ملخص
وسط تحديثات الطرق والكباري في مصر، التي شهدت طفرة لا تزال مستمرة على مستوى الطرقات وتأمينها، أفادت بيانات حديثة نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) في البلاد أن عدد قتلى حوادث الطرق ارتفع إلى 5829 في عام 2025 مقابل 5260 في عام 2024، مما يشير إلى أن العامل البشري يبقى حاضراً وأصيلاً في تلك النسب المرتفعة.
انحرفت سيارة تقودها سيدة في حي المعادي لتصدم أخرى متوقفة على جانب الطريق، قبل أن تعود فجأة إلى الخلف وتدهس سيدتين، فارقت إحداهما الحياة وتأثرت الأخرى بكسور، في حادثة ضجت بها منصات التواصل الاجتماعي. وأمام جهات التحقيق، اكتفت المتهمة بعبارة "فقدت السيطرة التامة على عجلة القيادة".
في حين كشفت المقاطع المتداولة للحادثة عن افتقار القائدة إلى أبسط مبادئ التحكم في المركبة، وفرض سؤالاً ملحاً عبر أثير "السوشيال ميديا" وتعليقات متابعي الواقعة حول الكيفية التي اجتازت بها اختبارات المرور، والشروط الفنية التي بموجبها حصلت على رخصتها. وأعادت الحادثة إلى الواجهة مقاطع مصورة أخرى توثق بانتظام حوادث متكررة على الطرق المصرية، ناجمة عن أخطاء قيادة أولية، وأظهرت بعضها أن مرتكبيها لا يمتلكون المهارات الأساس للقيادة.
وقبل أشهر من هذه الواقعة، وثقت الهواتف المحمولة مشهداً آخر لسيدة وهي تحاول عبثاً ركن سيارتها في مساحة ضيقة بأحد الشوارع الجانبية، وحين أبدى بعض المارة ضجرهم من تعطيل الطريق ظلت تردد "أعطوني فرصتي"، قبل أن تضطر تحت الضغط للتنازل عن مقعد القيادة لأحد المارة ليفض الاشتباك المروري.
تلك المشاهد المتكررة فتحت سجالاً واسعاً حول معايير كفاءة السائقين في مصر، فبينما يرى فريق أن هذه الحالات هي نتاج "فترات سابقة شهدت تمريراً للرخص دون اختبارات حقيقية"، يذهب آخر إلى أن الأزمة "مستمرة بوجود تراخٍ في تطبيق المعايير" داخل بعض الوحدات، فيما يرى فريق ثالث أن الخلل يكمن في "غياب منظومة تدريب عملي حقيقية تسبق النزول إلى الطريق".
ووسط تحديثات الطرق والكباري في مصر، التي شهدت طفرة لا تزال مستمرة على مستوى الطرقات وتأمينها، أفادت بيانات حديثة نشرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) في البلاد أن عدد قتلى حوادث الطرق ارتفع إلى 5829 في عام 2025 مقابل 5260 في عام 2024، مما يشير إلى أن العامل البشري يبقى حاضراً وأصيلاً في تلك النسب المرتفعة.
اجتياز بلا اختبار
يروي "محمود" (اسم مستعار) تفاصيل تجربته مع استخراج رخصة القيادة بمحافظة الشرقية، إذ يزعم أن إجراءات اختبار الكمبيوتر "لم يخضع لها"، إذ ناب عنه الموظف في الإجابة، لينتهي الأمر بالتقاط صورة الرخصة والمغادرة دون خوض أي اختبار ميداني للقيادة.
"تسلمت الرخصة وأنا في المنزل"، يقول الشاب الأربعيني الذي بحسب ادعائه أمضى 10 أعوام كاملة هي مدة صلاحية الرخصة دون أن يستخدمها أو يتقن أساسات القيادة. ويضيف محمود أنه تعلم القيادة في أحد المراكز الخاصة بعد تمكنه من تجديد الرخصة.
ويقترح مساعد وزير الداخلية السابق لقطاع الشرطة المتخصصة اللواء مدحت قريطم اشتراط الالتحاق بمدرسة قيادة معتمدة قبل إصدار رخصة القيادة، لضمان إلمام السائقين الكامل بقانون المرور ولوائحه، أسوة بعدد من الدول التي تعتمد "كوداً" مرورياً واضحاً يتعين فهمه والالتزام به.
ويتطرق قريطم خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" إلى مشروع قانون المرور الجديد، الذي عرض سابقاً على البرلمان، ونص على عدم إصدار أي رخصة قيادة إلا بعد اجتياز مدرسة قيادة معتمدة، موضحاً ضرورة أن تتوافر بهذه المدارس مساحات مناسبة، وأجهزة محاكاة (سيميليتور) وميادين تدريب متطورة، على غرار التجارب الدولية.
لا توجد في مصر، وفق قريطم، سوى مدرسة واحدة بهذه المواصفات في منطقة "15 مايو" وهي مملوكة للدولة، وتستخدم لتدريب أتوبيسات السياحة على التعامل مع مختلف المواقف المحتملة. ويرى أن هذه التجربة المخصصة للقيادة الآمنة التي تتعامل معها بعض الشركات ينبغي تعميمها، بحيث تضم كل مدرسة ميادين للاختبار والتدريب وأجهزة محاكاة، وقاعات محاضرات للتعريف باللوائح التنظيمية للمرور.
"لا يجب اعتماد أي مدرسة إلا من خلال المرور المختص، مع وضع تعريف قانوني واضح لها حتى نغلق أي ثغرات، ولا يقال إنها تفتح لفئات دون أخرى".
أين المدارس المعتمدة؟
ويخضع المتقدم للحصول على الرخصة، بحسب ما يرى، لاختبارات داخل هذه المدارس تحت رقابة مشددة، مؤكداً أن اشتراط الحصول على دورة تدريبية في مدرسة معتمدة ضمن ضوابط صارمة من شأنه أن يحدث تحولاً حقيقياً في منظومة القيادة. ودعا إلى منح مهلة زمنية مناسبة لترتيب الأوضاع قبل التطبيق، بحيث يصبح اجتياز الدورة شرطاً أساساً لاستخراج الرخصة.
وفي ما يتعلق بحاملي الرخص الحالية، اعتبر أنه يمكن تنظيم دورات تنشيطية لهم، لكن "لا يمكن أن نعيد تدريب ملايين المواطنين من جديد"، متسائلاً عن آلية التعامل الواقعية مع هذا العدد الكبير.
"العقوبات وحدها لا تكفي للردع"، يقول قريطم، موضحاً أن بعض الدول تعمل بنظام النقاط، بحيث يمنع السائق من القيادة إذا تجاوز الحد المقرر، وإذا خالف بعد المنع يتعرض للحبس، مشيراً إلى أن هذا النظام لا يفعل في مصر حتى الآن.
بينما يرى أن تطبيق نظام النقاط أصبح ممكناً في ظل التطور التكنولوجي الراهن، معتقداً أن المرور في مصر يشهد نقلة رقمية كبيرة، إذ يحمل كل ضابط جهازاً إلكترونياً لتحرير المخالفات بدلاً من الأسلوب التقليدي، بما يتيح خصم النقاط بصورة لحظية، مؤكداً توافر البنية التقنية اللازمة لتفعيل النظام.
أمام ساحة اختبار القيادة في أحد مراكز المرور المكتظة بالقاهرة، وقف الشاب الأربعيني مصطفى (اسم مستعار) يراقب مشهداً دفعه إلى إعادة حساباته. ويستذكر قائلاً "أحد المواطنين الخاضعين لاختبار القيادة يجيد التحرك بمركبته بدقة ذهاباً وإياباً، ومع ذلك غادر الساحة بقرار رسوب".
بالنسبة إلى مصطفى، الذي يقطن بعيداً من دائرة مروره، لم يكن خيار "الإخفاق" متاحاً، وفق حديثه وكانت تلك الواقعة، وفق ما يؤكد، نقطة الانطلاق للبحث عما يسمى في العرف الدارج "اللهو الخفي"، وهو من يساعد في إنهاء الخدمات، بحسب زعمه. ويقول "قضيت يومي أتتبع حركة الموظفين بين المكاتب والساحات، حتى اهتديت إلى وسيط أنهيت معه اتفاقاً مالياً لإنهاء المهمة".
"في صباح اليوم التالي تبدل المسار الإداري، إذ تحول الفحص الفني إلى اختبار صوري لم يستغرق سوى دقائق". ويروي مصطفى الذي صدرت له الرخصة قبل تسعة أعوام "سددت المبلغ المتفق عليه، وكان الرجل يرافقني طوال الوقت لإنهاء الأوراق، حتى تسلمت الرخصة وغادرت".
المفارقة، وفق حديثه، لم تتوقف عند أسوار مركز المرور، فبعد مغادرته تلقى اتصالاً هاتفياً من الشخص ذاته، يؤكد فيه جاهزيته الدائمة لتقديم "الخدمة" له ولكل من يأتي من طريقه.
وبحسب المتخصص المروري اللواء أحمد هشام، فإن قانون المرور الجديد الذي ننتظره من المفترض أنه سيلزم المتقدم بقضاء فترة تدريب في مدرسة قيادة لمدة تصل إلى 15 يوماً، بحد أقصى خمس ساعات يومياً بحسب درجة الرخصة، مع إجراء كشف طبي شامل يشمل تحليل المواد المخدرة، وفق هشام.
وعن الشهادات المتعلقة بصدور رخص بطرق غير شرعية في أثناء فترات الاضطرابات، أوضح "طالما يمتلك رخصة سارية لا يمكن الاقتراب منه، لكن عند ارتكاب مخالفة يجرى التعامل معه قانونياً".
اختبارات فنية
ويشير هشام إلى أن تجديد الرخصة التي مدتها 10 أعوام يمثل فرصة لإعادة الفحص الطبي والاختبار الفني، فإذا ثبت عدم القدرة على القيادة الآمنة تلغى الرخصة أو تؤجل لحين استيفاء الاشتراطات. وأضاف "في التجديد، يجرى كشف طبي واختبار فني ضمن إطار القانون الجديد الذي لم يوافق عليه حتى الآن، ويجب تشديد العقوبات على أي مخالفة تسبب إصابة أو تعطيل حركة المرور، وسحب الرخصة وإلغاؤها نهائياً عند تكرار المخالفة لمدة لا تقل عن عام".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولفت هشام إلى أن غياب الثقافة المرورية يمثل وفق تصوره أزمة ممتدة منذ أكثر من أربعة عقود، على رغم اهتمام الدولة منذ عام 2014 بتطوير ورفع كفاءة الطرق وإنشاء محاور جديدة. وبحسب ما يرى المتخصص المروري اللواء مجدي الشاهد فإن التركيز يجب أن يكون على المنظومة التشريعية التي ترسم حدود السلوك لقائدي المركبات وتحدد ما هو مباح وما هو محظور، موضحاً أن تنظيم السلوكات عبر القانون هو السبيل لضمان الانضباط المروري. وأضاف أن معظم الدول تنص تشريعاتها على ضرورة اجتياز دورة تدريبية في مدارس القيادة قبل استخراج الرخصة.
"قانون المرور المصري يحتاج إلى إعادة صياغة بحيث يشترط تلقي دورة تدريبية قبل الحصول على الرخصة"، وفق الشاهد، لتزويد السائقين بالوعي المروري وتعزيز السلوك السليم على الطرق.
ويضع الشاهد يده على جذور الأزمة قائلاً "في فترات سابقة، تحديداً عقب الاضطرابات التي تلت أحداث يناير وما صاحبها من حرق لبعض مقار وملفات المرور، حدث تقصير أدى إلى تمرير رخص دون اتباع الضوابط والتعليمات"، مشيراً إلى عائق قانوني يمنع تصحيح هذا الوضع بأثر رجعي، موضحاً "بمجرد حصول الشخص على الرخصة، ينشأ له مركز قانوني مستقر، بالتالي يصعب سحبها أو إلغاؤها، لأن إثبات الخلل في آلية إصدارها القديمة بات أمراً معقداً للغاية". ويرى أن المخرج الحالي لمواجهة هذا الأمر يكمن في رفع الوعي المروري وتغليظ العقوبات لضمان التزام الجميع بالقانون على الطريق.