ملخص
يراجع المقال مسيرة الولايات المتحدة منذ إعلان الاستقلال عام 1776 حتى الذكرى الـ250، مسلطاً الضوء على المبادئ التي قامت عليها الدولة، من الحرية والدستور والانتقال السلمي للسلطة إلى دورها العالمي في الدفاع عن الديمقراطية. ويرى أن الجدل الداخلي حول السياسة الخارجية ليس جديداً على أميركا، وأن بقاء هويتها مرهون بالتمسك بالمبادئ التأسيسية التي قامت عليها، لا بالأرض أو العرق أو الدين.
عندما أعلنت 13 مستعمرة صغيرة تمتد على طول الساحل الأطلسي لأميركا الشمالية استقلالها عن المملكة المتحدة عام 1776، لم يكن كثيرون يؤمنون بنجاحها، بل كان الأميركيون أنفسهم يدركون أن حظوظهم ضئيلة. وقد خاطب بنجامين فرانكلين أعضاء الكونغرس القاري بعبارته الشهيرة: "أيها السادة، علينا جميعاً أن نتكاتف، وإلا فسنُشنق جميعاً، كل على حدة".
كانت الثورة قاسية على الأميركيين، لكنهم صمدوا رغم ذلك. وكتب توماس بين: "هذه أوقات تمتحن النفوس، ففي هذه الأزمة، سيتراجع عن خدمة بلاده من لا يصمد إلا في أيام الرخاء، ومن لا يعرف الوطنية إلا في أوقات السلم، أما من يصمد الآن، فإنه يستحق محبة الرجل والمرأة وامتنانهما".
وعندما انتصرت الثورة وتحقق الاستقلال، وصف الجنرال جورج واشنطن النصر بأنه "لا يقل عن كونه معجزة حقيقية"، لكن المشكلات السياسية برزت على الفور، مما استدعى إنشاء حكومة جديدة تجسدت في دستور عام 1789، الذي أصبح أقدم دستور مكتوب لا يزال سارياً بلا انقطاع في العالم.
وسرعان ما تحول دعاة الاستقلال إلى خصوم سياسيين ألداء، ففي الانتخابات الرئاسية الأميركية الثالثة عام 1800 التي شهدت منافسة حزبية شرسة، هزم توماس جيفرسون جون آدامز، الذي شاركه في صياغة إعلان الاستقلال الذي حدد المبادئ الأساسية للثورة. غير أن الأهم هو أن آدامز قبل هزيمته وتنحى عن الرئاسة، في أول انتقال وطني للسلطة بين حزبين سياسيين متنافسين. ومع مرور الوقت، استأنف الرجلان مراسلاتهما واستعادا صداقتهما، ومن عجيب المصادفات أن كليهما توفي في الرابع من يوليو (تموز) 1826، بعد 50 عاماً تماماً من نشر إعلان الاستقلال.
لذلك قد يُعذر الأميركيون الأوائل إذا اعتقدوا أن العناية الإلهية كانت تقف إلى جانبهم، لكنهم كانوا يدركون أيضاً أن مستقبلهم في أيديهم، وكانوا على ثقة كبيرة بأن مشروعهم لن يبقى محصوراً في تلك المستعمرات الصغيرة على الساحل الأطلسي، وإلا فكيف نفسر جرأة الآباء المؤسسين على تسمية اجتماعاتهم "الكونغرس القاري"، وتعيين واشنطن قائداً أعلى لـ"الجيش القاري"، في وقت لم تكن فيه البلاد تمتد بعد عبر القارة. وبمرور الزمن، تحولت المستعمرات الـ13 الأصلية فعلاً إلى أمة بحجم قارة، ثم تجاوزت ذلك أيضاً لتضم ألاسكا وهاواي.
لم يكن تاريخ أميركا سلساً، لكن شعبها ظل يتذكر حتى في أحلك الأوقات معنى نشأتها، فبعد معركة غيتيسبرغ، في خضم الحرب الأهلية، وهي إحدى أكثر حروب القرن الـ19 دموية، دعا أبراهام لنكولن مواطنيه إلى أن يعقدوا العزم "على أن هذه الأمة، في كنف الله، ستشهد ميلاداً جديداً للحرية، وأن حكومة الشعب، بالشعب، وللشعب، لن تزول عن وجه الأرض"، فأميركا بلد يقوم على المبادئ التأسيسية التي عبّر عنها لنكولن، والمكرسة في وثيقتيه الأساسيتين، إعلان الاستقلال والدستور، وهي الأساس الذي تقوم عليه "الاستثنائية الأميركية"، ولم يكن ذلك في نظرهم تباهياً بل تعبيراً عما اعتبروه توصيفاً دقيقاً للواقع، بل إن أليكسيس دو توكفيل سبق أن كتب في مؤلفه الشهير "الديمقراطية في أميركا": "إن وضع الأميركيين استثنائي تماماً، ولعله يصح الاعتقاد بأن أي شعب ديمقراطي لن يجد نفسه يوماً في وضع مماثل".
وجاء القرنان الـ20 والـ21 بتهديدات وأخطار لم يكن من الممكن تخيلها من قبل، واضطرت الولايات المتحدة مراراً إلى أداء دور حاسم، وكان هذا الدور ضرورياً لأمنها، لكنه ظل موضع جدل، وكثيراً ما أسيء فهمه على نحو عميق. ومن المفارقات أن فرنسياً آخر، هو أندريه مالرو، قدم أحد أبلغ التوصيفات للدور الأميركي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، ففي عام 1962، حين كان وزير دولة للشؤون الثقافية في حكومة شارل ديغول، قال مالرو في مأدبة عشاء أقامها جون ف. كينيدي في البيت الأبيض: "أرفع كأسي للأمة الوحيدة التي خاضت الحرب من دون أن تعبدها، وصارت أعظم قوة في العالم من دون أن تسعى إليها، وصنعت السلاح الأشد فتكاً في التاريخ، لكنها لم ترغب في اللجوء إليه، فلتلهم البشر أحلاماً تليق بأفعالها".
ولا يقصد هذا العرض الموجز للغاية لتاريخ أميركا خلال أول 250 عاماً من وجودها تبرير كل خطوة اتخذتها، لكنه يبين أنها سعت في معظم الأحيان إلى التركيز على تحقيق مصيرها هي، لا إلى فرضه على الآخرين، ففي القرنين الـ18 والـ19، كما في معظم مراحل التاريخ البشري، كانت الأراضي غير المأهولة أو قليلة السكان تُعد مفتوحة للاستيطان والضم. وفي تلك الحقبة، لم تكن أميركا تنتهج سياسة انعزالية، بل سياسة بدت طبيعية لكل من وصل إلى نصف الكرة الغربي بعد وصول كريستوفر كولومبوس إليه عام 1492.
ومع نهاية القرن الـ19 واجه الأميركيون عالماً جديداً تماماً، إذ لم يعد هناك خط ظاهر للتوسع الاستيطاني يتحرك من الشرق إلى الغرب نحو المحيط الهادئ، فقد اختفت "الحدود الغربية" بكل ما مثّلته للأميركيين وللملايين الذين عبروا المحيطات للوصول إليها. وما تلا ذلك كان القرن الـ20 الاستثنائي، حين دافعت الولايات المتحدة عن الحرية في أوروبا وحول العالم خلال حربين عالميتين ثم الحرب الباردة، وهي حروب لم نبدأها بل أنهيناها.
واليوم، لا تزال أميركا وأصدقاؤها يواجهون التهديدات، سواء من العدوان الروسي في أوكرانيا والتهديدات الأوسع الصادرة من موسكو، أو من طموحات الصين للهيمنة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أو من الإرهاب الدولي في الشرق الأوسط وخارجه، أو من الخطر الدائم المتمثل في انتشار أسلحة الدمار الشامل، نووية كانت أم كيماوية أم بيولوجية.
سيكون تجاهل هذه التهديدات ضرباً من الانتحار، ومع ذلك، يخوض الأميركيون نقاشاً داخلياً حاداً حول أفضل طريقة للرد عليها. هذه ليست المرة الأولى، فقد اعتادوا أن يختلفوا بهذه الطريقة، وها هم يفعلون ذلك من جديد. القضايا معقدة، والنقاش مضطرب ويتحول أحياناً إلى سجال مرير، وقد يثير ذلك قلق العالم الخارجي، لكنه، خيراً كان أم شراً، ليس جديداً على أميركا.
ومع ذلك، يبقى عيد ميلاد أميركا الـ250 احتفالاً بفكرة: كيف يمكن أن نكون أحراراً وآمنين في بلدنا؟ إنها فكرة لا تستند إلى الأرض أو الأصل أو الدين، ولا إلى أي عامل آخر سوى الإيمان بالمبادئ التأسيسية والولاء لها. وإذا تغير ذلك يوماً، فلن يعود هذا البلد أميركا.