ملخص
أجرت القيادة السورية سلسلة تعيينات أمنية جديدة تهدف إلى تعزيز عمل الاستخبارات وتحسين الأداء الأمني في البلاد، وذلك بعد التفجيرات التي جرت في دمشق تزامناً مع زيارة رسمية أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا الأسبوع الماضي.
في تطور لافت داخل المنظومة الأمنية بدمشق، أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع سلسلة تعيينات جديدة شملت كبار المسؤولين الأمنيين في الحكومة الموقتة. ومن الأسماء الجديدة البارزة، نجد اللواء عبدالقادر طحان المُعين رئيساً للإدارة العامة للاستخبارات خلفاً للواء حسين سلامة الذي عُين رئيساً لجهاز الأمن القومي.
يأتي ذلك وسط اهتمام بالغ لدى السلطات السورية الجديدة بتطوير أداء الاستخبارات السورية، وزيادة وتيرة التأهيل في الوسط الأمني وصولاً إلى إنشاء كلية أكاديمية متخصصة بالعلوم الأمنية بهدف تخريج كفاءات في سلك الاستخبارات، إلى جانب استحداث كلية أخرى للعلوم الدفاعية.
وكانت غرفة العمليات العسكرية في "عملية ردع العدوان" قد حلت الأجهزة الأمنية والعسكرية كافة في أواخر عام 2024 مع سقوط نظام الأسد وهربه إلى العاصمة الروسية موسكو، وعلى الإثر منح الشرع مجموعة شخصيات من بينهم قادة فصائل رتباً عسكرية عليا (عقيد وعميد ولواء)، وسط انتقادات حول منح شخصيات غير سورية تلك الرتب، وإقصاء ضباط "الجيش الحر" الذين انشقوا عن المؤسسة العسكرية في زمن الثورة (2011 - 2024) وعدم منحهم أي مفاصل قيادية في الجسم الأمني والعسكري.
المفاوض والأمن القومي
وتشكَّل في سوريا مجلس خاص بالأمن القومي عام 2025، في أعقاب التوترات التي عاشها الساحل السوري في السادس من مارس (آذار) من العام نفسه، حين أججت الأحداث هجمات شنتها مجموعات خارجة عن القانون ومن فلول النظام ضد دوريات وحواجز أمنية للسلطات الجديدة، مما أفضى إلى إنشاء المجلس الذي يتألف من وزراء الدفاع والداخلية والخارجية ومدير الاستخبارات العامة وعضوين استشاريين.
وشغل اللواء سلامة عضوية مجلس الأمن القومي، حين تسلم منصب إدارة الاستخبارات، ويعرف بلقب "أبو مصعب الشحيل" نسبة لبلدته في ريف دير الزور الشرقي، وهو خريج معهد المراقبين الفنيين وحاصل على دبلوم في الإدارة والاقتصاد. عمل قبل الثورة السورية في إطار الدعوة والفكر الإسلامي، ومع نشوب الصراع المسلح في وجه النظام السابق أسس ما عُرف بـ"مجلس شورى" خاص بمقاتلي الشرقية.
وتدرج السلامة في العمل الثوري إلى أن التحق بـ"هيئة تحرير الشام" ونشط في جناحها العسكري، وبالذات في غرفة عمليات "الفتح المبين" ليثبت حضوره في قيادة العمليات والتنسيق مع باقي الفصائل، ومع سقوط النظام عين محافظاً على المحافظات الشرقية لكن ما لبث أن استقال، ثم لمع اسمعه كمفاوض عن حكومة دمشق مع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، إلى أن تسلم منصب أمني رفيع المستوى، كمدير للاستخبارات العامة، وانضم لمجلس الأمن القومي.
اختراقات أمنية
في غضون ذلك، لقي تعيين اللواء عبدالقادر طحان استحساناً واسعاً من قبل أبناء الثورة من سياسيين وعسكريين، وقد لمع اسمه وحنكته الأمنية في العمل الاستخباراتي أثناء الإعداد لمعركة "ردع العدوان"، وبرز نشاطه في اختراق الجهاز الأمني الداخلي لنظام الأسد في مدينة حلب، سواء الاستخبارات العامة أو العسكرية أو السياسية، إذ وصفه متابعون بـ"ثعلب استخبارات الهيئة" نظراً إلى ما يحتاج إليه هذا الملف من خبرة واسعة في اختراق منظومة الأمن لدى نظام الأسد وإلى قدرات عالية من المعرفة الأمنية وسرية العمليات والتمويه وتشغيل المتعاونين.
ولعب طحان من خلال المعلومات التي كان يحظى بها من قبل شبكات متشعبة في جسم النظام، دوراً أساساً في انهيار سريع لقوات الأسد في حلب، فضلاً عن المعلومات الثمينة التي قادت إلى تصفية قادة غرفة عمليات النظام المركزية في الشمال السوري أثناء اجتماع لها داخل مقر اللجنة الأمنية في مدينة حلب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتحدر طحان من مدينة حلب، وهو من مواليد 1980، ودرس العلوم الشرعية في مدينته ودمشق، وتخصص في مرحلة التعلم الجامعي في قسم اللغة العربية بجامعة حلب، واستكمل دراسته في جامعة إدلب. ومع اندلاع الثورة وانتقاله إلى العمل المسلح لقب بـ"أبو بلال قدس" وكان من مؤسسي "كتيبة القدس" عام 2012 في خان العسل، وهي منطقة تقع على خطوط التماس سابقاً مع جيش نظام الأسد.
أثبت طحان حضوراً عسكرياً وأمنياً لافتاً في جبهات القتال داخل ريف حلب الغربي إلى أن انضم إلى "جبهة النصرة" عام 2015 وتسلم قيادة الجبهة الشمالية في "هيئة تحرير الشام"، ولقب نفسه بـ"أبو عامر الحلبي"، وانتقل بعدها إلى العمل الأمني وتدرج في المراتب حتى شغل عام 2021 منصب رئيس إدارة الرقابة والتفتيش في وزارة الداخلية ضمن حكومة الإنقاذ.
التفجير والخلية
وفرض النظام السابق خلال فترة حكمه سيطرة عنيفة على البلاد عبر شبكة أمنية معقدة من الفروع وأجهزة الاستخبارات المنفصلة في كل المحافظات السورية، عدا عن فروع مركزية تتبع لإدارات أمنية مستقلة، وقد أوقف العمل بها بعد سقوط النظام للاستعاضة عنها بهيكلية جديدة للمؤسسات الأمنية والعسكرية عبر الاكتفاء بقائد واحد للأمن الداخلي، وقائد للأمن العام في كل محافظة، وستة مساعدين لوزير الداخلية.
وبالعودة إلى التعيينات الجديدة، فإنه من اللافت إقرارها أثناء وقت حساس في أعقاب اعتقال الخلية المنفذة لتفجيرات السابع من يوليو (تموز) الجاري، حين هز انفجار منطقة جسر فيكتوريا، القريبة من فندق الـ"فورسيزين" مقر إقامة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون أثناء زيارته الرسمية لسوريا. ونال وقتها الجهاز الأمني انتقادات واسعة بسبب عدم تأمين المكان، وشكك كثر بقدرات المنظومة الأمنية السورية الجديدة على بسط الاستقرار في البلاد.
في المقابل تغير المشهد بعد إجراء تحقيقات واسعة أعلن خلالها وزير الداخلية، أنس الخطاب (عمل سابقاً كأول مدير لجهاز الاستخبارات العامة في سوريا الجديدة) الكشف عن منفذي التفجير. واعتقلت قوى الأمن الداخلي أعضاء الشبكة في مناطق عدة داخل العاصمة دمشق بضاحيتي قدسيا وعش الورور، ومع هذا الإنجاز سجلت الاستخبارات السورية الجديدة نجاحاً أمام الرأي العام قلبت به الطاولة على المشككين بقدرات الأمن السوري.
من جهة أخرى، أمام القيادات الأمنية الجديدة مهام جسيمة لا سيما مع تطورات المشهد داخلياً وخارجياً، فإضافة إلى التحديات على الحدود الجنوبية من جهة إسرائيل، يبرز الحديث عن توغل عسكري في لبنان، إلى جانب تحديات تتعلق بدعم خارجي تتلقاه فلول النظام السابق، من ضباط في روسيا وإيران لإشعال الموقف في الساحل السوري، علاوة عن واقع السويداء والشمال الشرقي للبلاد.