ملخص
أعلنت وزارة الدفاع السورية عبر تعميم سابق لها في فبراير من العام الماضي 2025 يقضي "بمنع وبيع الأصول العسكرية بأنواعها كافة، بما في ذلك الأسلحة والذخائر والعتاد والآليات والتقنيات".
فماذا عن التطبيق؟
بدت ليلة سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد أواخر عام 2024 أكثر سخونة من الحدث نفسه، فمع خروج الناس للاحتفاء بسقوط عهده كانت أيادٍ أخرى تمتد على السلاح المنهوب من مخازن عسكرية، وانتشر هذا السلاح من بنادق ومسدسات وخلافها في مختلف المناطق السورية.
وفي ظل عدم وجود إحصاء محدد للسلاح المنهوب من مستودعات القوى الأمنية إلا أن تقديرات تحدثت عن فقدان مئات آلاف قطع الأسلحة المنهوبة مما نشّط حركة التجارة بها.
في الأثناء، أدى انتشار السلاح بصورة غير مسبوقة إلى ازدياد حوادث إطلاق النار التي أودت بكثيرين وبات ظاهرة عمّقت حالة الفوضى في البلاد.
استخدام القوة
ومع تخوف السوريين من ظاهرة السلاح المنفلت بدأ الحديث عن تشكل عصابات مسلحة.
وفي السياق، اعتبر الأمين العام للحركة الوطنية السورية زكريا ملاحفجي أن انتشار السلاح المنفلت في الشوارع العامة يعد من أبرز التحديات التي تواجه الدول الخارجة من النزاعات، "لأنه يقوّض احتكار الدولة لاستخدام القوة، وهو أحد الأسس الجوهرية لفرض سيادة القانون وحماية الأمن العام. وفي الحالة السورية، فإن استمرار وجود السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية يرفع احتمالات تصاعد النزاعات المحلية وتحول الخلافات الفردية أو العشائرية إلى مواجهات مسلحة، كما يضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات الأمنية والقضائية ويؤثر سلباً في جهود التعافي الاقتصادي والاجتماعي".
وشرح الأمين العام للحركة الوطنية تداعيات السلاح المنفلت "مما يرفع معدلات جرائم العنف والقتل والإصابات الناتجة عن استخدام هذا السلاح، وارتفاع احتمالات الصدامات المحلية نتيجة الخلافات الشخصية أو العائلية، فضلاً عن إضعاف هيبة مؤسسات الدولة وسيادة القانون عندما تصبح القوة المسلحة بديلاً عن القضاء"، وأضاف "هذا كله يضاف إليه خلق بيئة طاردة للاستثمار وعودة النازحين وإعادة الإعمار بسبب تراجع الشعور بالأمن، علاوة على زيادة أخطار تهريب الأسلحة وانتقالها إلى شبكات الجريمة المنظمة أو الجماعات المتطرفة".
ضحايا وأرواح بريئة
وسط هذه الأجواء، يتصدّر هذا السلاح المنفلت المشهد لا سيما في المناسبات الاجتماعية بخاصة احتفالات الأعراس، وتتفاقم الأخطار أكثر مع استخدام قنابل يدوية في المشاجرات والخلافات الشخصية، مما قد يؤدي إلى سقوط ضحايا وتهديد السلامة العامة عموماً.
وطالب المرصد السوري لحقوق الإنسان السلطات المحلية والقوى المسيطرة على الأرض بضرورة التحرك الفوري لضبط فوضى السلاح، وسحب الأسلحة غير المرخصة من أيدي المدنيين، وفرض عقوبات صارمة على مطلقي النار في المناسبات حماية لأرواح الأبرياء، ومنع سقوط الضحايا.
ووثق المرصد منذ مطلع العام الحالي وحده تسجيل مصرع 20 شخصاً عن طريق الخطأ، ومع مطلع يونيو (حزيران) وثق المرصد ارتفاعاً في عدد الضحايا إذ بلغت المحصلة 76 قتيلاً و65 مصاباً.
التسوية والسلاح
إزاء هذه الأخطار، تحاول قوات الأمن الداخلي مراقبة وحصر السلاح عبر قوات متخصصة بأمن الطرق تعمل على ضبط الأسلحة غير المرخصة لا سيما المنهوبة من المستودعات التابعة للجيش، وإبان سقوط النظام المخلوع طرحت وزارة الداخلية مجموعة تسويات لأفراد وضباط النظام السابق، وتسلّمت مراكز التسوية كميات كبيرة من هذا السلاح.
في موازاة أخطار السلاح المنفلت، ثمة ظاهرة تمثلت بافتتاح محال تجارية متخصصة ببيع العتاد العسكري ومستلزمات العسكريين وأيضاً لبيع السلاح والذخيرة مما يزيد من الأخطار والمخاوف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حصر حمل السلاح واستخدامه بالمؤسسات الأمنية
وقد شدد الأمين العام للحركة الوطنية على ضرورة اتخاذ مجموعة إجراءات منها "حصر حمل السلاح واستخدامه بالمؤسسات الأمنية والعسكرية المخولة قانوناً، ووضع إطار قانوني واضح لترخيص الأسلحة المسموح بها وتنفيذ رقابة صارمة على حيازتها، وتنفيذ برامج تدريجية لجمع السلاح غير المرخص، مع مراعاة الظروف المحلية وبناء الثقة مع المجتمعات". وأضاف "لا بد من تعزيز استقلال القضاء، وسرعة الفصل في النزاعات للحد من اللجوء إلى السلاح، وتشديد الرقابة على الحدود ومسارات تهريب الأسلحة، وإطلاق حملات توعية مجتمعية حول أخطار انتشار السلاح وآثاره على الأمن والاستقرار".
قانون الأسلحة والذخائر
وحظرت المادة الخامسة من قانون الأسلحة والذخائر المعدل عام 2022 حمل أو حيازة المسدسات الحربية وبنادق الصيد وذخائرها من غير ترخيص مسبق، كما حدد القانون الحد الأقصى المسموح به لترخيص السلاح للشخص الواحد بمسدس حربي واحد وبندقية صيد واحدة، وعدم استخدام السلاح في المناطق السكنية والتجمعات والحفلات، والمناطق الصناعية والنفطية، وأيضاً في المؤتمرات والاجتماعات العامة والمحاكم.
شبكات إجرامية
وتقدر منظمات دولية، ومنها منظمة "مسح الأسلحة الصغيرة" غير الحكومية، ومقرها جنيف السويسرية، عدد السلاح الفردي في سوريا عام 2017 بما يقارب 1.54 مليون قطعة سلاح، ومع اتساع الحرب السورية دخلت كميات من السلاح الفردي بكثرة من كل أطراف الصراع السوري والدول الداعمة لها.
وأعلنت وزارة الدفاع السورية عبر تعميم سابق لها في فبراير (شباط) من العام الماضي 2025 يقضي "بمنع وبيع الأصول العسكرية بأنواعها كافة، بما في ذلك الأسلحة والذخائر والعتاد والآليات والتقنيات".
وتوقع ملاحفجي سيناريوهات عدة محتملة لهذه الظاهرة في حال بقي السلاح خارج سيطرة الدولة، "فقد تتجاوز تداعياته النزاعات المحلية لتشمل استغلاله عبر الجماعات الإرهابية أو الشبكات الإجرامية لتوفره وسهولة الحصول عليه، واستخدامه، بالتالي، في تنفيذ هجمات تستهدف المدنيين أو المنشآت الحيوية، إضافة إلى تنامي اقتصاد غير مشروع قائم على الاتجار بالأسلحة وتمويل الأنشطة الإجرامية"، وتابع "كل ذلك سيوفر صعوبة ملاحقة الخلايا المتطرفة في بيئة تنتشر فيها الأسلحة بصورة واسعة، مما يزيد من تعقيد العمليات الأمنية، وإطالة أمد حالة عدم الاستقرار، وإعاقة جهود بناء مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون"، وخلص ملاحفجي إلى القول بـ"معالجة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على الإجراءات الأمنية وحدها، بل تشمل أيضاً الإصلاح المؤسسي، وتفعيل القضاء، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، لأن نجاح الحد من انتشار السلاح يرتبط بوجود مؤسسات قادرة على توفير الأمن والعدالة بصورة فعالة ومستدامة".