ملخص
ثمة في تاريخ بيتهوفن ثلاث (أو حتى أربع افتتاحيات) تحمل جميعها العنوان نفسه، وإن اختلفت أرقامها في سياق نتاج بيتهوفن، عنوانها جميعاً "افتتاحية ليونوره" ومرقمة 1 و2 و3 حاملة في سياق نتاج ذلك الفنان الكبير ترقيمين فقط هما العمل رقم 138 والعمل رقم 72، حتى وإن كانت الافتتاحيات جميعها من مقام "أوت كبير"، ولم تعد بأية حال مندمجة في أوبرا "فيديليو" التي كانت قد لحنت لتكون افتتاحيتها
في عام 1814 كان شغل بيتهوفن الشاغل أن ينجز تلحين افتتاحية اشتغل عليها منذ زمن بعيد لذلك العمل الأوبرالي الذي لم يكن مدركاً أنه سيكون تجربته الوحيدة في ذلك الصنف الموسيقي، أي أوبرا "فيديليو، أو الوفاء الزوجي"، التي لا يعرف أحد أبداً السبب في أن فنان الموسيقى الألماني الكبير قرر من بعدها ألا يعيد الكرة، بالتالي ألا يقرب فن الأوبرا بعد ذلك أبداً، هو الذي يبقى على مر الزمن واحداً من أعظم كتاب السيمفونيات ومبدعي الموسيقى الأوركسترالية على الإطلاق.
لكن تلك الأوبرا شيء، والافتتاحية التي ظلت تشغله حتى العام الذي بلغ فيه الـ40 من عمره، وكان راغباً أن يجرب حظه مع الأوبرا شيء آخر تماماً.
ومن هنا، وبصرف النظر عن الأوبرا ومقتضياتها، ثمة في تاريخ بيتهوفن منذ ذلك الحين ثلاث (أو حتى أربع افتتاحيات) تحمل جميعها العنوان نفسه، وإن اختلفت أرقامها في سياق نتاج بيتهوفن، عنوانها جميعاً "افتتاحية ليونوره" ومرقمة 1 و2 و3 حاملة في سياق نتاج ذلك الفنان الكبير ترقيمين فقط هما العمل رقم 138 والعمل رقم 72، حتى وإن كانت الافتتاحيات جميعها من مقام "أوت كبير"، ولم تعد بأية حال مندمجة في أوبرا "فيديليو" التي كانت قد لحنت لتكون افتتاحيتها.
ولئن كانت الحكاية كلها تبدو غريبة بالنسبة إلى فنان بدا دائماً واثقاً من عمله وغير متردد في فرض فنه على الآخرين، فإن للحكاية على أي حال تفاصيل تجعلها جديرة بأن تروى، حتى وإن كان العلماء الموسيقيون، ولا سيما منهم المتخصصون في فن بيتهوفن وحياته، قد عجزوا دائماً عن وضع تاريخ حقيقي لما جرى في ذلك العام، والأسباب الفنية، وربما غير الفنية التي جعلت الموسيقي يرمي في القمامة ما راح يلحنه منذ أكثر من 10 أعوام في الأقل تحت ذلك العنوان الوحيد، يوماً بعد يوم، ثم يصرخ يائساً بأنه غير راضٍ عما توصل إليه.
غير أن ثمة من بين الخبراء من يؤكد أن افتتاحية "ليونوره" الأولى، والتي نشرت تحت رقم تعسفي هو 138 لم تقدم ولو مرة واحدة منذ تلحين بيتهوفن لها في عام 1805.
افتتاحية مختلفة
أجل... لقد بدأت الحكاية كلها في عام 1805 أي قبل إنجاز بيتهوفن لأوبراه الوحيدة "فيديليو" بنحو 10 سنوات، وكان الموسيقي قد قرر أن يكون للعمل عنواناً مبدئيا هو "ليونوره". وقرر انطلاقاً من تنظيمه الصارم لعمله، أن يبدأ من البداية أي من الافتتاحية وهكذا كتب وبسرعة قياسية يومها، تلك الافتتاحية التي كان من الطبيعي أن يسميها افتتاحية "ليونوره"، لكن ما لم يكن طبيعياً هو أن تحمل الرقم واحد، إذ إنه وبعد حين وضع ما كتبه جانباً ليبدأ في كتابة افتتاحية جديدة حملت عنوان "ليونوره الثانية"، وإلى ذلك تواصلت الحكاية، ولو أن بيتهوفن لم يكن مدركاً أنه سيكتب خلال السنوات التالية افتتاحيتين أخريين هما "ليونوره الثالثة"، ثم يرمي ذلك كله ليكتب الرابعة النهائية، ولكن هذه المرة تحت عنوان "افتتاحية فيديليو" المختلفة كلياً عن الافتتاحيات الثلاث السابقة، إلى درجة نسي معها الجمهور العريض أن ثمة عملاً كان يفترض به أن يطلق أوبرا فيديليو ويكشف عن أن "فيديليو" لم يكن هو العنوان الأصلي، بل كثيراً ما يحدث طوال القرن الـ20 في الأقل، أن مزيجاً من الافتتاحيات الثلاث الأولى يقدم بصورة مستقلة كعمل موسيقي أوركسترالي من تأليف بيتهوفن، من دون أن يذكر أنه كان الأصل الذي بنيت عليه تلك الأوبرا الفريدة.
ومن هنا سيبدو من الضروري بين الحين والآخر ربط "ليونوره" بأصولها العملية، ولو على سبيل التذكير بما أبدعه بيتهوفن، لكنه لم يتردد ولـ3 مرات في الأقل عن التخلي عنه بحثاً عن كمال فني كان يصر عليه طوال حياته.
البوق يصنع الفارق
إذا، كتب بيتهوفن 3 افتتاحيات تحمل اسم "ليونوره" لأوبراه "فيديليو" قبل أن يضيف لاحقاً تلك الافتتاحية الرابعة، والتي أضحت افتتاحية "فيديليو"، إذ تبين للموسيقى أنه تحمل ما كان يبحث عنه طوال 9 سنوات ونيف.
أما السبب المفترض فهو، وبكل بساطة "أن الفنان لم يُبدِ ولا مرة رضاه عن الصيغة الدرامية للأوبرا"، كما يفترض دارسوه. وهؤلاء يحددون على أية حال الفوارق بين الافتتاحيات الثلاث الأولى على الشكل التالي: فالافتتاحية الأولى لحنها بيتهوفن منجزاً إياها في براغ من أجل عرض تمهيدي كان سيقدم، لكنه لم يتم، وهي تعتبر حتى اليوم أقل الافتتاحيات شهرة ولم تستخدم فعلياً حتى ولا في العروض الأولى التي كان قد أعلن عنها. وهي على أي حال تبدو الأكثر هدوءاً وعقلانية والأقل كثافة من الناحية الدرامية، لكنها تفتقر في المقابل، وبحسب الدارسين، إلى الطابع البطولي العنيف الذي سيميز الافتتاحيتين الثانية والثالثة. ومع هذا يمكن النظر إليها باعتبارها محاولة لجعل المقدمة (الافتتاحية) أكثر ملاءمة لبداية الأوبرا وأكثر استقلالاً عنها كقطعة سيمفونية.
أما الافتتاحية المرقمة 2 فكتبت للعرض الذي كان من المفروض أن يكون الأول للأوبرا في عام 1805 ولم يتم بدوره. وهي تتميز، ودائماً بحسب الدارسين، بسعة فسيحة جداً وبتتابع أكثر سيمفونية، وتكاد تلخص كامل أحداث الأوبرا: ظلام السجن، الأمل، الإنقاذ، والانتصار النهائي. وهي تنطلق من مناخ قاتم يعبق بالمأساة في سجن فلورستان. أما ما يميزها حقاً، كما سيحدث في الافتتاحية الثالثة، فنداء البوق الشهير الذي يعلن وصول الوزير وإنقاذ البطل. مهما يكن فإن كثراً من النقاد لا يزالون يرون حتى اليوم أن هذه الافتتاحية، على رغم تميزها الفني، لا تزال طويلة أكثر مما ينبغي وثقيلة بالنسبة إلى افتتاح عرض مسرحي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الذروة للثالثة
وبين الافتتاحية الأولى والثانية، أي في عام 1806، كتب بيتهوفن، كما يبدو، تلك المرقمة ثالثة، وهو كتبها لإعادة تقديم الأوبرا بعد مراجعة أولى لها. وهي تعد ذروة الافتتاحيات الأربع، وغالباً ما تعزف دون غيرها في الحفلات السيمفونية، وأحياناً بوصفها قصيدة سيمفونية باسم "ليونوره" المتعارف عليه. ويعدها الدارسون أكثر إحكاماً وتركيزاً من الثانية وأشد قوة درامية منها، بل إن ثمة من يغالي في هذه النظرة معتبراً هذه الافتتاحية أقوى من خاتمة الأوبرا نفسها. ولعل بيتهوفن استبعدها عن الأوبرا لمجرد أنه بعدما انتهى من كتابتها وجدها ذات عظمة سيمفونية لا تُضاهى، وأنها بحسب تعبيره "تكشف كل شيء مسبقاً، وتستنفد الطاقة الدرامية لدى المشاهد حتى قبل بدء العرض الأوبرالي نفسه"، مما يفقد هذا العمل الكبير طابع المفاجأة.
ولهذا السبب، كما يرى غُلاة المتخصصين في فن بيتهوفن، عندما أعاد هذا الأخير صياغة أوبراه "فيديليو" تلك الصياغة النهائية في عام 1814 كتب افتتاحية جديدة هي "افتتاحية فيديليو" هذه المرة، تعمد أن تكون أقصر وأخف وطأة بالنظر إلى أنها تهيئ الجمهور للعمل المسرحي الذي سيراه من دون أن تكشف له عن كل شيء مسبقاً.
ولعل يذكر أن ثمة من بين القادة الأوركستراليين، ومنهم غوستاف ماهلر، كانوا يدمجون افتتاحية "ليونوره" الثالثة كفاصل استراحة بين الفصلين الثاني والثالث من الأوبرا، كنوع من فاصل تأملي يعمق البعد الدرامي في ذروته بدلاً من وضعها في بداية العمل.