ملخص
ازدهر الموسم السياحي في سوريا بصورة غير مسبوقة مع بداية الصيف الحالي، وعلى رغم كثرة الزوار والسياح، يعاني القطاع ضعفاً في البنية التحتية ومشكلات اقتصادية، فيما تقول الوزارة إن لديها استراتيجية لتنويع مصادر السياحة وتعظيم مردودها.
قبل عامين من الآن فقط كانت زيارة سوريا من المنسيات، ليس فقط للأجانب وإنما أيضاً للسوريين في الخارج، أما اليوم فمن الصعوبة بمكان إيجاد حجز فندق بسعر مقبول على شواطئ الساحل السوري، وإذا ما وصلت السواحل السورية تجد ازدحاماً غير مسبوق، أما سماء البلاد فباتت هي الأخرى مزدحمة بحركة الطيران.
فبحسب تقرير لوكالة "رويترز"، فإن رحلات الطيران في الأجواء السورية زادت هذا العام بنسبة 75 في المئة مقارنة بالعام الماضي، وكلها مؤشرات إلى بدء تعافي قطاع السياحة السوري، لكنه في المقابل يواجه تحديات كبيرة أولها ضعف البنية التحتية، ومؤشرات الاستقرار السياسي، والاقتصاد الذي لم يتعاف من الحرب بالصورة المقبولة حتى الآن.
انتعاش سريع
الصحافي السوري أيهم نبع، وهو من أبناء محافظة اللاذقية، يقول لـ"اندبندنت عربية"، إن "قطاع السياحة السوري يشهد خلال عام 2026 حالة انتعاش ملحوظة مقارنة بسنوات الحرب وما بعدها، لكن الحديث عن ازدهار كامل لا يزال مبكراً، إذ تشير بيانات وزارة السياحة إلى أن عدد الزوار والسياح وصل إلى نحو 3.56 ملايين زائر حتى نهاية عام 2025، مع زيادة تقارب 80 في المئة في أعداد السياح العرب والأجانب مقارنة بالفترة التي أعقبت سقوط نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، كما أطلقت الحكومة الجديدة موسم السياحة الصيفي (2026) من محافظة طرطوس، وبدأت حملات ترويجية تستهدف الأسواق العربية بصورة خاصة".
ويوضح نبع "أما على مستوى الساحل السوري، فتبدو الأجواء مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات قليلة، فهناك حركة سياحية داخلية كثيفة خلال الصيف الحالي، وازدحام ملحوظ على الطرق المؤدية إلى اللاذقية وطرطوس، إضافة إلى عودة الأنشطة والمهرجانات الصيفية وافتتاح الموسم السياحي رسمياً بحضور الرئيس أحمد الشرع، وتستفيد المنطقة من حال الاستقرار الأمني النسبي مقارنة بمعظم سنوات الحرب، وعلى رغم ذلك لا تزال هناك معوقات كبيرة تمنع تحول سوريا إلى وجهة سياحية إقليمية منافسة، منها ضعف البنية التحتية السياحية في كثير من المناطق، وتضرر عدد كبير من الفنادق والمنشآت السياحية خلال الحرب، واستمرار التحذيرات الغربية من السفر إلى سوريا، فضلاً عن محدودية الرحلات الجوية الدولية مقارنة بالدول المجاورة، وضعف الخدمات العامة في بعض المناطق، بخاصة الكهرباء والنقل، وأيضاً نقص الكوادر المدربة بعد سنوات من الهجرة والنزوح، والعامل الآخر المهم هو الصورة الذهنية السلبية المرتبطة بالحرب لدى جزء من الرأي العام العالمي".
ويوجه الصحافي السوري توصيات للحكومة بأنها "إذا أرادت تحقيق قفزة حقيقية في قطاع السياحة فإن الأولويات ينبغي أن تبدأ بإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، خصوصاً الطرق والمطارات والكهرباء، وتسهيل إجراءات التأشيرات للزوار العرب والأجانب، وجذب شركات الطيران الإقليمية والدولية، وزيادة الرحلات المباشرة إلى دمشق وحلب واللاذقية، وأيضاً تشجيع الاستثمار الفندقي والسياحي عبر إعفاءات وحوافز ضريبية، فضلاً عن تطوير السياحة الساحلية في اللاذقية وطرطوس، والسياحة الثقافية في دمشق وحلب وتدمر وغيرها، وإطلاق حملات تسويق دولية احترافية لإعادة بناء صورة سوريا كوجهة سياحية".
ويختم نبع حديثه بالقول إنه "يمكن وصف واقع السياحة السورية اليوم بأنه في مرحلة تعافٍ متسارع أكثر من كونه ازدهاراً كاملاً، فالمؤشرات الحالية إيجابية، والساحل السوري يشهد موسماً جيداً نسبياً، لكن الوصول إلى مستويات السياحة التي عرفتها سوريا قبل عام 2011 لا يزال يحتاج إلى سنوات من الاستثمار والاستقرار وتحسين الخدمات".
تغيير في الخدمات السياحية
أما المواطن محمود عابدين، وهو أيضاً من أبناء الساحل السوري، فيقول في حديثه لـ"اندبندنت عربية"، إن "السياحة في الساحل تشهد تحسناً ملحوظاً مقارنة بالسنوات الماضية، بالتزامن مع تحسن الأوضاع الأمنية والاقتصادية نسبياً، ويعود ذلك إلى تعاون جهات عدة، من بينها وزارتا السياحة والداخلية والبلديات، إضافة إلى أصحاب المنشآت والاستثمارات السياحية، ويهدف هذا الجهد إلى تنشيط القطاع السياحي وتحويله إلى مصدر دخل مهم للسكان، فضلاً عن تحسين الصورة الذهنية عن سوريا بعد سنوات الحرب الطويلة، ففي السابق كان الأمر يقتصر إلى حد كبير على السياحة الداخلية، كما كانت الخدمات في عديد من المواقع السياحية محدودة، بخاصة في الشواطئ المجانية والمرافق المخصصة لذوي الدخل المحدود، كذلك عانت بعض المناطق الطبيعية والأثرية من الإهمال وضعف الخدمات وصعوبة الوصول إليها، أما اليوم فقد شهد الواقع السياحي تطوراً كبيراً من حيث الخدمات والتنظيم والاهتمام بالمواقع السياحية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف عابدين أن "من أبرز الخطوات التي أسهمت في هذا التحسن تعزيز دور الشرطة السياحية، حيث تم نشر عناصرها في المواقع السياحية، وتطوير خدماتها للتعامل مع السياح والمواطنين على حد سواء، إضافة إلى استقبال الشكاوى المتعلقة بالخدمات والأسعار بالتنسيق مع وزارة السياحة، كما عملت البلديات على تحسين مستوى النظافة العامة وتأهيل الشواطئ المجانية والمرافق العامة في الغابات والمواقع الأثرية، على رغم أن الحاجة لا تزال قائمة لمزيد من التطوير والاستثمار، وفي ما يتعلق بالمناطق الساحلية، لا يقتصر الإقبال السياحي على الشواطئ فقط، إذ تشهد المناطق الطبيعية التي تضم غابات وشلالات وأنهاراً اهتماماً متزايداً من الزوار، وأصبحت تستقطب أعداداً كبيرة من السياح الباحثين عن السياحة البيئية والطبيعية".
من جانب آخر، وعلى رغم تفاؤله بموسم سياحي جيد، يرى الأكاديمي الاقتصادي زياد عربش، أن هناك عوائق جوهرية تواجه قطاع السياحة السوري، منها "البيئة الأمنية غير المستقرة، حيث تشهد مناطق حيوية كالساحل السوري ودرعا والسويداء أعمال عنف واضطرابات، وهو ما يعدّ أكبر مثبط لعودة الاستثمار السياحي، إلى جانب تداعيات الأحداث التي تهدد النسيج الاجتماعي، وانهيار البنية التحتية، إذ يعاني من القطاع تدمير للبنية التحتية والمواقع الأثرية جراء الحرب، إضافة إلى كارثة الألغام التي تتطلب عمليات إزالة مكثفة ومكلفة قبل الشروع بأية مشاريع تنموية".
ويضيف عربش لـ"اندبندنت عربية"، أن من بين العوائق "الفجوة التنظيمية والتشريعية، إذ يعاني القطاع من غياب القوانين المنظمة لعمل السوق، واستمرار تعرض المكاتب السياحية المرخصة لخسائر فادحة، وسط حال من الفوضى التنظيمية".
استراتيجة بـ4 مسارات
مدير المكتب الإعلامي في وزارة السياحة السورية يوسف باطر، يقول لـ "اندبندنت عربية" إن "الوزارة أطلقت تطبيق يحمل اسم (لبيك)، يعد مركزاً متكاملاً للشكاوى والمقترحات، ويمكن من خلاله تلقي ومتابعة شكاوى الزوار والمواطنين في الفنادق والمطاعم والمنشآت السياحية".
ويضيف المسؤول السوري أن "الوزارة تركز على إعادة تشغيل الفنادق والمنشآت السياحية المتوقفة منذ سنوات، وتأهيلها لتلبية متطلبات السوق السياحية الجديدة، وقد أعلنت عن برامج لإعادة إطلاق المشاريع المتعثرة بالتنسيق مع المستثمرين، ومنح التسهيلات اللازمة لإعادتها إلى الخدمة، إلى جانب زيادة الطاقة الاستيعابية عبر إنشاء غرف فندقية جديدة ومرافق ترفيهية ومطاعم سياحية، كما أعدنا افتتاح عدد من الفنادق بعد تأهيلها، بينها فنادق في دمشق واللاذقية، ضمن خطة لتطوير البنية الخدمية ورفع جاهزية القطاع لاستقبال الزوار".
ويؤكد باطر أن "الوزارة تعتبر أن الاستثمار هو المدخل الأساس لإنعاش السياحة، لذلك نعمل على استقطاب رؤوس الأموال السورية والعربية والأجنبية إلى القطاع، وشملت هذه الجهود توقيع عقود استثمارية ومذكرات تفاهم بمئات الملايين من الدولارات لتطوير منشآت قائمة وإنشاء فنادق ومنتجعات ومدن ترفيهية وتأهيل مواقع تاريخية، كما نعمل على إعداد قانون جديد للاستثمار السياحي يتضمن حوافز وتسهيلات للمستثمرين بهدف تسريع تنفيذ المشاريع المتوقفة واستقطاب مشاريع جديدة، وأيضاً لدينا خطة شاملة لتنويع أنماط السياحة في سوريا وعدم الاكتفاء بالسياحة التقليدية، وذلك عبر تطوير السياحة الثقافية والتراثية والبيئية والعلاجية، وسياحة المؤتمرات والفعاليات وغيرها، وتهدف هذه السياسة إلى جذب شرائح مختلفة من السياح وإطالة مدة إقامتهم داخل البلاد".
ويختم المسؤول السوري حديثه بالكشف عن استراتيجية "تقوم على أربعة مرتكزات رئيسة، هي إعادة تأهيل المنشآت المتضررة، وجذب الاستثمارات، وتحسين جودة الخدمات، والتسويق الخارجي لسوريا كوجهة سياحية آمنة ومتنوعة، باعتبارها الأدوات الأساسية لزيادة أعداد السياح خلال السنوات المقبلة".