Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدرعات "قوة الاستقرار" في غزة تستبق محادثات القاهرة

تخضع لـ"مجلس السلام" ولا رقابة عليها من الأمم المتحدة وجنودها يحظون بحصانة مطلقة والسكان يرمقونها بتوجس

يخافون من صدام وشيك إذا حاولت القوة الدولية فرض نزع السلاح بالقوة من دون توافق وطني (أ ف ب)

ملخص

هذا الإنزال ليس مجرد استعراض للمعدات، بل خطوة أميركية منسقة لتجاوز حال الانسداد الكامل في محادثات القاهرة مع حركة "حماس"، حيث تسعى واشنطن عبر هذه الآليات إلى تجربة مشروع لإدارة مخيمات إيواء نموذجية في تل السلطان برفح لعزلها عن سلطة الفصائل وضبط نظامها أمنياً ومدنياً.

لم تعد "قوة الاستقرار الدولية" مجرد نصوص في أروقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، إذ تحولت إلى أمر واقع بعدما التقطت العدسات أخيراً عملية إنزال العربات التكتيكية والجيبات العسكرية في قاعدة "إندورانس" اللوجيستية المتاخمة لمعبر كرم أبو سالم.

ببدء انتشار الآليات العسكرية لقوة الاستقرار تكون خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام والازدهار في غزة خرجت من أروقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى مرحلة التدشين بفرض الأمر الواقع على الأرض.

قطعت الصور الرسمية الصادرة عن "مجلس السلام" الشك باليقين، إذ تم نشر شحنات متتالية من العربات التكتيكية والجيبات العسكرية المدرعة والمضادة للرصاص التابعة لقوة الاستقرار الدولية، ويجري تفريغها وتجهيزها داخل قاعدة "إندورانس" اللوجيستية المتاخمة للحدود مع غزة، بعد نقلها من مستودعات القيادة الأميركية المتقدمة في "كريات غات".

هذا الإنزال ليس مجرد استعراض للمعدات، بل خطوة أميركية منسقة لتجاوز حال الانسداد الكامل في محادثات القاهرة مع حركة "حماس"، حيث تسعى واشنطن عبر هذه الآليات إلى تجربة مشروع لإدارة مخيمات إيواء نموذجية في تل السلطان برفح لعزلها عن سلطة الفصائل وضبط نظامها أمنياً ومدنياً.

ومع تحرك هذه العجلات على الحدود، يوضع القطاع أمام تشريح أمني معقد، يتداخل فيه حجم القوة وتوازنات جنسياتها، مع حسابات حرب إيران التي شتتت الزخم الدبلوماسي، وتحت وطأة مهلة الشهرين التي منحتها القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي قبل استئناف القتال الشامل.

كيف ولدت الفكرة؟

كانت "قوة الاستقرار الدولية" نتاج هندسة سياسية قادتها الولايات المتحدة بزعامة الرئيس ترمب لإعادة صياغة مستقبل قطاع غزة أمنياً وسياسياً بعد الحرب. بدأت الفكرة ضمن رؤية الإدارة الأميركية لعدم العودة إلى الحكم العسكري الإسرائيلي المباشر، ومنع إعادة تمكين حركة "حماس"، من طريق إيجاد سلطة أمنية دولية موقتة تنوب عن الطرفين في إدارة الأرض.

تحول المقترح إلى التزام دولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عندما مررت واشنطن قرار مجلس الأمن رقم 2803، وحينها حصلت القوة على غطائها التنفيذي لبناء القواعد العسكرية واللوجيستية على حدود القطاع وداخله.

وبعد ذلك أسست الإدارة الأميركية "مجلس السلام" ليكون المرجعية السياسية والمدنية العليا لإدارة المرحلة الانتقالية، على أن تصبح القوة الدولية ذراعه العسكرية لتنفيذ الخطط والإشراف على نزع السلاح وإدارة المساعدات.

الصلاحيات والمهمات

في الواقع، تستند القوة الدولية في غطائها القانوني إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذي ينص على منحها "صلاحية استخدام جميع التدابير اللازمة"، وبموجب هذا التفويض لا تعد هذه بعثة حفظ سلام أممية.

حددت البنود الواردة في "خطة السلام والازدهار" وميثاق مجلس السلام، المهمات المنوطة بقوة الاستقرار الدولية في خمس مهمات أساسية، أولها الإشراف على نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وتأمين عمليات جمع وتدمير الترسانة الصاروخية، وضمان ردم شبكات الأنفاق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المهمة الثانية هي بناء المناطق النموذجية لغزة الجديدة، وحماية أطقم ومستشاري "مجلس السلام" الذين بدأوا بالفعل تدشين مراكز ومخيمات الإيواء الإنسانية النموذجية في حي تل السلطان برفح.

أما المهمة الثالثة فهي الإشراف على تأسيس جهاز الشرطة البديل بالتنسيق مع مصر والأردن، وتدريب وتأهيل عناصر شرطة "حماس" الخاضعين لتدقيق أمني صارم لتولي الأمن المدني.

وتتمثل المهمة الرابعة في حراسة ومراقبة الحدود البرية لقطاع غزة بالتنسيق المشترك مع الجانبين المصري والإسرائيلي، والخامسة في القيام بدور قوة الفصل والمراقبة لتثبيت وقف إطلاق النار، وتسلم أراضي غزة تدرجاً من إسرائيل وفق جداول زمنية مشروطة بمدى التقدم في ملف نزع السلاح.

الجغرافيا العسكرية

وافقت دول محدودة على الانضمام لقوة الاستقرار، وبحسب بيانات "مجلس السلام"، فإن إندونيسيا وافقت على إرسال لواء عسكري مدمج يراوح قوام عناصر مرحلته التنفيذية كاملة 8 آلاف جندي.

كذا وافق المغرب على توجيه لواء إسناد يتوقع أن يتراوح قوامه 2500 جندي وضابط تنسيق لمهمات مراقبة ممرات الفصل. أما كازاخستان فقررت إرسال كتيبة عسكرية متخصصة في أعمال الإسناد وحفظ الاستقرار تضم 800 عنصر لحماية القوافل الإنسانية.

جمهوريتا كوسوفو وألبانيا أمرتا وحدات صغيرة تقدر بعشرات الضباط المختصين ببدء تفعيل مركز التنسيق اللوجيستي. أما الولايات المتحدة فقررت خفض عدد أفرادها العسكريين العاملين في القوة من 190 فرداً إلى 40 فقط، يتركز دورهم في القيادة العليا والتوجيه الاستخباراتي لتجنب الصدام المباشر.

لا تسير القواعد المألوفة لبعثات حفظ السلام على قوة الاستقرار الدولية الخاصة في غزة، فلم تمنح خطة السلام والازدهار الأميركية منظمة الأمم المتحدة حق الإشراف اليومي.

تتبع القوة سياسياً وإدارياً لـ"مجلس السلام"، وتتحرك القوات الدولية كذراع تنفيذية قسرية لتطبيق خططه بعيداً من أروقة الأمم المتحدة، لكن تخضع التبعية العسكرية لقيادة أميركية إذ يتولى الجنرال جاسبر جيفيرز منصب القائد الأعلى للقوات الدولية، بينما جرى توزيع مقاعد القيادة الثانوية على إندونيسيا لتأخذ منصب نائب قائد قوة الاستقرار الدولية، وتتقاطع لجان التنسيق اليومي داخل قاعدة "إندورانس" بين ضباط ارتباط من مصر والمغرب لتأمين الممرات والحدود.

التمويل والتأمين

ولا تخضع الترتيبات المالية لقوة الاستقرار الدولية لتمويل الأمم المتحدة، بل يمولها صندوق استئماني طوعي تترأس إدارته وتشرف عليه الإدارة الأميركية بصورة مباشرة لحصر القرار.

وتمول قطر هذا الصندوق بتعهد مالي يبلغ مليار دولار أميركي لدمج عناصر القوة في غزة، وتتوزع مصارفه على نفقات تشغيل القواعد العسكرية والرواتب والتمويل المباشر لبناء مراكز الإيواء والمخيمات الحديثة في تل السلطان. بينما تتكفل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بتمويل الشق الأمني الخاص بشرطة التكنوقراط وتغطية نفقات معسكرات التدريب.

 

وللقوة الدولية حصانات وضمانات سيادية جرى تصميمها لحماية جنودها وآلياتها من أي استهداف أو ملاحقة، وتستمد شرعيتها من قرار مجلس الأمن 2803 الصادر تحت بند الفصل السابع للأمم المتحدة، الذي يمنحها صلاحية فرض الأمن والإشراف الصارم على حياة الغزيين.

ويتمتع كافة أفراد وضباط القوة الدولية بحصانة قانونية ودبلوماسية كاملة ومطلقة تمنع محاكمتهم أو توقيفهم أمام أي قضاء فلسطيني في حال حدوث اشتباكات ميدانية أو سقوط ضحايا مدنيين، وتظل الصلاحية القضائية حصرية بالمحاكم العسكرية للدول الأم.

أما عن الغطاء العسكري فقد جرى ربط قاعدة القوات الدولية بغرفة عمليات واستخبارات مشتركة مع القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي، حيث تلتزم تل أبيب بتوفير مظلة إسناد ناري ودعم عسكري تكتيكي سريع لحماية عناصر القوة الدولية إذا تعرضت لهجمات مسلحة تفوق قدرتها الدفاعية.

ارتدادات حرب إيران

في الحقيقة، كان للحرب الإقليمية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران وشبكتها من جهة أخرى، ارتدادات بعثرت الحسابات التشغيلية لقوة الاستقرار الدولية، إذ أفرزت الحرب أزمة دبلوماسية خانقة عطلت تدفق الجنود، وتجلى ذلك في قرار إندونيسيا التعليق الكامل لمشاركتها وتجميد محادثات النشر الميداني، مما أصاب مشروع القوة بالجمود.

وأشعلت المواجهات البحرية في مضيق هرمز وباب المندب أزمة طاقة عالمية استنزفت الموارد المالية للدول التي قررت إرسال جنودها، واستغلت القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي هذا التوتر لرفع جاهزيتها لاستئناف الحرب على غزة في غضون شهرين، بحجة تمسك الفصائل بترسانتها العسكرية، متخذة من تعطل انتشار القوات الدولية مبرراً لاستئناف القتال.

 

يقول الباحث السياسي مازن درابيه، إن "التباطؤ اللوجيستي الملحوظ في تدفق القوات المتعددة الجنسيات إلى حدود قطاع غزة، مقابل المسارعة في إرسال شحنات الآليات المصفحة إلى قاعدة (إندورانس) يعكس تحول القطاع من بؤرة الاهتمام الدولي الأول إلى ضحية مباشرة لارتدادات حرب إيران".

ويضيف "أدت التوترات العسكرية الكبرى واشتعال جبهات الإقليم إلى تشتيت الزخم الدبلوماسي وسرقة الأضواء وصرف أنظار واشنطن نحو مفاوضات الهدنة والملف النووي الإيراني، مما جعل تفاصيل الترتيبات الأمنية في غزة تتراجع في قائمة أولويات المجتمع الدولي".

ويوضح درابيه أن "الانكفاء الدولي دفع الدول إلى التمنع عن إرسال جنودها، وتجميد محادثات النشر الميداني، وبهذا دخل مشروع قوة الاستقرار الدولية في حال جمود تنفيذي وشلل تشغيلي".

رأي الشارع

مع اقتراب العربات المدرعة التابعة لقوة الاستقرار الدولية من التموضع الميداني حول المدن النموذجية في تل السلطان برفح، يعيش الشارع الغزي حالاً من التوجس، إذ أبدت الفصائل الفلسطينية موافقة مشروطة على نشر الجنود.

يقول المتحدث باسم حركة "حماس"، حازم قاسم "نأمل أن يشكل إعلان (مجلس السلام) عن بدء وصول القوات الدولية للانتشار في قطاع غزة، بداية لتطبيق المهمات المنوطة بها، والمتمثلة في الفصل بين أهلنا في القطاع والجيش الإسرائيلي، والعمل على وقف خروقاته المستمرة".

الرأي الشعبي بين أزقة الخيم يعكس انقساماً لدى الغزيين، يقول النازح راجي "نريد نهاية لهذه المقتلة بأي ثمن، إذا كانت هذه الجيبات الدولية ستضمن وقف القصف الإسرائيلي المباغت وتسمح بدخول المساعدات ومواد البناء الحقيقية من دون شروط مذلة، فأهلاً بها، لقد سئمنا العيش في الخيم والمقابر".

أما النازحة أمل فتقول "كل ما نخشاه أن تتحول هذه القوة الدولية بحصانتها وقيادتها الأميركية، إلى حارس يحمي إسرائيل وينوب عنها في قمعنا".

ويوضح الحاج إبراهيم أن "المشكلة تكمن في فخ التمويل المشروط، إنهم يريدون إجبارنا على الانتقال لمخيمات تل السلطان النموذجية للحصول على الإغاثة وحرمان مناطقنا المدمرة من الإعمار، هذا ليس استقراراً، هذه مقايضة لكرامتنا وسلاحنا مقابل لقمة العيش".

ويقول عبدالشافي "الآليات عند كرم أبو سالم تنذر بصدام وشيك، إذا حاولت القوات الدولية فرض نزع السلاح بالقوة من دون توافق وطني، ستنفجر غزة من جديد وسندخل في فوضى عارمة وحرب أهلية دموية تجعل هذه القوات مستهدفة بدلاً من أن تكون منقذة".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات