ملخص
لم تشهد الولايات المتحدة في العقود الثمانية الأخيرة حالة من الانطواء العسكري داخل حدودها، وهو ما يرجعه بعض المفكرين السياسيين مثل نعوم تشومسكي إلى قوة قطاع التصنيع العسكري وحاجته إلى صراعات جديدة للحفاظ على مبيعاته من الأسلحة سواء للبنتاغون أو لدول أخرى.
تكتب الجغرافيا أقدار كثير من الدول، إلا أن الولايات المتحدة ربما تكون أبرز الاستثناءات، فالدولة مترامية الأطراف التي تكاد تكون شبه قارة وفيرة الإمكانات، عند النظر إليها على الخريطة تجدها منعزلة عن قارات العالم القديم وتفصلها عن جيرانها عوامل طبيعية تعزز أمنها وتحمي مواردها، لكن التاريخ الأميركي في ثلثه الأخير، وربما الأهم، يحمل سنوات سيطرة واشنطن على العالم في مختلف البقاع البعيدة جغرافياً، عبر عدة عوامل أهمها القوة العسكرية التي مكّنت أميركا من الانخراط في حروب تبعد عن حدودها آلاف الأميال، بينما تظل ملاصقة للمصلحة الأميركية في تثبيت الهيمنة على العالم.
ومنذ إعلان الدولة في عام 1776، ظلت الولايات المتحدة منغلقة على ذاتها وسط صراعات داخلية أو على حدودها، باستثناء حكمها للفيليبين على خلفية صراع مع إسبانيا. ولم تظهر القدرات العسكرية للعملاق الاقتصادي على الصعيد العالمي سوى بعد نحو 165 عاماً، تحديداً في خضم الحرب العالمية الثانية، حين بدأ مفكرون أميركيون يروّجون فكرة أن بلدهم المسيطر على ربع اقتصاد العالم مكانه الطبيعي في قيادة العالم.
إلى أقصى بقاع الأرض
وعلى رغم انخراط الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى عام 1917 رداً على مهاجمة ألمانيا سفنها التجارية، إلا أن ذلك لم يعن خروجها من عزلتها الاختيارية التي عادت إليها مرة أخرى بعد نهاية الحرب في العام التالي، وفق كتاب "هل انتهى القرن الأميركي؟" لأستاذ العلوم السياسية جوزيف ناي، الصادر عام 2015، إذ يرجع ناي وغيره من الأكاديميين بداية "العصر الأميركي" إلى مطلع الأربعينيات من القرن الماضي، تحديداً لمقال الصحافي والناشر هنري لوس بعنوان "القرن الأميركي" في مجلة "لايف" في فبراير (شباط) 1941، الذي طرح فيه رؤية كانت لها "آثار بالغة الأهمية على السياسة الخارجية الأميركية على المديين القريب والبعيد"، وفق تعبير موقع الأرشيف الوطني التابع لوزارة الخارجية الأميركية.
أسس لوس رؤيته على أن للولايات المتحدة "الحق والواجب الأخلاقي في استخدام قوتها العسكرية والاقتصادية لخدمة تعزيز المثل العليا للحرية والديمقراطية في جميع أنحاء العالم"، ودعا إلى الانخراط في الحرب العالمية ضد ألمانيا النازية، مؤكداً ضرورة أن تحل الولايات المتحدة محل بريطانيا قائدة للعالم، وأن تغير نظام العلاقات الدولية عبر تطبيق ما سمّاه "المبادئ الأميركية" على مستوى العالم.
وبحسب المؤرخ ستيفن ويرثيم في كتابه "غداً، العالم: ميلاد الهيمنة الأميركية العالمية" الصادر عام 2020، حين غزا الألمان باريس في يونيو (حزيران) 1940، كان الجيش الأميركي يحتل المرتبة التاسعة عشرة عالمياً، يتفوق عليه حتى الجيش الهولندي، لكن فكر النخب الأميركية تغير في مطلع الأربعينات لتحقيق الهيمنة العسكرية؛ بدعوى وجود "مسؤولية" على الولايات المتحدة كقوة عظمى لمساعدة "الأقل حظاً"، إلى جانب تفكير اقتصادي بني على أن لدى الولايات المتحدة نحو 50 في المئة من ثروة العالم، بينما لا تمثل سوى نحو 6 في المئة من سكانه، لذا كانت مهمة أميركا بحسب الدبلوماسي البارز جورج كينان هي "ابتكار نمط من العلاقات يسمح لنا بالحفاظ على هذا التفاوت من دون الإضرار بأمننا القومي"، وكانت القوة المسلحة إحدى طرق القيام بذلك، وفق ويرثيم.
كانت السطور السابقة مقدمة ضرورية لفهم المنطق وراء التحول الذي طرأ على الفكر العسكري للولايات المتحدة من حفظ لمصالحه في دول الجوار، إلى الوجود في أقصى بقاع الأرض بعيداً من حدوده، فمع انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية بفعل الدور الحاسم لانضمام الولايات المتحدة إلى الحرب بنهاية عام 1941، بلغ انتشار الجيش الأميركي وسط أوروبا، إضافة إلى اليابان ومستعمراتها السابقة، التي كانت ميادين القتال بين الأميركيين وقوات النازيين وحلفائهم اليابانيين، لتبدأ حقبة جديدة من السياسات الأميركية عنوانها الانخراط في الأزمات الإقليمية بعيداً من حدودها.
أفرزت الحرب العالمية الثانية تقسيماً للنفوذ في نقاط التماس بين المنتصرين، بخاصة الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، وكانت من أبرز ميادينه كوريا، المستعمرة اليابانية التي كانت تتوق للحرية بعد استسلام طوكيو في أغسطس (آب) 1945 على وقع القنبلتين النوويتين الأميركيتين.
الحرب الكورية
في الوقت الذي كانت فيه واشنطن منشغلة ببناء "يابان مسالمة وديمقراطية" وفق تعبير موقع أرشيف وزارة الخارجية الأميركية، تزايد المدّ الشيوعي في شرق آسيا، أبقت أميركا والاتحاد السوفياتي ملف كوريا معلقاً بصورة موقتة عبر تقسيم شبه الجزيرة عند خط العرض 38، بحيث تشرف القوات السوفياتية على انسحاب قوات اليابان شمال ذلك الخط، وتترك المهمة للقوات الأميركية في جنوبه، لكن التقاسم الأهم كان حول النفوذ على شطري كوريا اللذين رفع كل منهما شعار السعي إلى الوحدة، بحيث دعم السوفيات كيم إيل سونغ في جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية شمالاً، بينما دعمت الولايات المتحدة حكومة سينغمان ري في جمهورية كوريا جنوباً، فيما انسحبت قوات البلدين تباعاً في عامي 1948 و1949.
استغلت قوات الشماليين انسحاب القوات الأميركية من الجنوب، وشنّت هجوماً كاسحاً في يونيو (حزيران) 1950، كاد أن يوحد شبه الجزيرة تحت سلطة كيم، لكن الولايات المتحدة سارعت بالتحرك على مسارين، الأول هو التحرك في مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار يطالب قوات الشماليين بالانسحاب إلى شمال خط عرض 38، ويقر تدخلاً أممياً تحت الفصل الخامس من ميثاق الأمم المتحدة، مستغلة مقاطعة الاتحاد السوفياتي للمجلس وعدم استخدام حق الفيتو، المسار الثاني كان المسارعة بإرسال تعزيزات من القوات الأميركية المتمركزة في اليابان.
في غضون أيام تشكّلت قوة تحت راية الأمم المتحدة، لكن قوامها الأساسي من الجيش الأميركي، لإنقاذ قوات كوريا الجنوبية من هزيمة بدت محققة، وبين يوليو (تموز) إلى مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 1950 بددت القوات الدولية انتصارات الجيش الشمالي، الذي كان منهكاً من طول خطوط الإمداد اللوجيستي، بل وتخطت خط 38 شمالاً ليتحول التهديد إلى زوال الدولة الوليدة التي بناها كيم، لكن ذلك التهديد دفع الصين إلى التدخل في الحرب بدعوى حماية أمنها القومي، وهو ما وازن كفتي الصراع، ومع انتصاف عام 1951 كان الطرفان مستمرين في المعارك من دون تقدم حقيقي، وهو ما دفع إلى التوصل لهدنة عام 1953 أوقفت القتال حتى الآن من دون معاهدة سلام، فيما وقعت الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في العام نفسه معاهدة أمنية مشتركة تهدف إلى حمايتها من جارتها الشمالية.
وعلى رغم عدم تحقيق هدف توحيد كوريا تحت حكم الجنوبيين، الذي لاح في الأفق خلال بعض مراحل الحرب، فإن الحرب الكورية كانت فارقة في تشكيل السياسة الأميركية خلال عقود الحرب الباردة، بخاصة على الصعيد العسكري، إذ سبقت الحرب وثيقة سرية أعدها مجلس الأمن القومي طرحت رؤية لاحتواء التمدد الشيوعي، بعد امتلاك الاتحاد السوفياتي القنبلة النووية وانتصار الشيوعيين في الحرب الأهلية الصينية. واقترحت الوثيقة مضاعفة الإنفاق العسكري، إلا أن الرئيس الأميركي هاري ترومان تحفظ حيال تلك المقترحات بسبب تكلفتها.
لكن اندلاع الحرب الكورية أجبر ترومان في سبتمبر (أيلول) 1950 على توقيع الوثيقة رقم 68 التي كانت قد أعدت في أبريل (نيسان) من العام نفسه من قبل فريق بقيادة بول نيتزه. وأوصت الوثيقة التي أعدها فريق تخطيط السياسات بعدم العودة إلى سياسة العزلة مرة أخرى، لأن ذلك سيفتح المجال أمام السوفيات للسيطرة على أوروبا وآسيا، وأن السبيل لمجابهتهم هو الاحتواء العسكري عبر مضاعفة الترسانة الأميركية التقليدية والنووية، وهو ما تحقق بالفعل، إذ ضاعفت إدارة ترومان الإنفاق الدفاعي ثلاث مرات تقريباً ليصل إلى 14.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 1953 بدلاً من 5 في المئة عام 1950.
مستنقع فيتنام
بعد عام واحد على اتفاق الهدنة في كوريا، ظهر اختبار جديد لسياسة احتواء الشيوعية، ميدانه أيضاً شرق آسيا، لكن هذه المرة في فيتنام، التي علقت في الذاكرة الأميركية باعتبارها أحد أكثر الحروب التي كبدت واشنطن خسائر سياسية وعسكرية.
انتصار القوميين الفيتناميين "الفيت مين" على فرنسا، المدعومة من الولايات المتحدة بهدف منع وقوع بلد جديد في دائرة الشيوعية، دفع واشنطن إلى نقل الدعم إلى حكومة فيتنام الجنوبية بقيادة نغو دينه ديم، الذي لم يستطع وقف التغلغل الشيوعي جنوباً، وأدت سياساته إلى اندلاع تمرد داخلي، شكّل بداية لاندلاع الحرب بين قوات الشطر الشمالي على الجيش الجنوبي عام 1959.
مع تدهور الأوضاع في سايغون عاصمة الجنوب الفيتنامي اغتيل الرئيس ديم على يد عدد من جنرالاته بموافقة ضمنية من إدارة الرئيس جون كينيدي عام 1963، بحسب موقع الأرشيف التابع للخارجية الأميركية. وعلى رغم الدعم العسكري الأميركي لم تستطع القوات الجنوبية تحقيق اختراق أمام فيتنام الشمالية المدعومة من المعسكر الشيوعي، وبحلول أغسطس (آب) 1964، اعتقدت إدارة الرئيس ليندون جونسون أن تصعيد الوجود الأميركي في فيتنام هو الحل الوحيد، بخاصة بعد وقوع هجوم من زوارق فيتنامية على مدمرتين أميركيتين في خليج تونكين، ما أدى إلى إصدار قرار من الكونغرس بالإذن لإدارة جونسون بالدفاع عن القوات الأميركية في فيتنام.
وفرت حادثة خليج تونكين وقرار الكونغرس اللاحق مبرراً لمزيد من التصعيد العسكري الأميركي في فيتنام، وتضاعفت أعداد القوات الأميركية حتى 543 ألف جندي في أبريل (نيسان) 1969 بعدما كانوا 900 مستشار عسكري فقط في عام 1960.
طول أمد الحرب ونزيف الخسائر أديا إلى تصاعد الاحتجاجات الداخلية على استمرار أميركا في القتال بفيتنام، ما أدى إلى قرار الرئيس جونسون عام 1968 عدم الترشح لولاية ثانية، وتبنى خلفه، ريتشارد نيكسون، سياسة تقوم على السحب التدريجي للقوات الأميركية مع تقوية قوات فيتنام الجنوبية، والاعتماد على الضربات الجوية المكثفة لإجبار الشماليين على التفاوض، وبالفعل جرى توقيع اتفاق سلام في يناير (كانون الثاني) 1973، ما مكّن واشنطن من تسريع سحب قواتها. وعلى رغم أن نيكسون أقنع قيادة فيتنام الجنوبية بالاتفاق عبر رسائل تضمنت تعهده الشخصي بالتدخل في حالة انتهاك المعاهدة، فإن واشنطن لم تلتزم بتعهدها، إذ استأنفت قوات فيتنام الشمالية الحرب في مارس 1975، واجتاحت مدينة سايغون لتنهي الحرب فعلياً بانتصارها، وتتحول فيتنام بالكامل إلى الشيوعية حتى الآن.
ما بدأته واشنطن تحت شعار سياسة احتواء الشيوعية، انتهى بكارثة اقتصادية وعسكرية، إذ تكلفت الحرب نحو 200 مليار دولار، فيما خدم نحو 2.6 مليون عسكري أميركي في جنوب فيتنام، لقي أكثر من 58 ألفاً منهم حتفه، وفق شبكة CNN. فيما لم تخدم تلك الحرب المصالح الأميركية بحسب أكاديميين مثل هانس مورغنثاو، أستاذ العلوم السياسية، الذي كان من أبرز الناقدين للحرب، إذ رأى في الصراع حرباً أهلية بدوافع قومية أكثر من كونها معركة بين الشيوعية والليبرالية، كذلك اعتبر أن تحول فيتنام للشيوعية، وإن حدث، فلن يهدد جوهر المصالح الأميركية.
بنما... الحديقة الخلفية
التدخلات العسكرية الأميركية لم تقتصر على البقاع الجغرافية البعيدة، بل استخدمت القوة لتحقيق المصالح الأميركية في فنائها الخلفي، أميركا اللاتينية، لكنها غالباً تكون بصورة خاطفة على غرار اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في الثالث من يناير الماضي، في عملية عسكرية خاطفة تولت بعدها نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز الحكم بسياسات مغايرة عن سلفها، أكثر انفتاحاً سياسياً وتجارياً على الولايات المتحدة.
قبل 36 عاماً من ذلك اليوم، تحديداً في الثالث من يناير 1990 كان الحاكم العسكري لبنما مانويل نورييغا يخرج من سفارة الفاتيكان في بلاده ويسلم نفسه للقوات الأميركية، التي كانت قد أطلقت قبل أسبوعين عملية "القضية العادلة" التي جاءت رداً على مقتل ضابط أميركي يرتدي ملابس مدنية، إلا أن خلفية الصراع تحمل تفاصيل أعقد من ذلك؛ فنورييغا الذي عمل لعقود مع وكالة الاستخبارات الأميركية كمرشد للمعلومات بمقابل مادي، تحول إلى خصم للولايات المتحدة وأدين من محكمة أميركية بتهريب المخدرات عام 1988، وفق الموسوعة البريطانية "بريتانيكا".
تصاعد التوتر مع واشنطن بعد إلغاء نورييغا نتائج الانتخابات الرئاسية في مايو (أيار) 1989 التي أسفرت عن فوز كبير لزعيم المعارضة غييرمو إندارا على حساب كارلوس دوكي المدعوم من نورييغا. كما دفع نورييغا البرلمان إلى تسميته "زعيماً أعلى" للبلاد، ثم أعلن أن بلاده في حالة حرب مع الولايات المتحدة، وبعد أيام قتل ضابط من البحرية الأميركية "المارينز" ما دفع الرئيس الأميركي حينها جورج بوش إلى إطلاق أكبر حملة عسكرية منذ حرب فيتنام، بمشاركة 24 ألف جندي استطاعوا سريعاً هزيمة القوات البنمية وانهار النظام خلال يومين، ولجأ نورييغا إلى سفارة الفاتيكان عدة أيام، إلا أن الأميركيين لجأوا إلى وسيلة جديدة لإجباره على الاستسلام، هي إذاعة أغاني الروك من دون توقف بصوت عال يصم الآذان، ما دفع نورييغا إلى تسليم نفسه، إذ نقل للمحاكمة في أميركا وحكم عليه بالسجن 40 عاماً بتهمة تهريب المخدرات.
الفائز في انتخابات الرئاسة غييرمو إندارا أدى اليمين الدستورية من داخل قاعدة عسكرية أميركية لجأ إليها عقب اندلاع الاشتباكات، وحلت بنما قواتها المسلحة، واستعانت بالولايات المتحدة في تشكيل قوات شرطية لحفظ الأمن.
من الكويت إلى أفغانستان
في مطلع التسعينيات أيضاً، وبينما كان الاتحاد السوفياتي في طريقه إلى التحلل، كانت الولايات المتحدة تعيش "لحظة القطب الواحد" بحسب ما وصفها الكاتب تشارلز كروثامر في مجلة "فورين أفيرز" في أول أيام عام 1990، فيما كان شرق أوروبا يخرج من عباءة الشيوعية عقب هدم جدار برلين.
إلا أن التأكيد على هيمنة الولايات المتحدة الأحادية على العالم جاء من الشرق الأوسط، حين غزا العراق بقيادة صدام حسين الكويت في أغسطس (آب) 1990، ليصدر قرار أممي بتشكيل قوة دولية لإجبار الجيش العراقي على الانسحاب، وهو ما جرى خلال حرب قصيرة في يناير وفبراير 1991، قادت فيها الولايات المتحدة قوات ضمت دولاً عربية مثل مصر وسوريا.
عملية "عاصفة الصحراء" التي أطلقت لتحرير الكويت كانت مقدمة لتواجد عسكري أوسع في الشرق الأوسط بإقامة قواعد عسكرية تطبيقاً لاتفاقيات دفاع مشترك بين الولايات المتحدة ودول خليجية.
التدخلات الأميركية اللاحقة في أزمات مثل الصومال والبوسنة وغيرها أكسبها وصف "شرطي العالم"، لكن الكبرياء الأميركي تعرض لجرح شديد نتيجة هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، التي وجه لتنظيم "القاعدة" الاتهام بالضلوع فيها، لتستعيد واشنطن سردية "حرية الشعوب"، فبعد أيام من الهجمات على الأراضي الأميركية استخدم الرئيس جورج دبليو بوش خطاب حق الشعب الأفغاني في الحرية من قمع نظام حركة "طالبان"، بعد أكثر من عقد على استخدام والده ذات المفردات بشأن شعب بنما. كذلك طالب بوش "طالبان" بتسليم زعيم "القاعدة"، أسامة بن لادن، وهو ما رفضته كابول من دون تقديم دليل على تورطه في الهجمات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2001، بدأت عملية عسكرية سمّتها "الحرية الدائمة" وتحت شعار "الحرب على الإرهاب" الذي رفعته واشنطن عقب استهداف برجي مركز التجارة العالمي. ولم تصمد حكومة "طالبان" طويلاً تحت ضربات التحالف الدولي المؤلف من أكثر من 40 دولة بقيادة الولايات المتحدة، والمدعوم بقوات أفغانية مناوئة لـ"طالبان" كانت تسيطر على مساحة من الأراضي شمال البلاد، إذ دخلت القوات الأميركية إلى كابول بعد أقل من 40 يوماً من بدء الحرب.
إلا أن سقوط "طالبان" في 2001 لم يكن سوى محطة في مسار الصراع، فالتنظيم المتشدد تراجع إلى الجنوب واستغل انشغال الولايات المتحدة بحرب العراق ليعاود شن سلسلة من الهجمات على قوات الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة والقوات الدولية، دفعت واشنطن لاحقاً إلى الجلوس إلى طاولة التفاوض مع "طالبان" وتوقيع "اتفاق الدوحة" عام 2020، الذي نتج منه الانسحاب الأميركي في العام التالي.
وخلال عقدين من الحرب في أفغانستان، لقي أكثر من 46 ألف مدني مصرعهم، إلى جانب 2324 عسكرياً أميركياً، وفق جامعة براون الأميركية، التي قدرت تكاليف الحرب بما لا يقل عن 2.26 تريليون دولار.
وفي الوقت الذي كان فيه الجيش الأميركي منغمساً في أفغانستان، بدأت إدارة بوش فصلاً جديداً من الحروب البعيدة عن الأراضي الأميركية، كان ميدانها العراق مرة أخرى.
على طريقتها المعتادة، اختارت إدارة بوش في عام 2003 اسم "حرية العراق" لعمليتها العسكرية ضد نظام صدام حسين، بزعم امتلاكه أسلحة دمار شامل، وهي المزاعم التي لم تثبتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ورفض مجلس الأمن منح واشنطن حق التدخل تحت الفصل السابع.
وفق موقع "مكتبة جورج دبليو بوش" الحكومي الذي يضم أرشيف إدارته، فإن "بعد الغزو، تبيّن عدم وجود مخزونات من أسلحة الدمار الشامل في العراق، وأن مزاعم الحكومة الأميركية بهذا الشأن كانت مبنية على معلومات استخباراتية غير موثوقة أو أُسيء تفسيرها".
لم يستغرق إسقاط نظام صدام سوى ثلاثة أسابيع، إذ وقعت بغداد بيد قوات التحالف بقيادة أميركا ومشاركة بريطانيا وأستراليا والدنمارك وهولندا وبولندا، لتبدأ أكثر من 8 سنوات من الاحتلال كانت حصيلتها كبيرة سواء في الخسائر البشرية أو بنية الدولة العراقية. وتفيد الأرقام الرسمية الأميركية بأن الحرب خلفت ما يزيد قليلاً على 4400 أميركي ونحو 100 ألف عراقي.
الرفض الشعبي للحروب
وبعد 75 عاماً على الحرب العالمية التي كانت مقدمة للتدخلات العسكرية في العالم، سواء عبر حروب دموية مكلفة مثل فيتنام والعراق وأفغانستان، أو عمليات عسكرية محدودة كما حدث في البلقان وليبيا وسوريا، تغير المزاج الأميركي ليصبح أكثر رفضاً للحروب الخارجية. في عام 2020 أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة YouGov أن 75 في المئة من الأميركيين يرون ضرورة أن تركز حكومتهم على القضايا الداخلية أكثر من السياسة الخارجية، فيما اعتقد 48 في المئة أن بلادهم عليها تقليل انخراطها العسكري في الصراعات العالمية، فيما عارضهم 7 في المئة فقط من العينة التي شملها استطلاع الرأي.
وعزز خطاب الرئيس دونالد ترمب، في حملته لانتخابات عام 2024، الداعي إلى إنهاء الحروب الطويلة، التوقعات بإدارة أكثر تحفظاً حيال إرسال قواتها في مهام خارجية، لكن تلك التوقعات ثبت عدم صحتها بعد مشاركة المقاتلات الأميركية في قصف المواقع النووية الإيرانية خلال حرب الـ12 يوماً العام الماضي.
وجاءت الحرب الأخيرة على إيران لتؤكد استمرار واشنطن في استخدام قوتها العسكرية لتأكيد نفوذها في العالم، إذ أطلقت بالتعاون مع إسرائيل في 28 فبراير (شباط) الماضي حملة قصف واسعة اغتالت فيها المرشد الإيراني علي خامنئي، ولجأت لاحقاً إلى حصار بحري محكم. لكن القوة العسكرية لم تنه المهمة سريعاً كما حدث في دول أخرى، حيث لم يتغير النظام الإيراني ولم يتوقف عن هجماته الإقليمية بما فيها على إسرائيل، ما دفع الإدارة الأميركية إلى وقف إطلاق النار لمدة 6 أشهر والدخول في مفاوضات للحل النهائي.
ولم تشهد الولايات المتحدة في العقود الثمانية الأخيرة حالة من الانطواء العسكري داخل حدودها، وهو ما يرجعه بعض المفكرين السياسيين مثل نعوم تشومسكي إلى قوة قطاع التصنيع العسكري وحاجته إلى صراعات جديدة للحفاظ على مبيعاته من الأسلحة سواء للبنتاغون أو لدول أخرى.
وعزا تشومسكي في مقابلة صحافية نشرت عام 2004 مفهوم "اقتصاد الحرب الدائم"، إلى تشارلز ويلسون، الرئيس التنفيذي لشركة "جنرال إلكتريك" في الأربعينيات من القرن الماضي، الذي دعا عقب الحرب العالمية الثانية إلى عدم العودة إلى اقتصاد سلمي بل الحفاظ على اقتصاد حربي دائم شبيه بالنموذج الذي أثبت نجاحه أثناء الحرب. ويفسر تشومسكي استمرار تلك الصيغة بأن "للاقتصاد الحربي الدائم وظيفة اقتصادية، إضافة إلى وظيفته العسكرية البحتة. وكلا النتيجتين - قوة عسكرية لا تُضاهى واقتصاد صناعي متقدم - تُوفران بطبيعة الحال آليات حاسمة لتخطيط السياسة الخارجية، التي يهدف معظمها إلى ضمان حرية وصول قطاع الشركات المدعومة من الدولة إلى الأسواق والموارد، وتقييد المنافسين، ومنع أي تحركات نحو التنمية المستقلة".
كذلك وصف العسكري الأميركي السابق والمختص في العلوم السياسية أندرو باسيفيتش الإنفاق الدفاعي في السياسة الأميركية بأنها "البقرة الأكثر قداسة"، مشيراً في مقال نشره عام 2011 إلى أن واشنطن تُجيد إشعال الحروب وإطالة أمدها، لكنها تعجز عن إنهائها.