Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انفلات السيولة في إيران والتضخم يدفع الثمن

قفزة قياسية في المعروض النقدي وسط عجز الموازنة واستمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات ومحللون يحذرون

ارتفعت القاعدة النقدية بنسبة 61.5% لتتجاوز 14.6 مليار دولار (أ ف ب)

ملخص

أظهرت بيانات البنك المركزي الإيراني ارتفاع السيولة النقدية والقاعدة النقدية إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل عجز مالي متفاقم وتوسع في طباعة النقود.

ارتفع حجم السيولة النقدية بنسبة 53.3 في المئة مقارنة بنهاية عام 2025، ليصل إلى نحو 15 ألفاً و581 ألف مليار تومان (103.8 مليار دولار).أظهرت البيانات التي نشرها البنك المركزي الإيراني عن مارس (آذار) الماضي صورة غير مسبوقة لوضع المتغيرات النقدية في البلاد، إذ تكشف الأرقام المنشورة أن حجم السيولة النقدية والقاعدة النقدية سجلا، في نهاية العام الماضي، مستويات قياسية جديدة.

وبحسب هذه البيانات، ارتفع حجم السيولة النقدية بنسبة 53.3 في المئة مقارنة بنهاية عام 2025، ليصل إلى نحو 15 ألفاً و581 ألف مليار تومان (103.8 مليار دولار).

وارتفعت القاعدة النقدية بنسبة 61.5 في المئة، لتتجاوز ألفين و196 ألف مليار تومان (14.6 مليار دولار)، وهي أرقام غير مسبوقة منذ بداية سبعينيات القرن الماضي.

وفي تفسير هذه التطورات، عزا البنك المركزي جزءاً من ارتفاع القاعدة النقدية إلى تغيير سعر إعادة تقييم الأصول الأجنبية، والظروف الاقتصادية الخاصة التي شهدها عام 2025، وتلبية الحاجات المالية للحكومة، إضافة إلى تداعيات حرب الأيام الـ12 والحرب الأخيرة والتطورات الأمنية.

مع ذلك، يرى اقتصاديون أنه، بغض النظر عن العوامل الظرفية، فإن تسجيل هذه المستويات يعكس استمرار نمط تشكل خلال الأعوام الماضية في الاقتصاد الإيراني، إذ أصبح النمو المتواصل في السيولة النقدية والقاعدة النقدية إحدى السمات المستقرة لهذا الاقتصاد.

ويقول متخصصون إن زيادة السيولة قد تعوض، على المدى القصير، جانباً من نقص الموارد المالية لدى الحكومة أو الشبكة المصرفية، لكنها على المديين المتوسط والبعيد، إذا لم تترافق مع نمو الإنتاج وتمويل الموازنة السنوية من إيرادات حقيقية للدولة، فلن تؤدي إلا إلى مزيد من التضخم، وتعميق الركود، وارتفاع المستوى العام للأسعار، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وتفاقم الضبابية الاقتصادية.

ومن هنا، فإن الأرقام القياسية الجديدة في المؤشرات النقدية لا تمثل مجرد بيانات اقتصادية، بل تعد مؤشراً على تعمق المشكلات البنيوية في الاقتصاد الإيراني.

عقد من النمو المتسارع للسيولة النقدية

تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي الإيراني أن نمو السيولة النقدية ظل مرتفعاً على الدوام، إلا أن وتيرته تسارعت بصورة ملحوظة خلال العقد الماضي.

ففي الأعوام الأولى من العقد الماضي (2010)، تراوح معدل نمو السيولة النقدية ما بين 20 و30 في المئة، غير أنه دخل مرحلة جديدة اعتباراً من عام 2018، بالتزامن مع عودة العقوبات الأميركية، وتراجع الإيرادات النفطية، والقفزة الكبيرة في سعر الصرف، واتساع عجز الموازنة.

وفي عام 2014، بلغ معدل نمو السيولة النقدية في إيران 22.3 في المئة، وهو مستوى اعتبر متوازناً نسبياً في ضوء الظروف الاقتصادية آنذاك، وجاء نتيجة بعض سياسات إدارة القطاع المصرفي التي اتبعت خلال عامي 2012 و2013.

وفي عام 2015، ارتفع معدل النمو إلى 30 في المئة، مسجلاً زيادة ملحوظة مقارنة بالعام السابق، وهو ما عزاه التقرير إلى عوامل عدة، من أبرزها المتغيرات السياسية.

وفي عام 2016، تراجع معدل نمو السيولة إلى 23.2 في المئة، واستمر هذا الانخفاض خلال عام 2017 ليصل إلى 22.1 في المئة.

غير أن أول مؤشرات موجة التوسع الجديدة في السيولة النقدية ظهرت عام 2018، عندما ارتفع معدل النمو إلى 23.1 في المئة، إلا أن الصدمة الحقيقية جاءت عام 2019، إذ قفز المعدل إلى 31.3 في المئة، قبل أن يبلغ ذروته عام 2020 مسجلاً 40.6 في المئة، وهو أعلى معدل نمو للسيولة.

وعلى رغم تسجيل تراجع محدود بنسبة نقطة مئوية واحدة في معدل نمو السيولة خلال عام 2021، أعقبه انخفاض بنحو ثماني نقاط مئوية عام 2022، فإن عدداً من الخبراء شككوا في دلالة هذا التراجع، إذ تشير البيانات الرسمية في الوقت نفسه إلى أن إجمال السيولة النقدية ارتفع في نهاية عام 2022 بنسبة 31.1 في المئة مقارنة بالعام السابق، متجاوزاً 6 آلاف و337 ألف مليار تومان (42.2 مليار دولار).

ومن المؤشرات اللافتة أيضاً ارتفاع حصة النقود من إجمال السيولة إلى 25.71 في المئة، وهو أعلى مستوى يسجل خلال 11 عاماً، وبلغ حجم النقود المتداولة في نهاية عام 2022 نحو ألف و629 ألف مليار تومان (10.9 مليارات دولار)، مسجلاً نمواً قياسياً بلغ 65.2 في المئة مقارنة بالعام السابق.

وتظهر مراجعة هذا المسار الممتد لعقد كامل أن إجمال السيولة النقدية في إيران، الذي بلغ نحو ألفي ألف مليار تومان (13.3 مليار دولار) بنهاية عام 2018، ارتفع إلى قرابة 10 آلاف ألف مليار تومان (66.7 مليار دولار)، بحلول نهاية فبراير (شباط) 2025، ثم تجاوز 15 ألف ألف مليار تومان (100 مليار دولار)، بعد عام واحد وحسب، ويعني ذلك أن الاقتصاد الإيراني أنتج، خلال سبعة أعوام وحسب، سيولة نقدية جديدة تجاوزت سبعة أضعاف مستواها السابق.

السيولة النقدية والتضخم... مؤشران واصلا الصعود معاً

تكشف مسيرة الاقتصاد الإيراني خلال العقد الأخير أن الارتفاع في السيولة النقدية وتصاعد معدلات التضخم سارا بصورة متوازية إلى حد كبير.

وعلى رغم وجود تباين بين الاقتصاديين في شأن حجم التأثير المباشر لنمو السيولة في التضخم، فإن معظمهم يتفقون على أن زيادة المعروض النقدي بوتيرة تفوق بكثير نمو الإنتاج تنتهي، في نهاية المطاف، إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

وخلال الأعوام الأولى من عقد 2010، تراجع معدل التضخم لفترة عقب التوصل إلى الاتفاق النووي، بل انخفض إلى مستوى أحادي الرقم عام 2016. إلا أن عودة العقوبات الأميركية عام 2018، إلى جانب القفزة في سعر الصرف واتساع عجز الموازنة، أعادت التضخم إلى مساره التصاعدي، بالتزامن مع تسارع نمو السيولة النقدية التي تجاوزت تدرجاً معدلات 30 و40 في المئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتبرز المقارنة بين معدل التضخم السنوي البالغ 5.6 في المئة في ديسمبر (كانون الأول) 2016، وبين معدلات التضخم التي تجاوزت 40 في المئة خلال الأعوام الأخيرة، وصولاً إلى 62 في المئة في يونيو (حزيران) الجاري، حجم الفجوة الكبيرة التي شهدها الاقتصاد الإيراني خلال أقل من عقد.

ويرى كثير من الاقتصاديين أنه حتى وإن لم تتحول زيادة السيولة النقدية إلى تضخم بصورة فورية على المدى القصير، فإن استمرار نمو القاعدة النقدية والسيولة في اقتصاد محدود الإنتاج وإيرادات الدولة ينعكس حتماً في ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وانخفاض القدرة الشرائية للأسر، وهي ظواهر أصبحت ملموسة بوضوح في الاقتصاد الإيراني خلال الأعوام الأخيرة.

ويؤيد مسؤولون في البنك المركزي الإيراني هذا الطرح، فقد اعتبر المدير العام للسياسات الاقتصادية في البنك، في تصريحات أدلى بها أخيراً، أن غياب الانضباط المالي واستمرار نمو السيولة النقدية يمثلان العاملين الرئيسين وراء تفاقم التضخم في البلاد، مؤكداً أن كبح التضخم يتطلب التزام جميع مؤسسات صنع القرار بالحد من نمو السيولة.

في المقابل، أقر جعفر مهدي زاده بأن تداعيات الحربين الأخيرتين لم تترك أمام البنك المركزي خياراً سوى التوسع في طباعة النقود لتغطية عجز الموازنة.

وقال "شهد عام 2025 تطورات جديدة، إذ أدى اندلاع حربين مفروضتين، الأولى حرب الأيام الـ12 في يونيو 2025، والثانية حرب رمضان في أواخر فبراير الماضي، إلى ارتفاع حاد في معدل نمو السيولة النقدية".

عجز الموازنة واختلالات المصارف وخلق النقود

تتباين آراء الاقتصاديين في شأن أسباب النمو المتسارع للسيولة النقدية، إلا أنهم يكادون يجمعون على أن الاقتصاد الإيراني يعاني اختلالات هيكلية عميقة. فبينما يرى فريق أن عجز الموازنة يمثل العامل الرئيس وراء توسع القاعدة النقدية، ويؤكد أن عجز الحكومة عن تمويل نفقاتها من إيرادات مستدامة يدفعها إلى تحميل البنك المركزي والجهاز المصرفي أعباء هذا العجز، يشدد فريق آخر على دور اختلالات القطاع المصرفي، وارتفاع مديونية البنوك للبنك المركزي، وزيادة الأصول الأجنبية للبنك المركزي، إلى جانب تقلبات سوق الصرف، بوصفها عوامل رئيسة في نمو السيولة.

وعلى رغم اختلاف التفسيرات، يتفق معظم المحللين على نقطة أساسية، وهي أن الارتفاع الكبير في السيولة النقدية يصبح أكثر خطورة عندما لا يترافق مع نمو في الإنتاج والاستثمار.

ففي هذه الحالة، تتجه الأموال الجديدة إلى أسواق العملات الأجنبية والذهب والعقارات والأصول الاستثمارية، بدلاً من القطاعات الإنتاجية، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار واندلاع موجات تضخمية متتالية.

ويعد غياب الاستقلال الفعلي للبنك المركزي من القضايا التي تكررت باستمرار خلال العقدين الماضيين في التقارير الاقتصادية وخطط التنمية وآراء الخبراء. ففي معظم اقتصادات العالم، تتمثل المهمة الأساسية للبنك المركزي في الحفاظ على قيمة العملة الوطنية والسيطرة على التضخم، ولا تملك الحكومات حرية اللجوء إلى موارده بسهولة لتمويل عجز الموازنة.

وفي هذا السياق، يرى المدير العام السابق للإشراف على البنوك والمؤسسات الائتمانية في البنك المركزي الإيراني حسن معتمدي، أن البنك المركزي في إيران لا يتمتع باستقلالية كاملة، وأن مستوى الاستقلالية المعمول به في كثير من الدول غير متوافر في الحالة الإيرانية. وأوضح أن الحكومات، كلما واجهت عجزاً في الموازنة خلال العقد الأخير، لجأت، بدلاً من خفض الإنفاق، إلى خلق النقود عبر الضغط على البنك المركزي، مما أدى، بحسب قوله، إلى تفاقم التضخم ووصوله إلى مستويات جامحة.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد