Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفقر يبتلع الطبقة الوسطى في إيران

باتت العودة إلى مستوى معيشة طبيعي حلماً بعيد المنال بالنسبة إلى الملايين

تبدو مظاهر الفقر والبؤس واضحة في مختلف مستويات المجتمع وقطاعاته، من المخابز إلى المستشفيات، ومن المدارس إلى الشوارع (أ ف ب)

ملخص

تشير التقارير والإحصاءات الصادرة من داخل إيران إلى أن ما كان يوصف خلال الأعوام الماضية بـ"الضائقة المعيشية" تحول اليوم إلى أزمة شاملة من البطالة والفقر والبؤس، لم تعد تقتصر على المناطق المحرومة أو الفئات الأقل دخلاً، بل امتدت لتشمل جزءاً كبيراً من الطبقة الوسطى.

عانى المجتمع الإيراني، على مدى قرابة خمسة عقود، ولا يزال، التضخم والبطالة والركود الاقتصادي والأزمات المعيشية المتلاحقة، إلا أن الأوضاع بلغت اليوم مرحلة تجاوز فيها الفقر حدود التحذير، ليتحول إلى واحدة من أخطر الأزمات الاجتماعية في البلاد. وقد دفع هذا الواقع شريحة واسعة من الطبقة الوسطى إلى ما دون خط الفقر، فيما باتت العودة إلى مستوى معيشة طبيعي حلماً بعيد المنال بالنسبة إلى ملايين الإيرانيين.

وفي ظل هذه الظروف، أصبح الحصول على وظيفة بدخل متوسط يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، أو استئجار مسكن مناسب، أو شراء سيارة عادية، أموراً أقرب إلى الأمنيات المستحيلة بالنسبة إلى كثير من الأسر.

وتشير التقارير والإحصاءات الصادرة من داخل إيران إلى أن ما كان يوصف خلال الأعوام الماضية بـ"الضائقة المعيشية" تحول اليوم إلى أزمة شاملة من البطالة والفقر والبؤس، لم تعد تقتصر على المناطق المحرومة أو الفئات الأقل دخلاً، بل امتدت لتشمل جزءاً كبيراً من الطبقة الوسطى، وتنعكس آثار هذه الأزمة على مختلف جوانب الحياة اليومية، من عائلات اضطُرت إلى تقليص عدد وجباتها الغذائية وخفض جودتها، إلى أشخاص أُجبروا على التخلي عن العلاج بسبب الكلف المرتفعة.

وفي ظل الواقع الراهن تحول التعليم وشراء الملابس إلى سلع كمالية يمكن الاستغناء عنها، وبات شراء سيارة مثل "برايد"، التي ظلت أعواماً أرخص سيارة في السوق الإيرانية قبل توقف إنتاجها، أمراً شبه مستحيل بالنسبة إلى عامل لا يتجاوز دخله الشهري 20 مليون تومان (133 دولاراً).

وتبدو مظاهر الفقر والبؤس واضحة في مختلف مستويات المجتمع وقطاعاته، من المخابز إلى المستشفيات، ومن المدارس إلى الشوارع. والأكثر إثارةً للقلق أن مؤشرات التحسن تكاد تكون معدومة، فيما تتجه الأوضاع نحو مزيد من التدهور يوماً بعد يوم، وكما يقول أحد أصحاب المتاجر في طهران إن "الإيرانيين يتقاضون دخولهم بالريال، لكنهم مضطرون إلى الإنفاق بالدولار".

وتظهر أحدث الأسعار المتداولة للسلع الأساسية في الأسواق أن الفجوة بين الدخل وكلف المعيشة بلغت مستويات غير مسبوقة، ففي وقت لا يتجاوز فيه دخل شريحة واسعة من العمال والموظفين 20 مليون تومان (133 دولاراً) شهرياً، أو يقل عن ذلك، بات تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية يشكل تحدياً حقيقياً لكثير من الأسر.

ففي الأسواق اليوم، يبلغ سعر كيلوغرام لحم البقر نحو مليون و900 ألف تومان (12.7 دولار)، فيما يتجاوز سعر كيلوغرام لحم الغنم مليونين و100 ألف تومان (14 دولاراً)، وارتفع سعر كيلوغرام أرز "طارم" إلى نحو 540 ألف تومان (3.6 دولار)، في حين يُباع طبق البيض بأكثر من 550 ألف تومان (3.7 دولار)، ووصل سعر عبوة الزيت النباتي شبه الصلب زنة 5 كيلوغرامات إلى نحو مليونين و850 ألف تومان (19 دولاراً)، بينما بلغ سعر ليتر الحليب كامل الدسم المعبأ 145 ألف تومان (دولار واحد). وحتى السلع التي كانت تُعد في السابق بديلاً غذائياً أقل كلفة لم تعد في متناول كثر، إذ تراوح سعر كيلوغرام اللوبيا المرقطة والحمص والبازلاء الصفراء ما بين 530 و550 ألف تومان (3.5 و3.7 دولار).

وتعكس هذه الأرقام الحد الأدنى للأسعار المسجلة في الأسواق، فيما تشير المعاينات الميدانية إلى أن أسعار هذه السلع تطرح في بعض المدن والمتاجر بمستويات أعلى من ذلك.

ويظهر احتساب كلفة الوجبات الغذائية وفق هذه الأسعار أن أطباقاً بسيطة وشائعة، مثل العجة أو المعكرونة أو أرز البقوليات، بات إعدادها يكلف ما بين نصف مليون ومليون تومان (3.3 إلى 6.7 دولار).

وفي ظل هذه الأسعار، تضطر الأسرة المكونة من أربعة أفراد إلى تخصيص الجزء الأكبر من دخلها الشهري لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، من دون احتساب كلف السكن والمياه والكهرباء والغاز والنقل والعلاج والتعليم والملابس، بل إن كثيراً من الأسر باتت مضطرة إلى تقليص إنفاقها على الغذاء والملبس لتتمكن من دفع الإيجار وتسديد الفواتير.

وبعبارة أخرى، يفضل كثير من الإيرانيين اليوم الاستغناء عن اللحوم ومنتجات الألبان والملابس، بل وحتى بعض النفقات العلاجية، مقابل المحافظة على قدرتهم على دفع إيجار المسكن وتجنب التشرد، ومع ذلك، فإن هذا الخيار يفقد فاعليته تدريجاً. ووفقاً لشهادات وتقارير متداولة، اضطُرت أعداد متزايدة من الأزواج الشبان خلال العامين الأخيرين إلى الانتقال إلى ضواحي المدن أو العودة إلى منازل ذويهم، بعدما عجزوا عن تحمل أعباء الإيجارات المرتفعة.

موجة متصاعدة من فقدان المساكن

يقول أحد سكان طهران لـ"اندبندنت فارسية" إنه ضمن دائرة معارفه، ما لا يقل عن ثلاثة أزواج فقدوا منازلهم واستقرارهم المعيشي خلال العامين الماضيين، وبحسب روايته، انتهت حياة زوجين إلى الانفصال بسبب العجز عن تحمل النفقات وأعباء الإيجار، فيما اضطر زوج ثالث إلى بناء وحدة سكنية صغيرة في فناء منزل العائلة القديم لمواصلة حياته.

من جهتها، تحدثت صحيفة "شرق" في أحد تقاريرها عن تغيّر أنماط حياة المستأجرين وأسر الطبقة الوسطى، مشيرة إلى أن بعض الأفراد باتوا يلجأون إلى خيارات مثل السكن المشترك، أو العودة إلى منزل الوالدين، أو الانتقال إلى مدن أخرى، في محاولة للتكيف مع ارتفاع كلف السكن.

وذكر التقرير حال امرأة تبلغ من العمر 45 سنة، أمضت أكثر من عقدين من حياتها مستقلة في طهران، لكنها أصبحت تبحث عن شريكة للسكن لتقاسم أعباء الإيجار، وأشار إلى شقيقين يبلغان 35 سنة، عاشا معاً أعواماً، وأصبحا اليوم يبحثان عن شخص ثالث للمشاركة في دفع كلف السكن.

ونقلت الصحيفة أيضاً رواية امرأة تدعى هانية، قالت إنها تفكر في العودة إلى منزل والدتها بعد ثمانية أعوام من الاستقلال والسكن في منطقة أكباتان بطهران، وذلك نتيجة ارتفاع كلف المعيشة وتراجع فرص العمل، وأضافت "فكرت كثيراً في الأمر، ووجدت أنه لم يعد أمامي خيار سوى العودة إلى منزل والدتي"، وأوضحت أن هذا القرار يعني نقل ابنها إلى مدرسة أخرى وتحمل مشقة التنقل اليومي، لكنها لا ترى بديلاً آخر يضمن استمرار حياتها في الظروف الحالية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي جزء آخر من التقرير تحدثت امرأة تدعى سحر عن قرارها مغادرة طهران بعد 26 عاماً من الإقامة في العاصمة، وبعدما اضطُرت في سن الـ44 إلى العودة إلى مدينة كاشان، قالت "أن أستيقظ في منتصف العمر لأجد أن الضائقة الاقتصادية وارتفاع الإيجارات أجبراني على العودة إلى مدينتي، يعد بالنسبة إليَّ فشلاً كبيراً"، وأضافت أن الارتفاع المستمر في كلف الحياة وتراجع فرص العمل جعلا البقاء في طهران أمراً غير ممكن.
ويرى عالم الاجتماع عبدالوهاب شهلي بر أن "عودة الأفراد إلى منازل ذويهم لا تمثل مجرد مشكلة اقتصادية، بل قد تفضي أيضاً إلى إضعاف الهوية الشخصية والاستقلال الفردي"، ويشير إلى أنه "في ظل تحول السعي إلى تحسين مستوى المعيشة إلى مجرد محاولة للبقاء، فإن ظواهر مثل السكن المشترك، والعودة إلى منزل الوالدين، والهجرة القسرية إلى مدن أصغر، مرشحة للتوسع أكثر خلال الأعوام المقبلة".

مؤشر البؤس يتجاوز 61 في المئة

وفقاً لبيانات مركز الإحصاء الإيراني، بلغ مؤشر البؤس في إيران، وهو المؤشر الذي يُحتسب من خلال جمع معدلي التضخم والبطالة ويعكس مستوى الضغوط الاقتصادية الواقعة على حياة المواطنين، نحو 61.3 في المئة.

وعلى مستوى المحافظات، سجلت كردستان أعلى معدل لمؤشر البؤس بنسبة بلغت 77 في المئة، تلتها كرمانشاه بنسبة 75 في المئة، ثم لرستان بنسبة 74.4 في المئة. وحتى محافظة طهران، التي جاءت في المرتبة الأدنى ضمن هذه الإحصاءات، سجلت مؤشراً بلغ 51.3 في المئة، وهو ما يعكس اتساع نطاق الأزمة المعيشية في مختلف أنحاء البلاد.

غير أن ما يثير القلق أكثر من هذه الأرقام هو الفجوة بين الإحصاءات الرسمية والواقع اليومي الذي يعيشه المواطنون. وتتجلى ملامح هذه الأزمة في طوابير المخابز الطويلة، والزيادة الملحوظة في أعداد المحتاجين الذين يقصدون المراكز العلاجية والمؤسسات الخيرية، في وقت يجد فيه كثير من الإيرانيين أنفسهم عالقين على الخط الفاصل بين البقاء وفقدان المأوى.

وفي المقابل، يواصل النظام الإيراني، تحت شعار "الدفاع عن حقوق الشعب الإيراني"، إنفاق الأموال على توسيع نطاق نفوذه في المنطقة والعالم، فيما تُحمَّل كلفة سياساته وصراعاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل للمواطن الإيراني الذي يدفع ثمنها من معيشته اليومية.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير