأخضر، في مشهد بدا كأنه تلميح غير مقصود إلى نزعة التباهي المفرط لدى ترمب، وصولاً إلى فشل "معرض الولايات الأميركية الكبير" في "ناشونال مول" في جذب الحشود. وكما هو متوقع من أي زعيم سلطوي يرى في نفسه معياراً لكل شيء، يقال إن ترمب كان في حال "غضب" و"استياء" بعد اطلاعه على صور جوية تظهر هزالة الحضور.

غير أن هذا التراجع في الحضور لا يبدو مفاجئاً، إذ يصعب إلقاء اللوم على الأميركيين في هذا الرفض الصامت. وكما هي العادة، حاول دونالد ترمب اختطاف مناسبة وطنية تحتفي بالروح الجمهورية، وتحويلها إلى حدث حزبي ضيق يتمحور بالكامل حول حركة "ماغا" وشخصه وعائلته.

بل إنه يريد أن يفرض صورته قسراً على ورقة نقدية خاصة من فئة 250 دولاراً، وعلى العملات المعدنية، وحتى على جوازات السفر الأميركية، بهيئته المعهودة: منحنياً فوق مكتب "ريزولوت" ومتجهماً. فأين اختفى شعار "لا ملوك"؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عندما احتفلت الولايات المتحدة بالذكرى المئوية الثانية لتأسيسها عام 1976، وكانت سنة انتخابية، حرص الرئيس الأميركي آنذاك جيرالد فورد على تجنب إضفاء أي طابع حزبي عليها. أما دونالد ترمب، فغني عن القول إنه يتعامل مع السياسة باعتبارها ساحة للانقسام وفتح الجراح الجديدة، لأنه يرى في ذلك سبيله إلى الفوز بالانتخابات. ويؤسفني أن أقول إنني أعتقد فعلاً أنه قد يجد في حرب أهلية جديدة نوعاً من المتعة.

ومن المؤكد أن بلاده نادراً ما بدت أقرب إلى الانقسام والتفكك مما هي عليه الآن. ففي "معرض الولايات الأميركية الكبير" سيئ الطالع، تعطل جهاز تكييف الهواء في اليوم الأول. أما أجنحة العرض المخصصة لولايات كونيتيكت وماين وهاواي، فاقتصرت على كرسيين لكل منها، فيما اكتفت ألاسكا بسجادة وطاولة صغيرة. أما ولايتا أوريغون وواشنطن فلم تكلّفا نفسيهما عناء المشاركة أصلاً.

من سوء حظ الولايات المتحدة، والعالم بأسره، أن يتولى شخص مثل دونالد ترمب زمام السلطة فيها. كذلك فإن ما يبعث على القلق أيضاً أن الأميركيين أوصلوه إلى سدة الحكم، ليس مرة واحدة، بل مرتين، حتى بعدما حرّض بنفسه على تمرد السادس من يناير (كانون الثاني) 2021. ومع ذلك، فإن مكامن القوة والمقومات الذاتية التي جعلت الولايات المتحدة القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية الأبرز في العالم، كفيلة بإبقائها صامدة. فهي حتى اليوم ديمقراطية صاخبة ومضطربة بطبيعتها، لكنها ما زالت قادرة على الاستمرار.

في نهاية المطاف، وعلى رغم محاولات دونالد ترمب المتكررة لتخليد اسمه بنُصُب ورموز تذكارية، فإنه سيرحل يوماً ما. غير أن مشكلته، ولسوء الحظ مشكلة الجميع، تكمن في اعتقاده بأنه أكبر من أميركا، وهو ليس كذلك على الإطلاق. وما هذا التزامن بين وجوده في السلطة وذكرى مرور 250 عاماً على تأسيس البلاد، سوى اختبار جديد يضاف إلى الاختبارات التي تواجهها الجمهورية.

لقد كانت أميركا عظيمة بالفعل قبل وصول ترمب إلى الحكم، ولن تسترد عظمتها تلك إلا عندما يصبح ترمب مجرد ذكرى بعيدة وسيئة. وذلك يومٌ ينبغي أن يتطلع إليه الجميع.

© The Independent

المزيد من تحلیل