Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شرق المتوسط... واشنطن وإعادة تشكيل موازين الطاقة والنفوذ

تحالف "3+1" يدشن إطاراً مؤسسياً جديداً يعزز النفوذ الأميركي في المنطقة وسط رهانات على مشاريع الربط الإقليمي ودور للقاهرة يصعب تجاوزه

يعيد شرق المتوسط بهدوء تموضعه من منطقة حدودية للطاقة إلى ممر استراتيجي للبنية التحتية (أ ف ب)

ملخص

يقول مراقبون في واشنطن إنه من خلال شراكة مركز طاقة شرق المتوسط، يعيد شرق المتوسط بهدوء تموضعه من منطقة حدودية للطاقة إلى ممر استراتيجي للبنية التحتية يربط أوروبا والخليج ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقد يشكل هذا التحول ملامح المنطقة لفترة طويلة بعد انحسار النقاشات حول خطوط الأنابيب. فبالنسبة إلى الولايات المتحدة إن هذا التحالف يمثل ضرورة استراتيجية ويعزز الروابط مع الشركاء في الخليج ومصر، إذ لم تعد منطقة شرق المتوسط ​​مجرد ممر عبور، بل أصبحت وجهة استراتيجية.

قبل أسابيع قليلة، دشن تحالف (3+1) الذي يضم اليونان وقبرص وإسرائيل إضافة إلى الولايات المتحدة، "مركز طاقة شرق المتوسط" التابع لـ"معهد بيكر للسياسات العامة" بـ"جامعة رايس" في هيوستن، وهي مبادرة جديدة تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة والتعاون الدولي، مستندة إلى "قانون الشراكة في مجال الأمن والطاقة في شرق المتوسط" لعام 2019 الذي وقعته الدول الأربع للتعاون في مجال الطاقة، بعيد اكتشافات الطاقة الهائلة في شرق المتوسط خلال العقد الماضي.

وعلى خلاف كثير من المبادرات السياسية الإقليمية التي تظهر وتختفي، يؤسس "مركز طاقة شرق المتوسط" لآلية مؤسسية دائمة تربط بين الحكومات والمؤسسات البحثية والمستثمرين وشركات الطاقة، كما أن المركز يجمع تحت مظلة واحدة تطوير الغاز الطبيعي وبنية الغاز الطبيعي المسال الأميركية وأمن خطوط نقل الطاقة وحماية البنى التحتية الحيوية. 

ويكتسب اختيار مدينة هيوستن التي تُعد المركز العالمي لصناعة الطاقة، مقراً للمركز أهمية خاصة. فوفق مراقبين، يقترن هذا المركز بالدخول الأميركي المتزايد في مجال الطاقة شرق المتوسط وخلق إطار أكثر تنظيماً للتعاون بين كل من قبرص واليونان وإسرائيل ومصر والشركاء الإقليميين في وقت يشهد أمن الطاقة الأوروبي تحديات متزايدة بدأت مع حرب روسيا وأوكرانيا وتعمقت مع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، مما يطرح سؤالاً أساساً حول تأثير هذا التعاون في إعادة صياغة موازين القوى وامتداد الدور الأميركي في شرق المتوسط. 

شرق المتوسط ​​مسرح موحد

خلال الأعوام الأخيرة، كثفت الولايات المتحدة انتظامها في ملف الطاقة بمنطقة شرق البحر المتوسط، واتسم هذا الانتظام بطابع مزدوج، فهو ضيق النطاق أحياناً عبر السعي إلى دفع مشاريع أو صفقات محددة، وواسع النطاق أحياناً أخرى عبر محاولة إعادة صياغة العلاقات مع دول المنطقة. كذلك، شملت هذه الجهود مسارات ثنائية ومتعددة الأطراف، وشاركت فيها السلطة التنفيذية والكونغرس على حد سواء. 

وتركز الولايات المتحدة استثماراتها الحالية في المنطقة بصورة كبيرة على مشاريع الربط الإقليمي، بما في ذلك "مبادرة البنية التحتية العالمية للاستدامة" و"الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" الذي يهدف إلى تطوير روابط النقل والروابط الرقمية وروابط الطاقة بين الهند والخليج وإسرائيل وأوروبا، وصادقت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي في الـ17 من يونيو (حزيران) الماضي، على "قانون بوابة شرق المتوسط" المتعلق بالمشروع. وتتماشى كلتا المبادرتين بصورة وثيقة مع هدف إطار "3+1" المتمثل في تعزيز الربط الإقليمي. 

بالنسبة إلى واشنطن، يوفر هذا الإطار شبكة مستقرة من الشركاء الإقليميين في ظل تزايد حال عدم اليقين. أما بالنسبة إلى قبرص واليونان، فيمنحهما أهمية استراتيجية تتجاوز حجمهما. وبالنسبة إلى إسرائيل، يعزز التكامل الاقتصادي مع المناطق المجاورة على رغم التحديات الأمنية المستمرة. لذا، قد يكتسب "مركز طاقة شرق المتوسط" ​​أهمية بالغة، ليس بسبب مشروع محدد، بل لأنه يعكس تحولاً أوسع نطاقاً جارياً بالفعل. ويقول مراقبون في واشنطن إنه من خلال شراكة مركز طاقة شرق المتوسط، يعيد شرق المتوسط بهدوء تموضعه من منطقة حدودية للطاقة إلى ممر استراتيجي للبنية التحتية يربط أوروبا والخليج ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومن المحتمل أن يشكل هذا التحول ملامح المنطقة لفترة طويلة بعد انحسار النقاشات حول خطوط الأنابيب.

ويقول المدير التنفيذي لمنتدى الشرق الأوسط في واشنطن غريغ رومان إنه بالنسبة إلى الولايات المتحدة فإن هذا التحالف يمثل ضرورة استراتيجية ويعزز الروابط مع الشركاء في الخليج ومصر، إذ لم تعُد منطقة شرق المتوسط ​​مجرد ممر عبور، بل أصبحت وجهة استراتيجية. وفي وقت تضطلع القوات الأميركية بمسؤوليات عالمية، تبرز أهمية الحلفاء في هذه المنطقة، "إذ توفر اليونان بنية تحتية حيوية في خليج سودا وألكسندروبولي لتعزيز النفوذ الغربي، بينما تقدم إسرائيل قدرات استخباراتية لا تضاهى وابتكارات تكنولوجية وجيشاً أثبت كفاءته القتالية ليكون أداة الردع الأكثر فاعلية في المنطقة ضد التهديدات المشتركة. كما حولت قبرص نفسها إلى شريك أمني لا غنى عنه من خلال مبادرات مثل برنامج "سيكلوبس"(Cyclops) الذي يركز على أمن الموانئ ومكافحة الإرهاب والكشف عن التهديدات الكيماوية والبيولوجية والإشعاعية"، مشيراً إلى تغير الحسابات الاستراتيجية إذ بات يتعين على الغرب النظر إلى شرق المتوسط ​​على أنه مسرح موحد تتوافق فيه المصالح الأميركية مع مصالح هؤلاء الحلفاء.

وتظل الأبعاد الاقتصادية لهذا التحالف حيوية، فمن شأن خط أنابيب "إيست ميد" المقترح أن ينقل الغاز الطبيعي من الحقول الإسرائيلية والقبرصية إلى الأسواق الأوروبية عبر اليونان، مما يقلل الاعتماد على الطاقة الروسية. كما سيعمل مشروع "الربط الكهربائي البحري الكبير" على ربط شبكات الكهرباء، منهياً بذلك العزلة الطاقية لكل من قبرص وإسرائيل. لكن بحسب رومان فإن هذه المشاريع تواجه تهديدات تراوح ما بين التوغلات البحرية التركية والهجمات السيبرانية. لذا فمن خلال تحالف رسمي يحظى بدعم أميركي، يمكن لهذه الدول توفير المظلة الأمنية اللازمة للاستثمارات الخاصة، إذ تمتلك شركات الطاقة الأميركية مثل "شيفرون" و"إكسون موبيل" مصالح كبيرة في التطورات الإقليمية التي تتطلب حماية عبر أطر مؤسسية، بدلاً من الاعتماد على الدبلوماسية الشخصية. ويشير الباحث الأميركي في هذا الصدد إلى التعاون العسكري بين تلك الدول، إذ يشكل سلاح الجو الإسرائيلي، مقترناً بالقدرات البحرية اليونانية المتنامية والمقاتلات الحديثة، قوة ردع هائلة، بينما توفر قبرص معلومات استخباراتية لا تقدر بثمن بفضل موقعها الاستراتيجي. فالعمل بصورة منفردة ينهك موارد هذه الدول، في حين يتيح التحالف الدائم تنسيق الجهود وتقاسم الأعباء، مما يعظم القدرات المتاحة.

ومن الممكن أيضاً أن يدخل الذكاء الاصطناعي ضمن هذه المعادلة، نظراً إلى أن مراكز البيانات القائمة على تقنيات الذكاء الاصطناعي تتطلب قدرات هائلة ومستقرة من الطاقة الكهربائية. وتعمل دول مثل اليونان وقبرص وإسرائيل بصورة متزايدة على ترسيخ مكانتها كبوابات رقمية مستقبلية تربط بين القارات، إذ قد تكتسب الكابلات البحرية وشبكات الربط الكهربائي في نهاية المطاف أهمية استراتيجية تضاهي أهمية خطوط الأنابيب. وفي الوقت نفسه، تواصل التوترات الإقليمية إعادة تشكيل الحسابات، فقد كشفت الأزمة الإيرانية الأخيرة عن هشاشة مسارات الشحن والطاقة العالمية، في حين أثرت الاضطرابات في شرق المتوسط ​​في عمليات إنتاج الغاز وتصديره، مما يعزز الحجة الداعية إلى تنويع ممرات البنية التحتية التي تربط أوروبا بمنطقتي الخليج وآسيا.

مصر ركيزة لإعادة التصدير

وفي حين يتساءل بعضهم عن موقف "منتدى غاز شرق المتوسط" الذي يجمع مصر وإسرائيل والأردن ولبنان وقبرص واليونان وإيطاليا في إطار التعاون الإقليمي في مجال الطاقة ووضع السياسات، يشير مراقبون إلى أن "مركز طاقة شرق المتوسط" يمكن أن يكون تكاملياً من خلال التنفيذ وتحقيق الاستثمارات اللازمة للمشاريع التي تسعى إليها دول "منتدى شرق المتوسط".  ويسلط المراقبون الضوء في هذا الصدد على استمرار مصر كركيزة في مجال الطاقة باعتبارها المسار التصديري الأكثر جدوى. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع أن مصر ليست عضواً في هذا الإطار، ولكن بصفتها مركز التصدير الرئيس في المنطقة، فإنها تكتسب أهمية متزايدة في استغلال احتياطات الغاز الإقليمية. فيشير تقرير لدورية "ميس" إلى أن مصر هي الوجهة الرئيسة لصادرات الغاز الإسرائيلي التي من المتوقع أن تتجاوز ملياري قدم مكعبة يومياً في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، كما أنها تبرز كقناة لصادرات الغاز القبرصي المخطط لها. وتوفر سوق الغاز المحلية الضخمة في مصر، وبنيتها التحتية القائمة لتصدير الغاز الطبيعي المسال قرب إسرائيل وقبرص، المسار الأنسب والأكثر فاعلية من جهة الكلفة للبلدين لتحقيق عائدات من احتياطاتهما، وإن كانت هناك ضغوط تتمثل في تزايد الطلب المحلي في مصر مما يشكل عقبة، إذ يفرض هذا الطلب على البلاد الموازنة بين ضمان أمن الطاقة المحلي وأهداف التصدير. وعلى رغم امتلاك مصر لمحطتي تسييل الغاز الوحيدتين في منطقة شرق المتوسط، وهي ميزة في البنية التحتية تجعلها شريكاً ضرورياً لكل من إسرائيل وقبرص، فإن الارتفاع المتسارع في الاستهلاك الداخلي كثيراً ما أدى إلى تحويل إمدادات الغاز بعيداً من مرافق التصدير.

حقائق تجارية وتوترات جيوسياسية

وعلى رغم الآفاق التي يعد بها التعاون الرباعي، فإن مراقبين في قبرص لا يتوقعون استفادة استثمارية كبيرة، فيقول محلل الطاقة شارالامبوس إليناس إن الحقائق التجارية، وليس الجغرافيا السياسية، هي التي ستحدد مصير مشاريع الهيدروكربون في قبرص، محذراً من أن الخطط الحالية لتصدير الغاز إلى مصر لن تدر على قبرص سوى "أرباح شبه معدومة". وخلال تصريحات إلى وكالة الأنباء القبرصية، أوضح أن التعاون بين قبرص واليونان وإسرائيل والولايات المتحدة حول قضايا الطاقة الإقليمية يحمل فوائد سياسية، لكنه لا يحل التحديات المالية التي تواجهها قبرص في استغلال احتياطاتها من الهيدروكربونات.

وفي حين وصف إليناس التعاون الرباعي بأنه مهم، لكنه حذر من المبالغة في تقدير تأثيره، وقال إنه "تطور مهم، لكن يجب أن نكون حذرين للغاية في كيفية تفسيره وما نتوقع أن يحققه". ووصف المبادرة بأنها "تطور سياسي إيجابي" يقرّب قبرص واليونان وإسرائيل ومصر من التعاون مع الولايات المتحدة، مضيفاً أن زيادة الانتظام الأميركي في المنطقة أمر مفيد.

وعلى رغم المكاسب السياسية، أشار إليناس إلى أن القرارات المتعلقة بتطوير قطاع الهيدروكربون في قبرص تعود في المقام الأول لشركات الطاقة، وتستند كلياً تقريباً إلى معايير تجارية لا سياسية، قائلاً "إذا لم تكُن المشاريع مجدية اقتصادياً، وإذا لم تكُن العوائد عند مستوى توقعات الشركات، فلن تمضي الاستثمارات قدماً".

كذلك، تمثل التوترات الجيوسياسية في المنطقة تحدياً لشراكات الطاقة في شرق المتوسط، إذ إن إضفاء الطابع الرسمي على التحالف ينطوي على أخطار بتصعيد التوترات مع تركيا التي تشكو إقصاءها من موارد الغاز شرق المتوسط، زاعمة أن لها حقوقاً بحرية في المنطقة. ووفق مراقبين فإن المركز ينقل نظام الطاقة الإقليمي من الاتفاقات الثنائية التي تستطيع تركيا معارضتها، إلى آليات مؤسسية متعددة الأطراف. 

ويعمل حزب العدالة والتنمية الحاكم على إعداد تشريع من شأنه أن يتيح للرئيس إعلان منطقة اقتصادية خالصة تمتد حتى 200 ميل بحري انطلاقاً من السواحل التركية، مما يمنح أردوغان صلاحية تأكيد الحقوق التركية في المناطق المتنازع عليها مع اليونان وقبرص، وسط تحذيرات غربية من تصعيد خطر يزعزع أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي. والعام الماضي، أرسلت تركيا سفناً حربية لمنع سفينة مسح إيطالية تنفذ أبحاثاً في إطار مشروع الربط الكهربائي بين اليونان وقبرص المعروف باسم "الربط البحري العظيم"، لربط شبكات الكهرباء في أوروبا بقبرص الذي من المفترض أن يكون الخط الأطول في العالم، إذ سيبلغ طوله 1240 كيلومتراً. 

وتشعر أنقرة بتهميش متزايد من مشاريع الطاقة في المنطقة، بما في ذلك الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بدول الخليج عبر خطوط السكك الحديد وصولاً إلى ميناء حيفا الإسرائيلي، واتخاذ الطريق بحراً إلى الأسواق الأوروبية عبر ميناء بيرايوس اليوناني، في حين تسعى تركيا إلى تأسيس مشروع منافس يمر من العراق وتركيا وصولاً إلى أوروبا باسم "مشروع طريق التنمية".

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل