ملخص
دأب الاقتصاديون خلال الأعوام الماضية على التأكيد أن المصدر الأبرز للتضخم المزمن في إيران يتمثل في العجز المتفاقم في الموازنة العامة، واختلال التوازن المالي للدولة، إلى جانب الفساد البنيوي المستشري في مفاصل الاقتصاد.
في وقت تطرح فيه داخل الأوساط الاقتصادية مسألة احتمال تحسن العلاقات الخارجية للنظام الإيراني وزيادة صادرات النفط بعد توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، يرى كثير من الاقتصاديين أن الاقتصاد الإيراني، حتى في حال تحقق السيناريوهات المتفائلة وارتفاع العائدات من النقد الأجنبي، سيظل حتى نهاية العام في مواجهة تضخم مرتفع وزيادة في أسعار السلع الأساسية.
ومن وجهة نظر هؤلاء، لا تعود الجذور الرئيسة للتضخم في الاقتصاد الإيراني إلى العقوبات وحدها، بل إن العجز الواسع في الموازنة، والنمو المزمن في السيولة، والفساد المستشري، والمشكلات البنيوية في الاقتصاد، تعد من أبرز عوامل استمرار التضخم، وهي مشكلات لا يمكن معالجتها في المدى القصير عبر زيادة صادرات النفط أو الانفراجات السياسية.
ويرفض الاقتصادي، وحيد شقاقي شهري، فرضية أن الاتفاق السياسي وحده قادر على إعادة الاقتصاد الإيراني إلى مسار التعافي، ويقول إن إعلان خبر الاتفاق قد يؤدي موقتاً إلى تعديل أسعار بعض السلع وخفض مستوى عدم اليقين في الأسواق، غير أن هذا الأثر سيبقى في الغالب عند مستوى التوقعات، وسيتلاشى تدريجاً إذا لم يترجم الاتفاق إلى تغييرات فعلية في التدفقات التجارية والمالية.
وبحسب شقاقي شهري، فإن دور خبر الاتفاق يقتصر غالباً على إحداث صدمة محدودة التأثير وتوقعات قصيرة الأمد، فيما يتوقف استمرار مفاعيله على سرعة تحول هذه التوقعات إلى تطورات اقتصادية ملموسة.
ويؤكد هذا الاقتصادي أن التضخم في إيران يرتبط، قبل كل شيء، بمشكلات داخلية في بنية الاقتصاد، تشمل الاختلال المالي في عمل الحكومة، والنمو المرتفع للسيولة، وضعف إطار السياسة النقدية. ومن دون إصلاح هذه العوامل، فإن الضغوط التضخمية ستعاود الظهور على المدى الطويل، حتى لو تمكنت الحكومة من الوصول إلى موارد أكبر من النقد الأجنبي.
مركز أبحاث البرلمان الإيراني، قبل اندلاع حرب الـ40 يوماً الأخيرة وتأثيراتها في الاقتصاد الإيراني، قدر العجز التشغيلي في موازنة عام 2026، وفق مشروع الموازنة المقدم، بنحو 615 ألف مليار تومان، أي ما يعادل نحو 4.1 مليار دولار، كما قدر عجز ميزان رأس المال بنحو 325 ألف مليار تومان، أي ما يعادل نحو 2.17 مليار دولار.
وبذلك يصل إجمال عجز الموازنة إلى نحو 940 ألف مليار تومان، أي ما يعادل نحو 6.27 مليار دولار، وهو رقم يوازي نحو 18 في المئة من إجمال موازنة العام الحالي.
وجاءت هذه التقديرات قبل احتساب الخسائر الناجمة عن الحرب، وتراجع عائدات الصادرات، والأضرار التي لحقت بالصناعات المدرة للنقد الأجنبي، ومنها البتروكيماويات والصلب، فضلاً عن الركود الذي أصاب الأسواق، وهي عوامل يقول المتخصصون إنها ستؤدي إلى مزيد من تراجع القدرة الضريبية للحكومة.
المحرك الرئيس للتضخم في الاقتصاد الإيراني
دأب الاقتصاديون خلال الأعوام الماضية على التأكيد أن المصدر الأبرز للتضخم المزمن في إيران يتمثل في العجز المتفاقم في الموازنة العامة، واختلال التوازن المالي للدولة، إلى جانب الفساد البنيوي المستشري في مفاصل الاقتصاد.
ويرى هؤلاء أن الحكومة، عندما تعجز إيراداتها عن تغطية نفقاتها، تضطر إلى اللجوء إلى وسائل تمويل تؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة القاعدة النقدية وتضخم حجم السيولة في السوق.
وفي هذا السياق، شدد الاقتصادي فرهاد نيلي في أكثر من مناسبة على وجود علاقة مباشرة بين عجز الموازنة والتضخم وسعر الصرف، معتبراً أن الكيفية التي تمول بها فجوة العجز المالي تمثل عاملاً حاسماً في تحديد مسار التضخم خلال الأعوام اللاحقة.
وفي الوقت ذاته، تحذر تقارير تحليلية من أن الفجوة بين موارد الدولة ونفقاتها بلغت مستويات واسعة إلى درجة أن الضغوط على السياسة النقدية ستستمر حتى في حال تمكن الحكومة من تحقيق جزء من الإيرادات التي وضعتها في تقديراتها المسبقة.
ومن وجهة نظر الاقتصاديين، فإن النتيجة الطبيعية لهذا الواقع تتمثل في استمرار ارتفاع الأسعار في أسواق رئيسة مثل العقارات والسيارات والمواد الغذائية، وهي القطاعات التي كانت الأكثر تأثراً خلال الأعوام الماضية بالنمو المتسارع للسيولة وتراجع قيمة العملة الوطنية.
ويؤكد متخصصون، أن معالجة التضخم في إيران لن تكون ممكنة عبر التفاهمات السياسية أو زيادة العائدات النفطية وحدها، ما لم تترافق مع إصلاحات مالية وهيكلية تحد من العجز المزمن في الموازنة، وتكبح التوسع النقدي، وتعالج أوجه القصور والفساد التي باتت تشكل أحد أبرز معوقات الاستقرار الاقتصادي في البلاد.
احتمال تقديم موازنة تكميلية
تصدرت قضية عجز الموازنة واجهة النقاش الاقتصادي خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما أشار وزير الشؤون الاقتصادية والمالية الإيراني إلى احتمال لجوء الحكومة إلى تقديم موازنة تكميلية إلى مجلس الشورى في حال اقتضت الظروف ذلك، بهدف إدارة الضغوط المالية المتزايدة ومعالجة الاختلالات المتفاقمة في المالية العامة.
وأكد وزير الاقتصاد، عبدالناصر همتي مدني زاده، أن الاقتصاد الإيراني لن يعود سريعاً إلى أوضاعه الطبيعية حتى في حال إزالة القيود الخارجية. وأوضح أن الحكومة كانت تواجه في موازنة عام 2026 عجزاً يقدر بمئات الآلاف من مليارات التومانات حتى قبل اندلاع الحرب، مشيراً إلى أن المواجهة العسكرية الأخيرة فاقمت هذا العجز نتيجة تراجع الإيرادات الضريبية والنفطية وارتفاع النفقات الحكومية.
وكشف الوزير أن الحكومة اقترضت نحو 100 ألف مليار تومان من البنك المركزي، أي ما يعادل نحو 667 مليون دولار، لتعويض جزء من العجز المالي وتغطية تراجع الإيرادات الناجم عن الحرب. وحذر من أن الآثار التضخمية لهذا الاقتراض ستظهر بصورة أوضح خلال الأشهر المقبلة.
وفي موازاة هذه التحديات، يلفت كثير من المتخصصين، إلى أن الاقتصاد الإيراني لا يزال يعاني مشكلات مزمنة ومتراكمة، من أبرزها ضعف الانضباط المالي، واستمرار الفساد، وهدر الموارد في مشاريع تنموية غير مكتملة أو منخفضة الجدوى، فضلاً عن ارتفاع كلفة الجهاز الحكومي واتساع حجم الإنفاق الجاري.
وعلى رغم تأكيدات مسؤولي الحكومة الـ14، وفي مقدمهم الرئيس مسعود بزشكيان، على ضرورة تعزيز الانضباط المالي وخفض النفقات العامة، يرى منتقدون أن مشروع موازنة عام 2026 لا يتضمن مؤشرات واضحة إلى تقليص حجم الدولة أو خفض الإنفاق الجاري أو إعادة النظر في مخصصات المؤسسات والهيئات التي لا تعد ذات أولوية اقتصادية أو تنموية.
العقبة الأكبر أمام كبح التضخم
ومن بين القضايا التي استحوذت على اهتمام الاقتصاديين خلال الأشهر الأخيرة، مسألة تأثير زيادة صادرات النفط والارتفاع المحتمل في الإيرادات من النقد الأجنبي على معدلات التضخم. غير أن كثيراً من الخبراء يرون أن أي زيادة في الصادرات النفطية أو في إيرادات الدولة لن يكون لها سوى أثر محدود وموقت في احتواء التضخم.
ويعتقد هؤلاء أن جزءاً كبيراً من موجة التضخم الحالية يعود إلى النمو التراكمي للسيولة النقدية خلال الأعوام الماضية، فالكتلة النقدية التي جرى ضخها في الاقتصاد لا تختفي بسهولة، بل تواصل تأثيرها في مستويات الأسعار لأعوام طويلة، حتى في حال تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية أو ارتفاع العائدات الحكومية.
وفي هذا السياق، أكد نائب محافظ البنك المركزي الإيراني السابق أن السيطرة على التضخم تمثل الأولوية القصوى للاقتصاد الإيراني، معتبراً أن نجاح الحكومة في كبحه من شأنه أن يخفف جانباً مهماً من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد، إلا أنه أبدى تشاؤمه حيال إمكانية تحقيق ذلك في المدى المنظور.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتكشف البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي الإيراني أن حجم السيولة في البلاد كان يسجل مستويات قياسية حتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة، فبحسب أحدث الإحصاءات، بلغ حجم السيولة النقدية في نهاية فبراير (شباط) من العام الماضي نحو 14 ألفاً و640 ألف مليار تومان، أي ما يعادل نحو 97.6 مليار دولار، مسجلاً زيادة سنوية بلغت 47.3 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق.
ويرى اقتصاديون أن استمرار هذا النمو المرتفع في السيولة يشكل أحد أبرز العوامل المغذية للتضخم، إذ يؤدي إلى زيادة الطلب النقدي في مقابل ضعف الإنتاج الحقيقي، الأمر الذي ينعكس في نهاية المطاف على صورة ارتفاع مستمر في أسعار السلع والخدمات وتآكل متواصل في القوة الشرائية للمواطنين.
اقتصاد عالق في دوامة تضخمية مستدامة
يؤكد الاقتصاديون أن المشكلات التي يعانيها الاقتصاد الإيراني لا تعود إلى العقوبات وحدها، فعلى رغم ما تفرضه العقوبات من ضغوط كبيرة على إيرادات الدولة وقدرتها المالية، يرى كثير من المختصين أن جذور الأزمة تكمن في ضعف بنية السياسات الاقتصادية وغياب الاستقلالية الكافية للبنك المركزي.
ويشير منتقدون إلى أن البنك المركزي تحول عملياً، على مدى عقود، إلى أداة لتمويل الحكومات المتعاقبة، من خلال التوسع في إصدار النقد وزيادة السيولة لتغطية عجز الموازنات العامة، وهو ما انعكس في نهاية المطاف على شكل موجات تضخم مزمنة وتراجع مستمر في قيمة العملة الوطنية.
وفي هذا السياق، يرى الاقتصادي حيدر مستخدمين حسيني أن كثيراً من السياسات الهادفة إلى مكافحة التضخم ركزت في السابق على حلقة أو حلقتين فقط من سلسلة العوامل المسببة له، مثل أسعار الفائدة أو سعر الصرف، من دون معالجة الجذور المالية والنقدية للأزمة. وبحسب قوله، فإن تجاهل الأسباب البنيوية للتضخم أدى إلى فشل الانخفاضات الموقتة في معدلاته في التحول إلى مسار مستدام، لتعود موجات التضخم لاحقاً بصورة أشد وأكثر حدة.
ويشدد مستخدمين حسيني على أن البنك المركزي لا ينبغي أن يتحول إلى مطبعة أموال للحكومة، وعلى رغم أن القوانين الإيرانية تفرض قيوداً على الاقتراض المباشر من البنك المركزي، فإن أشكالاً مختلفة من تمويل الحكومات من موارده استمرت خلال الأعوام الماضية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ولا تقتصر التحديات على ذلك، إذ يواجه الاقتصاد الإيراني مجموعة واسعة من المشكلات الهيكلية المتراكمة، من أبرزها الاعتماد المزمن للموازنة العامة على العائدات النفطية، وارتفاع حجم الإنفاق الجاري، وضعف كفاءة نظام الدعم الحكومي، ومحدودية فاعلية النظام الضريبي، وانتشار التهرب الضريبي، فضلاً عن الحضور الواسع للشركات الحكومية في النشاط الاقتصادي.
تضاف إلى هذه المشكلات أزمة صناديق التقاعد، واختلالات القطاع المصرفي، وتدني مستويات الإنتاجية، وهي عوامل يرى الخبراء أنها تعيق أي محاولة جدية لإصلاح الاقتصاد وتحقيق استقرار طويل الأمد.
وفي ظل هذه المعطيات، يعتقد كثير من المحللين أن زيادة صادرات النفط أو تراجع الضغوط الخارجية، حتى لو تحققا، لن يؤديا سوى إلى تخفيف جزء من الأعباء الاقتصادية، من دون أن يكونا كافيين لوقف المسار التضخمي المتواصل.
وبناء على ذلك، يتوقع معظم الخبراء أن يظل الاقتصاد الإيراني حتى نهاية العام في مواجهة معدلات تضخم مرتفعة، وأن تواصل أسعار العقارات والسيارات والسلع الأساسية ارتفاعها، مدفوعة بالنمو المستمر في السيولة النقدية وترسخ التوقعات التضخمية لدى الأسواق والمستهلكين.