ملخص
تتعدد بؤر التحقيق جغرافياً، من مخيمات تشاد ومدن أوروبا الكبرى إلى مصر ولبنان والأردن والعراق والمغرب وتونس وسوريا، لتكشف معاً عن حقيقة واحدة: أن أزمة الاندماج ليست أزمة ثقافية بالدرجة الأولى، بل أزمة سياسات وموارد وعدالة توزيعية
في زمن تتقاطع فيه موجات اللجوء والهجرة مع أزمات الهوية والاقتصاد، بات ملف العنصرية المضادة في البلدان المستضيفة من أكثر الملفات إلحاحاً وأشدها تعقيداً. فما بدأ ظاهرة عابرة، تحول إلى صراع بنيوي تتداخل فيه الضغوط الاقتصادية وأزمات الاندماج وصعوبة الاعتراف بالآخر.
ترصد "اندبندنت عربية" في هذا التحقيق المشترك من دول مختلفة، الوجه الآخر لأزمات الهجرة، ذلك الوجه الذي كثيراً ما تخفيه الخطابات الإنسانية المعتادة. فبينما يتحدث النقاش العام غالباً عن حقوق اللاجئين ومآسيهم، يتوقف هذا التحقيق عند تساؤل أكثر إثارة للجدل: كيف تولّد بيئات اللجوء أشكالاً متبادلة من التوتر والنبذ، ومتى تتحول المخاوف الاقتصادية المشروعة إلى عداء جماعي غير مشروع؟
تتعدد بؤر التحقيق جغرافياً، من مخيمات تشاد ومدن أوروبا الكبرى إلى مصر ولبنان والأردن والعراق والمغرب وتونس وسوريا والسودان، لتكشف معاً عن حقيقة واحدة: أن أزمة الاندماج ليست أزمة ثقافية بالدرجة الأولى، بل أزمة سياسات وموارد وعدالة توزيعية، وأن الهوية لا تُحسم بالجنسية وحدها، بل بالشعور بالانتماء الذي لا يمنحه الوثيقة الرسمية.
الوجه الآخر لأزمات الهجرة والاندماج
أعادت الهجرة في القرن الـ21 تعريف علاقة المجتمعات الحديثة بالهوية والتنوع والتماسك الاجتماعي، متجاوزة كونها حركة انتقال للأفراد بحثاً عن الأمان أو الفرص الاقتصادية فقط.
ومع تزايد موجات اللجوء خلال العقدين الماضيين نتيجة الحروب والأزمات الاقتصادية وغيرها، وجدت الدول المستقبلة نفسها أمام تنامي أنواع متبادلة من التوتر الثقافي والاجتماعي بين بعض المهاجرين والمجتمعات المستضيفة.
تصدرت مدينة بلفاست في إيرلندا الشمالية أخيراً واجهة النقاش، بعدما أثارت حادثة طعن نفذها لاجئ سوداني ضد مواطن بريطاني جدلاً واسعاً وأعقبتها موجة من الاحتجاجات.
وأعادت اضطرابات شهدتها مدن في فرنسا وألمانيا والسويد وهولندا في أوقات متفرقة، إحياء النقاش حول ظاهرة "العنصرية المضادة" وعلاقتها بأزمات الهوية والاندماج. وفي الولايات المتحدة، تصاعدت أجواء الجدل حول الهجرة في أعقاب حوادث عنف وجرائم فردية ارتكبها مهاجرون.
ولم يقتصر الجدل حول تلك الأحداث على تنامي المشاعر المناهضة للهجرة، بل امتد إلى نقاش أوسع في شأن الظاهرة وما يتبعها من سلوكيات عدائية أو تمييزية قد يمارسها بعض المهاجرين تجاه المجتمعات المستضيفة، أو رفضهم الاندماج في المنظومة القانونية والثقافية.
وعززت هذه النقاشات شعوراً لدى بعض شرائح الرأي العام بأن فئات من المهاجرين تعيش داخل دوائر اجتماعية وثقافية مغلقة، بما يفاقم مشاعر الاغتراب وانعدام الثقة المتبادلة.
مسار تراكمي
تشكلت المجتمعات المهاجرة المغلقة في أوروبا حصيلة تراكم طويل لتحولات ديموغرافية واقتصادية وثقافية متداخلة. فمع ارتفاع أعداد المهاجرين في دول "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" إلى أكثر من 141 مليون شخص، وتجاوز نسبة المولودين في الخارج 10 في المئة من السكان، نشأت تجمعات بشرية كبيرة ذات أصول مشتركة داخل المدن الكبرى، مدفوعة باعتبارات السكن والعمل وشبكات القرابة والدعم الاجتماعي.
وخلال مراحله الأولى، مثل هذا التمركز آلية طبيعية لتخفيف صدمة الانتقال وحماية الهوية وتوفير رأس مال اجتماعي للمهاجرين الجدد.
لكن التحدي يبدأ عندما يتحول التركز المكاني إلى انفصال اجتماعي طويل الأمد، فكلما تراجعت فرص الاحتكاك اليومي بين الوافدين والسكان الأصليين، ضعفت الروابط المشتركة وازدادت قابلية الطرفين لتبني صور نمطية متبادلة. عند هذه النقطة لا ينشأ الصدام بسبب التنوع نفسه، بل بسبب تآكل المساحات المشتركة التي تسمح بتكوين مصالح وقيم جامعة.
وتزداد حدة التوتر عندما تتقاطع الفوارق الثقافية والدينية مع الإقصاء الاقتصادي وضعف الحراك الاجتماعي، فتتحول بعض الأحياء إلى ما يسميه باحثون "مجتمعات موازية" تعمل داخل شبكاتها الخاصة أكثر مما تتفاعل مع محيطها الأوسع.
وتبدو أحياء مثل سين سان دوني في باريس ورينكبي في ستوكهولم ونويكولن في برلين، نتاجاً لمسار تراكمي معقد تتداخل فيه الديموغرافيا والاقتصاد والثقافة، أكثر من أنها مجرد تعبير عن رفض الاندماج أو اختلاف الهوية.
عزلة الأجيال
تظهر تجارب في كندا وأستراليا، فضلاً عن نماذج محلية في ألمانيا وهولندا، أن الاندماج يكون أكثر استقراراً عندما تقترن سياسات الاستقبال بفرص متكافئة في التعليم والعمل والمشاركة العامة، وتبرز المدرسة باعتبارها المؤسسة الأكثر حسماً في تشكيل العلاقة بين أبناء المهاجرين والدولة.
وبحسب "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية"، يتراجع خطر التهميش كلما ارتفعت مستويات الاختلاط المدرسي والتحصيل التعليمي، غير أن الواقع في بعض الضواحي الفرنسية والسويدية يكشف عن استمرار التركز التعليمي والسكني معاً، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج العزلة عبر الأجيال.
وهنا يبرز سؤال الجيلين الثاني والثالث، فهؤلاء ولدوا داخل الدولة ويحمل كثير منهم جنسيتها، لكنهم غالباً ما يتحركون بين مرجعيتين ثقافيتين. وأظهرت دراسات نشرتها "مجلة دراسات الهجرة المقارنة" في باريس وبرلين أن الهوية السائدة بينهم ليست انفصالية بقدر ما هي هوية هجينة تجمع بين الانتماء الوطني والإرث الثقافي للأسرة، وإن ظلت مشروطة بدرجة القبول الاجتماعي وفرص الحراك الاقتصادي.
ويظل سوق العمل الاختبار الأكثر حساسية، فالمهاجرون يشكلون ركيزة أساسية في قطاعات تعاني نقصاً هيكلياً في العمالة، فيما تشير بيانات المنظمة إلى استمرار فجوات ملحوظة في التوظيف والدخل مقارنة بالسكان الأصليين في عدد من الدول الأوروبية. ومع ارتفاع كلف المعيشة وأزمات الإسكان، تتحول هذه الفجوات إلى شعور متبادل بالمنافسة على الوظائف والخدمات العامة.
أما الملف الأمني، فيبقى الأكثر قابلية للتسييس، إذ ربطت تقارير أمنية في السويد مثلاً، تصاعد نشاط بعض العصابات المسلحة ضمن مناطق تعاني التهميش الاجتماعي والاقتصادي، فيما كشفت السلطات في ألمانيا وفرنسا مرات عدة عن شبكات محدودة استغلت أنظمة اللجوء والإعانات العامة.
بيئات التهميش
تشير تقارير "وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في إنفاذ القانون" (يوروبول) إلى أن أخطر أنماط الاستغلال لا يرتبط بالمهاجرين ككتلة اجتماعية، بل بشبكات الجريمة المنظمة التي تستفيد من مسارات الهجرة واللجوء.
وقدّر "المركز الأوروبي لمكافحة تهريب المهاجرين" التابع لـ"يوروبول" بأن أكثر من 90 في المئة من المهاجرين غير النظاميين الذين وصلوا إلى أوروبا خلال ذروة أزمة الهجرة اعتمدوا على شبكات التهريب التي تدر أرباحاً بمليارات اليوروهات سنوياً من تزوير الوثائق والاتجار بالبشر واستغلال أنظمة الإقامة.
أما على المستوى الاجتماعي، فتشير المفوضية الأوروبية إلى أن بعض المظاهر المثيرة للجدل مثل الاقتصاد غير الرسمي والتحايل على أنظمة الإعانات والزواج الصوري للحصول على الإقامة، ترتبط أساساً ببيئات التهميش وضعف الرقابة المؤسسية أكثر من ارتباطها بخلفيات إثنية أو قومية محددة.
وفي هذا السياق، أظهرت دراسة مقارنة نشرت عام 2025 للباحثين توبياس روتيناور وكازيمير ديدريش وديفيد كريتشمر، وشملت 717 منطقة حضرية في 30 دولة أوروبية اعتماداً على بيانات تعدادي 2021 و2022، أن العزل السكني والاقتصادي يشكلان أحد أبرز العوامل التي تهيئ لظهور مجتمعات موازية تعمل داخل شبكاتها الخاصة بعيداً من مؤسسات الدولة.
ومع ذلك، تحذر "وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية" من الخلط بين هذه الحالات المحدودة وواقع ملايين المهاجرين الذين يشاركون بصورة طبيعية في أسواق العمل ويدفعون الضرائب ويسهمون في سد النقص الديموغرافي والمهني في الاقتصادات الأوروبية.
لذلك يرى باحثون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الهجرة نفسها، بل في قدرة الدول على منع تشكل شبكات معزولة خارج الأطر القانونية، مع تعزيز الاندماج الاقتصادي والتعليمي والاجتماعي الذي يحول التنوع إلى عنصر استقرار لا إلى مصدر توتر.
مستقبل العلاقة
يبقى مستقبل العلاقة بين المجتمعات المستقبلة للهجرة وأبناء المهاجرين مفتوحاً على أكثر من احتمال، لكنه لا يبدو محكوماً حتماً بثنائية الاندماج الكامل أو الانفصال الكامل. وتشير المؤشرات الديموغرافية والاقتصادية إلى أن الهجرة ستظل جزءاً بنيوياً من مستقبل الدول الغربية في ظل الشيخوخة السكانية وتراجع معدلات الإنجاب، مما يعني أن أجيالاً متعاقبة من أبناء المهاجرين ستصبح جزءاً متزايد الأهمية من البنية الاجتماعية والاقتصادية لهذه الدول.
وتوضح التجارب المقارنة أن المسار الغالب لا يقود إلى نشوء مجتمعات مغلقة، بل إلى هويات مركبة تجمع بين الانتماء الوطني والإرث الثقافي العائلي، إذ خلصت دراسة "المسارات والأصول 2" الصادرة عن "المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية" الفرنسي والتي شملت أكثر من 27 ألف مشارك، إلى أن الاندماج اللغوي والاجتماعي يتعزز عبر الأجيال، وأن الاتجاه السائد يتمثل في التقارب التدريجي مع المجتمع الأوسع لا الابتعاد منه.
لكن هذا المسار يظل هشاً عندما تتراكم مشاعر التهميش والتمييز أو تتراجع فرص الحراك الاجتماعي، ففي مثل هذه البيئات لا تنمو فقط نزعات الانكفاء الهوياتي داخل بعض أوساط المهاجرين، بل تتصاعد أيضاً أنواع من العنصرية المضادة للمهاجرين داخل المجتمعات المستضيفة، حيث تتحول الحوادث الفردية والأزمات الاقتصادية والضغوط على الخدمات العامة إلى مبررات لتعميم الشك والعداء تجاه جماعات بأكملها.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي خلال الأعوام المقبلة لن يكون إدارة التنوع الثقافي وحسب، بل منع تحول المخاوف المتبادلة إلى انقسام اجتماعي دائم. فنجاح الاندماج لا يقاس بمدى تخلي الأفراد عن أصولهم، بل بقدرة الدولة والمجتمع على بناء فضاء مشترك تتراجع فيه دوافع الإقصاء والوصم والعنصرية، ويترسخ فيه الشعور بالمواطنة والانتماء المتبادل.
مهاجرون ولاجئون لكنهم ضيوف في مصر
بحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، تستضيف مصر أكثر من 914 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين من 61 جنسية مختلفة. منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، أصبح السودانيون هم الأكبر عدداً يليهم السوريون، وأعداد أقل من جنوب السودان وإريتريا وإثيوبيا واليمن والصومال والعراق.
تفجّر الصراع في السودان في أبريل (نيسان) عام 2023 أجبر أعداداً كبيرة من السودانيين على النزوح إلى مصر حيث يقيمون في محافظات عدة. سبقهم السوريون الذين خرجوا من بلادهم التي مزقتها الحرب على مدار ما يزيد على عقد كامل، وبدأوا في طلب اللجوء أو الإقامة في مصر منذ عام 2012. وينتمي السوريون في مصر إلى قطاعات اقتصادية واجتماعية ودينية مختلفة.
تقول المفوضية إن اللاجئين وطالبي اللجوء يعيشون في مصر في بيئة حضرية. لا يقيمون في مخيمات أو في مناطق معزولة عن بقية السكان، بل ينخرطون في الحياة المعتادة لبقية المصريين.
هذا الانخراط لا يمنع من تكتل أو ميل أبناء الجنسية الواحدة للإقامة في أحياء متجاورة، وهو ما ينطبق على جميع "الضيوف"، لا المسجلين رسمياً فقط في قوائم المفوضية. وتبقى القدرات الاقتصادية المتفاوتة صاحبة التأثير الأكبر في اختيار محل الإقامة.
"الطبيعي أن يقصد المهاجرون الجدد محل إقامة من سبقوهم ليجاوروهم ويستأنسوا بهم. إنه أسهل طرق العيش والتأقلم السريع مع الأوضاع الجديدة".
ويؤكد المتخصص في دراسات الهجرة والسكان أيمن زهري لـ "اندبندنت عربية" أن السودانيين من أصحاب القدرات المادية البسيطة مثلاً يتركزون في مناطق مثل فيصل والهرم وأرض اللواء (محافظة الجيزة)، وكذلك أحياء عدة في وسط القاهرة مثل عابدين والعتبة. أما الميسورون فيختارون أحياء مثل الدقي والمهندسين والمدن الجديدة مثل الرحاب وأكتوبر ومدينتي.
كذلك الحال لبقية الجنسيات مثل السوريين، ثاني أكبر جنسية من حيث العدد، حيث محل الإقامة مجاورين لبعضهم البعض بحسب الحالة المادية. وقد تميز السوريون في مصر على مدار سنوات الحرب بانخراطهم في أعداد كبيرة من المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لا سيما المطاعم التي أصبحت تشكل جزءاً من حياة ملايين المصريين.
إنها المطاعم والبيزنس والانخراط الذي يجري استخدامه بين الحين والآخر لتوجيه الرأي العام أو دفعه تارة صوب الرفض والسخط والاعتراض، وتارة أخرى صوب الترحيب والدفاع واستطعام الأكل واستحسان المعاملة والثناء على الجودة.
صعوبة الأوضاع الاقتصادية
تلبد أجواء المنطقة بسلسلة من الصراعات والحروب الواحدة تلو الأخرى، ومنها ما أثر مباشرة في الداخل المصري، إضافة إلى صعوبة الأوضاع الاقتصادية في أعقاب أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011 وتلاحق الأزمات من مأزق النقد الأجنبي في 2015، وكورونا في 2020، وحرب روسيا في أوكرانيا وخروج مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية وتخفيض قيمة الجنيه المتكرر وارتفاعات قياسية في أسعار السلع والتضخم، بات المجتمع المصري على صفيح ساخن اقتصادياً، ومن ثم اجتماعياً.
معادلة الأوضاع الاقتصادية، والهجرة واللجوء، ورد فعل أبناء الدولة المضيفة دائماً تدور في فلك واحد. ضغوط اقتصادية بغض النظر عن أسبابها، يتم تحميل بعضها أو كلها على كاهل المهاجرين، وهو ما يؤثر سلباً في درجة استعداد المواطنين للتحمل وتقلص هوامش التسامح.
تشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن "الظروف الاقتصادية الصعبة في مصر في السنوات الأخيرة فاقمت بصورة كبيرة من احتياجات والضغوط التي يرزح تحتها اللاجئون وأفراد المجتمع المضيف"، إضافة بالطبع إلى مشكلات متفاقمة في ملف التمويل الخاص بالمنظمات الأممية والدولية في السنوات القليلة الماضية.
ويعبّر عن هذه الضغوط رسمياً بصورة واضحة في الآونة الأخيرة، تارة بالإشارة إلى عدد اللاجئين وطالبي اللجوء و"الضيوف" الكبير جداً، والأعباء الاقتصادية والخدمية المكلفة جداً، والأوضاع الاقتصادية المحلية والعالمية الحساسة جداً، والدعم الدولي المقدم لمصر في هذا الشأن المحدود جداً.
يقلل زهري كثيراً من حجم الآثار الاقتصادية لاستضافة المهاجرين واللاجئين على المجتمع المصري، لكن لا ينفي حدوث صدامات اجتماعية بين وقت وآخر بسبب هذه الضغوط، التي يقول إنها تنتج في الأغلب نتيجة رغبة المقيم في تأمين احتياجاته الأساسية في ظل أوضاع صعبة يعاني منها الجميع.
من جهته، شرح أستاذ الأبحاث في الجامعة الأميركية بالقاهرة وخبير دراسات الهجرة واللجوء إبراهيم عوض، الأبعاد الإنسانية والسياسية للمسألة في مقال عنوانه "اللاجئون في مصر: المنظور الإنساني والمنظور السياسي" (مايو 2026).
حذر عوض من النقاشات والحملات التي لا تميز بين المهاجرين، وبين اللاجئين وملتمسي اللجوء في ظل الأعباء الاقتصادية الحالية، مشيراً إلى أنه كان على مصر أن تتعامل مع النمو الهائل في أعداد اللاجئين، كما فعل بعض الدول الأوروبية التي شهدت تدفقات كبيرة للسوريين فاشتكت لدى المنظمات الدولية من التدفقات المباغتة التي لم تكن مستعدة لها، وذلك بغرض دعمها ومساعدتها لتوفير الموارد اللازمة لهذه الأعداد.
ويضيف عوض أنه في الفترة نفسها، أي بين عامي 2010 و2022، ارتفع حجم السكان في مصر من 89 مليوناً إلى 103 ملايين، أي بنسبة 16 في المائة. والسكان الجدد احتاجوا إلى خدمات التعليم والصحة والسكن وغيرها، في وقت تلتهم خدمة الدين العام ما يقرب من نصف المصروفات العامة في ميزانية الدولة. موضحاً أن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال إعفاء مصر أو غيرها من الدول المتضررة اقتصادياً من تلبية احتياجات اللاجئين، وتأمين الحماية الفعلية لهم، التي تشمل الخدمات التعليمية والصحية والسكن.
تغيرات ديموغرافية
لكن تبقى الإشارة إلى التغيرات الديموغرافية في المجتمع المصري، تلفت ورقة للباحثة في المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية هالة فودة عنوانها "تحولات صامتة: تأثير اللاجئين والمهاجرين على الخريطة السكانية في مصر" (2026) إلى تحولات ديموغرافية عديدة تصف أغلبها بـ"الصامت لكن بالغ التأثير".
تستعرض فودة أثر التركزات الحضرية للمهاجرين واللاجئين في إحداث تغيرات ملموسة، لكن غير معلنة في الكثافة السكانية في بعض الأحياء والمناطق، لا سيما ذات معدلات إيجار المساكن منخفض القيمة. وتؤكد أن وجود "اللاجئين" أسهم في إعادة إحياء مناطق حضرية هامشية أو متدهورة عمرانياً، وزيادة الضغط على البنية التحتية والخدمات المحلية.
وتضيف إلى قائمة التحولات الديموغرافية الصامتة "هيمنة الأطفال والشباب بنسب أعلى مقارنة بالمجتمع المضيف، وهذا يعني أن التأثير لا يقتصر على الحجم السكاني، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الهرم العمري في نطاقات جغرافية محددة، بما يحمله ذلك من آثار مستقبلية على الطلب على التعليم والرعاية الصحية وسوق العمل"، إضافة إلى زيادة عدد المواليد في هذه المجتمعات بحكم تركيبتها العمرية.
وتشير كذلك إلى تأثيرات هذه التركيبة السكانية التي تضغط على سوق العمل، لا سيما الهامش، وخدمات التعليم والصحة، وأن "العبء الأساس يتمثل في المجال الاجتماعي الخدمي أكثر من المجال الإنتاجي". وتلفت إلى إعادة تشكيل الديناميات السكانية والاجتماعية، سواء من خلال أنماط الزواج المختلط، أو عبر تكوين شبكات اجتماعية واقتصادية عابرة للجنسيات. وهي التفاعلات الأكثر صعوبة في القياس الكمي المباشر، لكنها في المقابل من أكثرها تأثيراً على المديين المتوسط والطويل، بما يجعلها عنصراً أساسياً في أي قراءة ديموغرافية شاملة للتحولات السكانية في مصر.
وتشير فودة إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2024 أحد أبرز المؤشرات الكاشفة عن عمق هذا التفاعل الاجتماعي، بحسب ما تؤكد، إذ سجلت زيادة ملحوظة في عدد عقود زواج المصريين من نساء من جنسيات عربية وأجنبية، بلغ إجماليها نحو 2.959 عقد زواج خلال عام واحد فقط. ولا تقتصر دلالة هذه الزيادة على كونها ظاهرة اجتماعية فردية، بل تشير إلى تحولات بنيوية في أنماط الاندماج والاختلاط السكاني داخل المجتمع المصري.
وباستثناء المهاجرين الأوائل الذين قدموا إلى مصر على مر عقود مضت، والزيجات المختلطة وقتها، وخروج أجيال ثانية وثالثة اندمج أغلبها بصورة كاملة في المجتمع المصري، لم تتبلور بعد ملامح الجيل الثاني لأبناء اللاجئين والمهاجرين في الموجة الأخيرة، موجة "الربيع العربي".
أزمات جوار السودان تضاعف هموم اللاجئين
شعر اللاجئ السوداني بالضياع مرتين، واحدة عندما اندلعت الحرب في بلاده ووجد نفسه مستباحاً من ميليشيات النهب والإغارة والتنكيل، والأخرى حينما اضطر أمام هذا الواقع إلى الفرار مستنجداً بدول الجوار، فذاق المعاناة وغلبة الغربة، بينما كان السودان في الماضي ملاذاً آمناً لمواطني تلك الدول وقت أزماتهم ومجاعاتهم، فهل أوفى الجوار السوداني بالحقوق الإنسانية تجاه معاناة السودانيين؟
بحسب أحدث بيانات الأمم المتحدة، يواجه حتى الآن ما لا يقل عن 21.2 مليون شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي وسط استمرار القتال وتقييد وصول المساعدات، بينما أدت الظروف الكارثية إلى نزوح 9.5 مليون داخلياً، وأفادت تقارير منظمات إنسانية بأن أعداد اللاجئين السودانيين الذين غادروا إلى دول الجوار، منذ اندلاع القتال في أبريل (نيسان) عام 2023 بلغ 4.4 مليون لاجئ حتى أبريل الماضي، وفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة للاجئين. (UNHCR)
وبينما تتفاوت أعداد اللاجئين في تلك الدول وهي كل من تشاد وإثيوبيا ومصر وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، شهد آلاف اللاجئين السودانيين في هذه الدول كوارث تعرضوا لها سواء عند هربهم أو أثناء إقامتهم في المعسكرات... نشير في ما يلي إلى ما واجهه النازحون في كل من تلك البلدان.
دول جارة وأزمات جائرة
تشاد: عكست أسوأ الحالات الإنسانية للاجئين السودانيين، وعانى ولا يزال يعاني فيها نحو 1.3 مليون من المشردين من إقليمي دارفور وكردفان وغيرهما أسوأ كوارث إنسانية ما بين الأزمات الغذائية الحادة والنقص الطبي والتفكك الأسري، وتضاعفت أعداد اللاجئين ثلاث مرات، وعانى معظمهم أخطاراً مروعة بدءاً من طريق هربهم، حيث أبلغ 72 في المئة ممن وصلوا إلى المعسكرات في تشاد عن تعرضهم لانتهاكات جسيمة مثل العنف الجسدي والجنسي والاحتجاز التعسفي، كما أجبرت الميليشيات 64 في المئة منهم على دفع ابتزازات مادية. كذلك واجهوا ظروفاً إنسانية قاسية تتمثل في افتقار المخيمات إلى أبسط مقومات الحياة، وأصيب بعضهم بصدمات نفسية عنيفة.
ووفق التقارير الصادرة، فإن ثلثي الأطفال ظلوا محرومين من التعليم بينما يعاني بعضهم إصابات نفسية وجسدية بليغة، إذ أشارت الجهات الإنسانية إلى حالة الطفلة "حواء" التي بترت ساقها وفقدت والديها، كنمودج للحالات الإنسانية المفجعة.
جنوب السودان: يعاني النازحون (مليون شخص) من جوع كارثي ونزوح قسري، ويواجه العائدون والمستضيفون في كثير من المناطق خطر المجاعة، إذ تشير الإحصاءات إلى جوع جماعي يصل إلى مرحلة الكارثة، وأن ما يقارب 50 في المئة من المصنفين في "مرحلة الكارثة" الغذائية (المرحلة الخامسة) هم من العائدين من السودان.
وإضافة إلى ذلك، تتحدث التقارير عن موجات ترحيل تعسفية تقوم بها السلطات، جرى فيها ترحيل أكثر من 4800 شخص قسراً إلى السودان خلال النصف الأول من عام 2025 وحده، وسط أوضاع غير مستقرة. (معظم المرحلين جنوبيون ظلوا يعيشون في السودان قبل أن تجبرهم الحرب على الفرار إلى مناطقهم في الجنوب). واضطر نحو 80 ألفاً آخرين منهم في ظروف الطرد العكسي إلى المجازفة بعبور النيل الأزرق والأبيض للبحث عن أمان.
إثيوبيا: واجه اللاجئون السودانيون البالغ عددهم نحو 163000 شخص حالات النقص في المعينات الغذائية، إضافة إلى أخطار صحية محدقة جراء سوء التغذية، بخاصة في أوساط الأطفال والنساء، وتشرد بعضهم نتيجة تداعيات النزاع المحلي في إقليم أمهرة بسبب تعرض معسكراتهم لهجمات من الميليشيات المتمردة، مما دفع كثراً للنزوح إلى المدن، حيث يعيشون في ظروف قاسية من دون استقرار.
أفريقيا الوسطى: بلغ عدد اللاجئين فيها نحو 52700 شخص حتى سبتمبر (أيلول) عام 2025 وسجلت الجهات الإنسانية المعاناة المتضاعفة للاجئين، إذ تعاني النساء والأطفال الذين وصل عددهم إلى قرابة 27 ألفاً ظروفاً إنسانية قاسية، يعاني فيها الأطفال الأيتام والعائلات المشردة من انعدام الخدمات الأساسية.
وقالت الأمم المتحدة إن "الأزمة انتشرت لكن الاهتمام الدولي لم يتبعها"، محذرة من انعكاسات استمرار التجاهل على هذه المنطقة المحرومة من أدنى المساعدات.
ليبيا: يبقى مشهد معاناة السودانيين في ليبيا الذين تجاوز عددهم الـ650000 لاجئ غامضاً إلى حد كبير وفق الجهات الإنسانية الدولية، لكن الشهادات الموثقة لتلك الجهات تؤكد تحول البلاد إلى طريق عبور خطر ممثلاً بانتهاكات واسعة يتعرض لها النازحون، كما يتعرض طالبو الهرب إلى أوروبا لشبكات احتجاز تعسفي وابتزاز وتهديد.
وكان منتدى حقوق الإنسان- السودان الذي شهدته العاصمة الإثيوبية أديس أصدر بياناً حول أوضاع اللاجئين في ليبيا، دان فيه حملات الاعتقالات التي يتعرض لها السودانيون، والتحريض ضد الاجانب واللاجئين.
وخلص المنتدى الذي نظمته المنصة الحقوقية السودانية المعنية برصد أوضاع حقوق الإنسان، والقضايا الإنسانية المرتبطة بالسودان إلى إدانة الانتهاكات المتعددة التي يتعرض لها اللاجئون السودانيون في ليبيا، والاعتقالات التعسفية والتأكيد على أن السودانيين في ليبيا فروا من الحرب والانتهاكات في السودان وليسوا مهاجرين اقتصاديين، لذا يجب التعامل معهم باعتبارهم لاجئين يستحقون الحماية الدولية. وأشار المنتدى إلى تقديرات تفيد بأن أكثر من 550 ألف سوداني وصلوا إلى ليبيا منذ اندلاع الحرب في أبريل عام 2023.
بين أفريقيا وأوروبا
في المقابل، قالت خبيرة القانون الدولي والهجرة ومديرة المرصد الأفريقي للهجرة السفيرة نميرة نجم إن "المقترحات المتعلقة بنقل مواطني دول ثالثة إلى بلدان لا يرغبون بالاستقرار فيها، ولا تبدي مجتمعاتها استعداداً لاستقبالهم، تثير تساؤلات قانونية وإنسانية حول مستقبل هؤلاء الأشخاص ومدى توافق هذه السياسات مع القواعد والاتفاقات الدولية المنظمة لحقوق الإنسان".
وأكدت أن "السرديات المتداولة حول الهجرة، ولا سيما الهجرة الأفريقية، لا تعكس في كثير من الأحيان الحقائق والبيانات المتاحة"، مشيرة إلى أن "المرصد الأفريقي للهجرة يعمل على دعم مقاربات تستند إلى الأدلة والمعطيات العلمية لفهم الظاهرة بصورة أكثر دقة وموضوعية".
وأوضحت أن "التغير في بعض مؤشرات الهجرة غير النظامية لا يعني بالضرورة تراجع حركة الهجرة، مع التحولات المستمرة في المسارات والوجهات.
من جانبها أوضحت مديرة مركز الحقوق الأساسية بـ"أكاديمية هيرتي" والمنسقة العامة للمبادرة فيوليتا مورينو-لاكس أن المشروع يهدف إلى إعادة توجيه النقاشات المتعلقة بالهجرة نحو معالجة الأسباب الجذرية الدافعة لها، بدلاً من التركيز حصراً على تدابير الردع والرقابة الحدودية.
اختبار لقيم التضامن الإنساني
يقول الباحث في شؤون القرن الأفريقي عمار العركي "لم تكُن الحرب التي اندلعت في السودان سبباً في تشريد ملايين المواطنين من ديارهم وحسب، بل وضعت أعداداً كبيرة منهم أمام تجربة قاسية يمكن وصفها بـ’الضياع مرتين‘، مرة حين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم وأمنهم داخل وطنهم، ومرة أخرى عندما اصطدموا بواقع اللجوء في دول الجوار التي لم تكُن جميعها قادرة أو راغبة في استيعاب حجم الكارثة الإنسانية التي تدفقت عبر حدودها."
ويضيف "لقد استقبلت دول الجوار السوداني مئات آلاف اللاجئين خلال فترة زمنية قصيرة، مما فرض ضغوطاً حقيقية على مواردها وبنيتها الخدمية، غير أن ذلك لا يلغي حقيقة أن كثيراً من السودانيين واجهوا أوضاعاً معيشية صعبة تمثلت في ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع كلف الإقامة وصعوبات الحصول على فرص العمل والتعليم والرعاية الصحية، فضلاً عن مشكلات تتعلق بالإجراءات القانونية والإدارية الخاصة بالإقامة والتنقل".
ويتابع "تكمن المفارقة المؤلمة في أن السودان ظل لعقود طويلة ملاذاً آمناً لشعوب المنطقة في أوقات النزاعات والأزمات، حيث استقبل ملايين اللاجئين من دول الجوار، وتقاسم معهم موارده المحدودة من دون تمييز. لذلك فإن كثيراً من السودانيين كانوا يتوقعون معاملة أكثر إنصافاً وكرامة في محنتهم الحالية، وهو شعور مفهوم من الناحية الإنسانية، وإن كان لا ينبغي أن يتحول إلى مقارنات عاطفية تتجاهل التحديات التي تواجهها الدول المستضيفة نفسها."
نقص في المأوى
يوضح الأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الأفريقية علي حسين يمر أن "التقارير الميدانية والملاحظات الأولية تشير إلى أن اللاجئين السودانيين في دول الجوار يعانون نقصاً في المأوى الآمن وقصوراً في الحصول على الغذاء والدعم الإنساني الكافي ومحدودية الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية، وإضافة إلى الإهمال العملي هناك تقصير في الإطار القانوني والالتزامات الدولية، ممثل في ضمان الحق في الحماية الإنسانية الأساسية، واحترام الكرامة الإنسانية للاجئين من دون تمييز".
ويقول الكاتب المتخصص في الشؤون الأفريقية يوسف ريحان إن "الاختلاف بين كل الحروب السابقة التي شهدها السودان وما يشهده الآن هو في ملامح الشخصية السودانية التي اختفت بسلوك عصابات الجنجويد أثناء الحرب الحالية، سلوك لا يشبه مسلمات الشخصية السودانية، كسروا جميع القواعد المتعلقة بالحرب التي تمايز بين المدنيين والمقاتلين، فكانت الوحشية والسلوك الإجرامي الشاذ كالنهب والسلب والقتل والاغتصاب صفة ملازمة لهم أينما حلوا، مما خلق حالاً من الرعب في قلوب المواطنين تعذر معها الاستقرار".
كيف تشكلت المجتمعات المهاجرة المغلقة داخل سوريا؟
شهدت سوريا خلال القرنين الماضيين تحولات اجتماعية وديموغرافية متعددة جعلتها واحدة من أكثر البيئات تنوعاً على مستوى العالم العربي بوجود نحو 18 طائفة وقومية.
وقد استقبلت البلاد موجات هجرة متتابعة أبرزها قوميات الشركس والشيشان في القرن الـ19، ومن ثم القومية الأرمنية عقب مجازر عام 1915 بحقهم، ومن بعدهم الفلسطينيون بعد نكبة عام 1948 ونكسة عام 1967 وأيلول الأسود عام 1970، مع موجات هجرة أقل للبنانيين خلال الحرب الأهلية وما تلاها، وصولاً إلى موجات اللجوء العراقي الضخم عقب غزو العراق عام 2003، ومجمل هذه الهجرات صاغ نماذج متعددة من أنماط الوجود.
يصعب الحديث في سوريا عن مجتمعات مغلقة بالكامل، إنما يمكن الحديث عن تجمعات متشابهة بفعل عوامل اجتماعية واقتصادية وهوياتية، وفي السياق تبرز المشكلة ما بين الهوية الموقتة والدائمة، فالأرمن والشركس والشيشان والتركمان وغيرهم صاروا جزءاً أصيلاً من تكوينة الشعب السوري، فيما ظل العراقيون يتمسكون بوجود موقت، كحال الفلسطينيين المرتبطين بحق العودة.
التحولات الديموغرافية وأثرها
لا شك أن التحولات الديموغرافية غيرت شيئاً في وجه المدن والأرياف والأرقام الإحصائية، فالتركمان صارت لهم جبال وقرى كاملة، والفلسطينيون مخيمات ضخمة، وفي سوريا مخيم اليرموك داخل دمشق هو ثاني أكبر مخيم فلسطيني في الشتات بنحو 150 ألف فلسطيني مسجل، ووصل عدد العراقيين عقب الغزو لنحو 1.5 مليون لاجئ وهو ما شكل حينها نحو خمسة في المئة من سكان سوريا.
أنتجت طبيعة التحولات تلك تمازجاً مزدوجاً لواقع اجتماعي تطورت داخله بنية خدمية وعلمية وعملية واقتصادية، يستند إلى محيطه الأضيق في إتمام يومياته دون توسيع الاختلاط نحو دوائر أبعد ما لم يتطلب الأمر، ومع الوقت انعكس هذا الوجود وبنية العلاقات الداخلية نفسها على محيطها الأقرب فالأبعد وحمل معه تزايداً في الضغط على الإيجارات والخدمات والبنى التحتية عامة، وتلك كانت بداية الحساسية بين السكان الأساسيين والوافدين.
يقول زايد البشير وهو مسؤول سابق في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إن "وجود الوافدين بحد ذاته كان موضع ترحيب كبير للغاية، لكن طمع التجار وما تبعه من استغلال وتضاعف في الأسعار والإيجارات وكثرة الطلب وقلة العرض أفزرت حساسيات لم تتحول لعداء مباشر، لكن هذه الحساسيات مهدت لاحقاً لسؤال، من أحق بالخدمات نحن أم الوافدون؟ ومع ذلك فهذا كان بالنسبة إلينا توتراً اجتماعياً مكبوتاً لا شكلاً أيديولوجياً يحمل عداء عنصرياً".
متى تبدأ الصدامات الاجتماعية؟
في قراءة معمقة للواقع السوري يتضح أن المشكلات الاجتماعية لا تبدأ من صراع على هوية ثقافية أو دينية أو اجتماعية، بل بدوافع اقتصادية خالصة، وهذا ما يؤكده الأكاديمي في الاقتصاد السياسي حكيم إبراهيم.
ويوضح "كانت المشكلة في التفاصيل الاقتصادية، المتمثلة في تضاعف الأسعار فجأة، وما رافق ذلك من شح في الموارد النفطية وقطاع الاتصالات والمزاحمة في المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، وتوجه شرائح متنوعة من الوافدين إلى التقوقع والارتكان إلى أبناء جلدتهم اقتصادياً، مما خلق فجوة مع المحيط التجاري".
ويضيف "يكون الصدام الاجتماعي نتيجة تراكم تفاعلات مبنية على الشك بسلوك الطرف الآخر الدفاعي، فيُبنى الاقتصاد على الطبيعة الاجتماعية، وتتحول في السياسة إلى عنصرية متبادلة في طور التشكل، فلا يكون الرفض معلناً، ولا نهائياً، ولكنه قائم بهدوء".
القيم المتعارضة والمجتمعات الموازية
تظهر القيم المتعارضة والمجتمعات المتوازية في السياق السوري وخصوصيته ضمن حدود صدام منظومات ثقافية واجتماعية مبنية على أنماط محددة شكلها مرور الوقت، وخلق معها تبايناً في غالب الوقت غير مرئي لأسباب كثيرة، أبرزها إحكام قبضة الدستور والقانون على الجميع.
يرى المتخصص التربوي الوزاري والموجه الأول مرشد سليمان أن "القيم المتعرض بعمومها كانت موجودة نسبياً، وقد حصل ذلك بدءاً من تباين أنماط التعليم والتعلم والعلاقات الأسرية والمجتمعية وطبيعة التأقلم مع الدولة المستضيفة ومؤسساتها وقوانينها وقضاياها، وكل ثغرة في أي عامل من ذلك كانت تسهم في إيجاد فجوات تتكاثف فوق بعضها وترسخ مسافات بعيدة بين الأهداف".
ويتابع "لم يرفض الوافدون القوانين أو يتمردوا عليها، لكنهم أحياناً لم يستطيعوا التكيف، وعموماً لم تكن هناك مجتمعات موازية في سوريا قبل حرب عام 2011، فمخيم اليرموك نفسه كان يقطنه مليون مواطن سوري وفلسطيني، وجرمانا في ريف دمشق أوسع مناطق وجود العراقيين كانت مشتركة بين سوريين وعراقيين كذلك، التباين كان محدوداً على مستوى الأحياء والشوارع وليس على مستوى مناطق كاملة".
الأحياء الموازية داخل المجتمع
لم تنشأ في سوريا أحياء موازية تتمتع بقوانينها الخاصة ولم تكن بطبيعة الحال بيئات معزولة بقدر ما كانت هناك شوارع محلية تكونت كاستجابة طبيعية لضرورات الجوار والسكن والعمل والحصن الاجتماعي، وكانت مساحات تجمع طبيعي للوافدين من مخيمات الفلسطينيين في حلب إلى حمص فدمشق وسواها، وكذلك وجود العراقيين وتركزهم في جرمانا والسيدة زينب في ريف دمشق.
يعتقد الأكاديمي في علوم التاريخ المعاصر مجيب عبدالحي أن "العنصرية المضادة لم تكن معلنة ومكرسة على رغم وجود أنماط من التمايز المكاني الذي بدوره لم يقد لانفصال كامل عن البلد المستضيف إلا أنه قلل من الاحتكاك اليومي العام فحسب، ولكن في المفهوم التاريخي والسياسي كان لا يمكن غض النظر عن هذه الزاوية مهما بدت بسيطة، لأن تراكمها اجتماعياً كان سيمهد الأرضية لعنصرية تنفجر في أي لحظة ولو بصورة غير منظمة، وفي الحالة السورية انفجرت تلك العنصرية اصطفافات سياسية وعسكرية من الوافدين مع نظام بشار أو ضده، والذين انقسموا في مواقفهم فتحول بلد الاستضافة إلى بلد مشروع سياسي".
التعليم ودوره في الدمج أو العزل
يشرح الباحث السياسي محمد معراوي أن موضوع دمج أو عزل أبناء المهاجرين يمكن قراءته من زاويتين، واحدة منها خطرة للغاية كونها تتعلق بما بعد عام 2011، والأشد فيها ما بعد سقوط النظام.
وعن ذلك يقول "شهدت سوريا بعد عام 2011 تدفق مئات آلاف المجاهدين الأجانب إلى سوريا، ربما بقي اليوم منهم آلاف أو عشرات الآلاف، وكثر منهم تزوجوا من سوريات أو أجنبيات وأنجبوا أطفالاً، هؤلاء يحتاجون بحثاً ومساحة خاصة جداً للحديث، لكن الخلاصة السياسية والعلمية والتربوية تُجمع على أن دمجهم في المجتمع السوري أمر مستحيل قبل عقود، هذا على اعتبار أن المجتمع السوري الأصيل نفسه اليوم يحتاج أيضاً أعواماً طويلة ليندمج مع بعضه ويتقبل فكرة العيش وعدم الإلغاء والإقصاء ونزع فتيل التكفير، وبالطبع سيكون التعويل على الأجيال القادمة، والأطفال، وهؤلاء يبدأ العمل معهم من المدرسة لأن الأسرة لن تستطيع تقديم شيء".
ويتابع "أما في الحال الطبيعية فالأرمن والتركمان والشركس حققوا اندماجاً تاريخياً مذهلاً، وقد وصلوا لأعلى المناصب الحكومية والعسكرية في سوريا، الأكراد وهم سكان أساسيون كانوا أقل اندماجاً بسبب الكلفة السياسية الباهظة التي دفعوها خلال قرن مضى عبر محاربة هويتهم من قبل أنظمة متتابعة، عموماً العلم دائماً هو سلاح الدمج كما سيكون سلاح العزل في وجه آخرين إن لم يحسن استخدامه وظل مستعاضاً عنه بلغة الشارع والتخوين والسلاح".
كيف فكك الأردن معضلة اللجوء؟
على مدى أكثر من سبعة عقود، كان الأردن محطة رئيسة لموجات متلاحقة من اللجوء والهجرة فرضتها حروب المنطقة وأزماتها السياسية. فمنذ اللجوء الفلسطيني، مروراً بالهجرات العراقية، وصولاً إلى الأزمة السورية، تحولت المملكة إلى واحدة من أكثر دول العالم استقبالاً للاجئين قياساً بعدد السكان والموارد المتاحة.
وعلى رغم أن الأردن نجح في تجنب كثير من السيناريوهات التي شهدتها دول أخرى، فإن استمرار الأزمات يثير أسئلة جديدة حول مستقبل العلاقة بين المجتمعات المستضيفة والمجتمعات الوافدة، ومدى قدرة الدولة على الحفاظ على التوازن بين واجباتها الإنسانية ومتطلبات الاستقرار.
فهل بدأت تتشكل بالفعل مجتمعات موازية داخل المجتمع الأردني؟ وأين تقف حدود الاندماج؟ ومتى تتحول الضغوط الاقتصادية إلى توترات اجتماعية؟
حال فريدة
"تقاسمنا معهم الماء والكهرباء والمقاعد المدرسية ولم نشعر أننا في بلد غير بلدنا"، تلخص هذه الكلمات لتاجر في أسواق شمال الأردن جوهر الحال الفريدة لثاني أكبر دولة مستضيفة للاجئين في العالم نسبة إلى عدد السكان.
فبينما تحولت ملفات اللجوء إلى بؤر للشحن العنصري والصدامات المجتمعية، يقدم الأردن نموذجاً استثنائياً في التعايش، على رغم الأرقام الديموغرافية الضاغطة، وتمدد الجاليات المهاجرة في الأحياء وما يشكله ذلك من ضغط على البنى التحتية.
فكيف وازنت الدولة الأردنية بين حماية السيادة والقوانين الاقتصادية والحفاظ على أبهى صور التضامن والتعايش الإنساني، دون تسجيل أي مظاهر للعنصرية التقليدية أو النبذ.
ثمة واقع يفرض تحديات هيكلية وهي محرك أساس لأي سلوك تقوقعي، إذ يشكل غير الأردنيين نحو 31 في المئة من السكان (ما يقارب 3.5 مليون نسمة من أصل 11.5 مليون)، يتقدمهم اللاجئون السوريون.
ونظراً إلى أن أكثر من 80 في المئة من اللاجئين يعيشون خارج المخيمات، فقد تكتلت الجاليات في أحياء محددة مثل بعض مناطق المفرق وإربد وعمان الشرقية، مما خلق انطباعاً أولياً بنشوء مجتمعات مغلقة أو موازية.
أما تركيبة اللاجئين المسجلين في الأردن وفق المفوضية السامية فكانت 421511 لاجئاً سورياً، و12419 عراقياً، و6077 يمنياً، و4267 سودانياً، و324 صومالياً ونحو 2.1 مليون فلسطيني مسجل لدى الأونروا.
الأردن... استثناء
في المقابل لم تكن الهجرة عبئاً خالصاً، بل نقل مستثمرون وصناع وافدون مصانعهم ورؤوس أموالهم وخبراتهم إلى الأردن في قطاعات الحلويات والألبسة والمطاعم والصناعات التحويلية، مما أسهم في ضخ سيولة وتحريك قطاع العقارات وتوظيف آلاف الشباب الأردنيين.
وفي الحالة الأردنية، لم تظهر أحياء معزولة (الغيتوهات)، إلا أن بعض المناطق شهدت كثافة سكانية عالية، مما خلق أنماطاً اقتصادية واجتماعية شبه مستقلة نسبياً.
ولم تظهر صدامات ثقافية حادة كالتي شهدتها بعض الدول الأوروبية بسبب التقارب اللغوي والديني والاجتماعي، إلا أن بعض الخلافات البسيطة ظهرت حول قضايا كتشغيل الأطفال والعمالة غير المنظمة والزواج المبكر، وهي قضايا ارتبطت بالظروف الاقتصادية أكثر من ارتباطها بالهوية الثقافية.
مهن مغلقة
في الجانب الاقتصادي، برزت تحديات ما بين التفاف اللاجئين على قوانين العمل وحماية حق ابن البلد في أولوية الوظائف، إذ حددت القوانين الأردنية قطاعات معينة للأردنيين فقط حماية للعمالة المحلية في ظل بطالة تتجاوز 40 في المئة بين الشباب، وفي مواجهة محاولات التفاف عبر "الأسماء المستعارة" أو الشراكات الصورية لإدارة محال ومطاعم بأسماء أردنية وإدارة وافدة.
وتعتمد بعض هذه المنشآت على توظيف أبناء جلدتها، مستفيدة من المساعدات الدولية التي تمكن العامل المهاجر من قبول أجور أقل وساعات عمل أطول، مما يشكل ضغطاً حقيقياً على العامل الأردني. واعتمدت الدولة "ميثاق الأردن 2016" لدمج اللاجئين قانونياً عبر إصدار تصاريح العمل المرنة والممولة دولياً، مما ساعد على ضبط السوق وحماية القطاعات السيادية.
ظهرت بعض التوترات داخل قطاعات عمل محددة تعاني الأجور المنخفضة مثل الإنشاءات والزراعة والمهن الحرفية، إذ أدى تدفق اللاجئين السوريين إلى ضغوط على الأجور وزيادة المنافسة.
وفي الرمثا الحدودية، اعتمدت المدينة تاريخياً على تجارة البحارة (التهريب المنظم للبضائع السورية) التي شكلت شريان الحياة الاقتصادي. وحين انهارت هذه التجارة وتضخم الوجود السوري، تحول بعض السكان من شركاء إلى منافسين محتملين، وهو ما وثقه مركز "كارنيغي" في دراسة حول أخطار الاضطرابات الاجتماعية.
وأظهرت دراسة لمنظمة العمل الدولية أن 85 في المئة من العمال الأردنيين يرون أن السوريين لا ينبغي لهم دخول الأردن بحرية، و65 في المئة يقولون إنهم يجب أن يكونوا في مخيمات، و96 في المئة يعتقدون أن السوريين يستولون على وظائفهم. وفي منتصف عام 2024، أنهت الحكومة الإعفاء الممنوح للعمال السورييين من رسوم تصاريح العمل إثر توقف الاتحاد الأوروبي عن تغطية كلفها، وتُرك الأردن وحيداً أمام عبء تشغيل اللاجئين.
فجوات في قطاع التعليم
لمنع عزل أبناء المهاجرين، اعتمدت وزارة التربية نظام الفترتين (الصباحية للأردنيين والمسائية للسوريين)، فخلق هذا الفصل التقني نوعاً من "العزل الزمني" الذي يولد أحياناً مشاحنات شبابية خارج أسوار المدارس، وهي فجوة تسعى "التربية" ومؤسسات المجتمع المدني لردمها بأنشطة دمج موازية. وعلى عكس تجارب بعض الدول، رفضت الدولة الأردنية بمؤسساتها الرسمية والإعلامية والحزبية استخدام ملف اللاجئين كـ"ورقة ضغط سياسي" أو للمزايدات الانتخابية، إذ تمنع القوانين بحزم أي صورة من صور التحريض أو خطاب الكراهية.
ويقول مراقبون أن الضغوط الاقتصادية وشح الموارد كالمياه والطاقة تعد تحديات بنيوية طبيعية تحدث في أي مجتمع ينمو سكانه فجأة بنسبة الثلث، لكن الميزة الاستثنائية للأردن تكمن في أن هذه التحديات لم تُترجم قط إلى عنف مجتمعي أو عنصرية مضادة.
ممارسات فردية
زمن بين الممارسات استغلال المساعدات الدولية كميزة تنافسية، إذ يرى المجتمع المحلي أن إعادة بيع المعونات الغذائية والطبية في السوق السوداء بأسعار متدنية يضر الاقتصاد الوطني والتاجر الملتزم بالضرائب.
ولا توجد بيانات رسمية تُثبت وجود نمط عام يجعل اللاجئين مصدراً رئيساً للجريمة المنظمة، لكن الأجهزة الأمنية واجهت حالات فردية مرتبطة بالتهريب والعمالة غير القانونية وتزوير الوثائق، وهي مخالفات تظهر داخل معظم دول اللجوء. ويقول التقرير الجنائي لعام 2024 الصادر عن مديرية الأمن العام إن ثمة 23982 جريمة مسجلة، وشهد العام ذاته ارتفاع جرائم الأجانب بنسبة 25 في المئة.
أزمة السكن
يشكل السكن أحد أكثر الملفات التهاباً، مع إقامة 85 في المئة من السوريين خارج المخيمات، إذ شهدت البلاد ارتفاعاً حاداً في أسعار الإيجارات داخل البلديات الشمالية المتاخمة لسوريا، وهي إربد والمفرق وجرش والرمثا.
وأدت زيادة الطلب إلى ارتفاع أسعار الإيجارات، فيما وجدت الأسر الأردنية ذات الدخل المحدود نفسها تتنافس مع أسر سورية تحصل على دعم إيجار من المنظمات الدولية، مما يجعل الأردني الفقير في موقع "الطرف الأضعف" في منافسة الإيجار.
هل يندمج الجيل الثاني؟
لا تبدو المشكلة "عنصرية مضادة" بالمعنى التقليدي، بل هي أقرب إلى معادلة معقدة بين الضغوط الاقتصادية والديموغرافية ومتطلبات التعايش، فكلما طال أمد اللجوء ارتفع احتمال ظهور مجتمعات أكثر استقلالاً، لكن التجربة الأردنية تشير إلى أن التقارب الثقافي والسياسات المرنة حالا دون تشكل انقسامات حادة أو أحياء معزولة.
ويبرز التحدي الأكبر في أبناء اللاجئين، فالأطفال الذين وُلدوا أو نشأوا داخل الأردن يتعلمون في المدارس الأردنية ويتحدثون باللهجة المحلية، ويتفاعلون يومياً مع المجتمع المستضيف. وتبدو مؤشرات الاندماج أفضل بسبب التشابه الثقافي الكبير، إلا أن استمرار الأزمات الاقتصادية قد يغير هذه المعادلة مستقبلاً.
وفي الإطار ذاته وضع تقرير "هيومن رايتس ووتش" يده على جرح عميق، إذ إن 75 في المئة من المراهقين السوريين في سن الثانوية باتوا خارج المنظومة التعليمية الرسمية. وهذه الهوة التعليمية تصنع جيلاً ثانياً في حال هشة، فلا هم يندمجون في المجتمع من طريق المدرسة، ولا يستعدون للعودة إلى سوريا لأنهم لم يتعلموا المنهج السوري، مما يجعل المخرج المنطقي لكثرٍ منهم سوق العمل غير الرسمي في سن مبكرة.
رفض خطاب الكراهية
يرى الباحث صلاح ملكاوي أن غياب مظاهر العنصرية أو الحساسيات ليس وليد الصدفة، بل يعد نتاجاً طبيعياً للامتداد العشائري والترابط الديموغرافي والتاريخي، مضيفاً أن "الحدود السياسية الحالية لم تكن يوماً عائقاً أمام نسيج اجتماعي واحد يربط مناطق واسعة تبدأ من السويداء مروراً بدرعا وريفها الغربي، وصولاً إلى المدن والبلدات الأردنية".
وتاريخياً، كانت حركة التنقل بين المدن تتجاوز مفهوم السفر التقليدي، إذ كانت أشبه بزيارات يومية اعتيادية بين الأقارب. وهذا التداخل جعل العائلة الواحدة تنقسم جغرافياً وسياسياً فحسب، لكن ظل الدم والقرابة أقوى من وثائق السفر. ويرى أن الأمر لم يقتصر على الرابط الاجتماعي، بل توازى معه جهد حكومي واعٍ ومسؤول عمل على احتواء الأزمات ومنع خطاب الكراهية.
مشروع دمج المهاجرين في تونس... مبادرة إنسانية أم جمع بيانات؟
أثارت دعوات نادرة إلى دمج المهاجرين غير النظاميين في تونس بسوق العمل ومنحهم بطاقات إقامة وقتية صخباً غير مسبوق خصوصاً أنها تأتي في سياق تسعى فيه السلطات إلى تسريع وتيرة العودة الطوعية لهؤلاء.
واقترح حزب التيار الديمقراطي المعارض منح المهاجرين غير النظاميين بطاقات إقامة وقتية، ودان بشدة أي خطابات أو ممارسات عنصرية تجاههم، داعياً إلى توفير "حماية إنسانية" لهؤلاء.
وجاءت دعوة حزب التيار الديمقراطي غداة جدال عرفته البلاد حول اعتداء جنسي مزعوم على مهاجرة غير نظامية في ولاية (محافظة) صفاقس جنوب تونس، وسط تداول واسع لمقطع فيديو حول ذلك، وهو جدال لم تعلق عليه السلطات.
اقتراح عملي
تأتي هذه الدعوة في وقت ذكر فيه المتحدث الرسمي باسم الحرس الوطني العميد حسام الدين الجبابلي أن السلطات تمكنت من تأمين عودة طوعية لـ27 ألف مهاجر غير نظامي إلى بلدانهم الأصلية، وذلك ضمن محاولاتها لحل أزمة اللجوء والهجرة التي تعرفها.
وتعد هذه الدعوة تحدياً لغضب يعرفه الشارع في تونس حيال المهاجرين، حيث نظم المئات من أنصار السلطة قبل أيام احتجاجاً طالبوا من خلاله بترحيل هؤلاء، فيما تعول الحكومة على خيار العودة الطوعية للمهاجرين غير النظاميين.
وعد الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي هشام العجبوني أن "في بيانه الأخير، قدم التيار بعض الاقتراحات المتعلقة بأزمة الهجرة غير النظامية ومنها منح المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء بطاقات إقامة وتراخيص عمل لفترة محددة بشرط الإدلاء بما يفيد الهوية. والهدف هو تكوين قاعدة بيانات وتحديد هوية من يقيمون على أراضيها بطريقة غير نظامية، وذلك بغاية التفاوض مع بلدانهم الأصلية وترحيل من لا تحتاج إليهم البلاد كقوة عمل".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتابع العجبوني في حديث خاص قائلاً إن "من أكبر المشكلات التي تعترض السلطات التونسية هو عدم القدرة على تحديد هوية المهاجرين غير النظاميين، فقدمنا اقتراحاً عملياً يمكن أن يساعد السلطات على ذلك، وفي الوقت ذاته يسمح للمهاجرين للعمل وقتياً ويحفظ كرامتهم ويقلل من الأخطار الأمنية ذات الصلة". وشدد على أن "المهاجر غير النظامي الذي لا يسمح له بالعمل ولا السكن ولا العلاج ولا الهجرة نحو أوروبا ولا الرعاية الإنسانية يمثل خطراً على المجتمع، ويمكن أن تستغله جهات معينة لغايات إجرامية".
مقترح منطقي بشروط
تتحدث بيانات صادرة من المنظمة الدولية للهجرة ومنظمات أخرى أن عدد المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء في تونس يظل في حدود عشرات الآلاف، إذ أكد مسؤولون بالحكومة، في تصريحات تعود لعام 2025، من بينهم كاتب الدولة لدى وزير الخارجية ومسؤولون بالحرس الوطني، أن عددهم في البلاد يقدر بنحو 20 ألف شخص.
وتشهد ولايات مثل صفاقس احتقاناً شعبياً تجاه المهاجرين غير النظاميين الذين يسعون إلى العبور للضفة الأخرى من الأطلسي، فيما أبرمت الحكومة اتفاقات مع الاتحاد الأوروبي وإيطاليا في شأن صد المهاجرين.
وقال الباحث السياسي التونسي المنذر ثابت "مبدئياً، في التعاطي مع المهاجرين غير النظاميين الذين هم في وضع من الناحية القانونية والشكلية غير مطابقة للإجراءات، فإن تشغيلهم يناقض مسألة التشجيع على المغادرة الطوعية".
وأردف ثابت في تصريح خاص أنه "بناءً على ذلك، الإجراء المتعلق بتمكينهم من بطاقة إقامة ولو وقتية لغاية الشغل تحتاج إلى تحديد حاجات السوق الداخلية على مستوى العمالة الخارجية، وما إذا كانت تونس تحتاج بالفعل إلى يد عاملة خارجية". وذكر أن "الإجراء الذي اقترحه ‘التيار الديمقراطي‘ غير مناقض لمنطق الحاجات الاقتصادية والاجتماعية، لكنه مشروط بتحديد دقيق لهذه الحاجات، ومن المفترض أن يندرج ضمن استراتيجية لا تناقض السعي نحو تشجيع هؤلاء على العودة الطوعية لدولهم".
ولفت ثابت إلى أن "المقترح في حد ذاته منطقي بشرط أن يندرج ضمن تصور دقيق وواقعي لحاجات سوق العمل في تونس، وبناءً على ذلك يمكن تبني هذا التمشي القانوني لتمكين هؤلاء ببطاقة إقامة ونظام تأجير".
لا استجابة محتملة
على رغم الصخب الذي أثارته الدعوة، امتنعت السلطات عن التعليق عليها وسط انتقادات من منظمات غير حكومية حيال تعاملها مع ملف المهاجرين، ولا سيما العودة الطوعية التي وضعتها حكومة الرئيس قيس سعيد ضمن أولوياتها في الأعوام الماضية.
وفي ظل الغموض الذي يكتنف موقف السلطات في تونس حيال هذا المقترح، فإن الاستجابة له ستكون بمثابة كسر لتابو محلي وإقليمي، حيث يتصاعد العداء تجاه المهاجرين غير النظاميين، إذ أغلق محتجون أخيراً المفوضية السامية للأمم المتحدة للشؤون اللاجئين في العاصمة الليبية، طرابلس، احتجاجاً على "مخطط مزعوم لتوطين المهاجرين".
وقال العجبوني "طبعاً، لا نعتقد أن السلطة ستستجيب لاقتراحنا لأنها ترفض كل صور الحوار مع الأجسام الوسيطة، بالتالي لا تستمع لاقتراحات المعارضة، ولأنها تفتقد لرؤية متكاملة لإدارة أزمة الهجرة غير النظامية".
وحول الجدال الذي أثارته دعوة حزبه، يرى العجبوني أنه "عادي في مجال السياسة، وبعض الأطراف المحسوبة على السلطة القائمة شوهت اقتراح التيار ومقاصده، وروجت أننا اقترحنا دمج المهاجرين غير النظاميين في سوق الشغل لإثارة مخاوف التونسيين من التوطين، ولم تتعرض عمداً للشرط الأساس الذي اقترحناه، وهو ضرورة الإدلاء بما يفيد الهوية".
لبنان بين ضيف طال مكوثه ودولة غابت عن الباب
في البلدان الصغيرة، لا تمر الأرقام بصمت. كل وافد جديد لا يضيف رقماً فقط إلى جدول السكان، بل يضيف سؤالاً إلى السياسة، وعبئاً إلى الاقتصاد، وقلقاً إلى الهوية، وامتحاناً جديداً للدولة. ولبنان، الذي اعتاد أن يعيش على حافة التوازنات، يعرف أكثر من غيره أن الديموغرافيا ليست علماً بارداً، بل إنها في بلد مثله مادة ساخنة، تلامس الطوائف والمناطق والذاكرة والخوف والخبز والمدرسة وسرير المستشفى.
ليست الهجرة إلى لبنان حكاية طارئة، مر بها الفلسطينيون بعد عام 1948، ثم جاءت موجات العمالة العربية والأجنبية، ثم النزوح السوري بعد عام 2011، وتراكمت فوق ذلك أزمات الاقتصاد والانهيار والحرب والنزوح الداخلي. وفي كل مرة، كان لبنان يتصرف كأنه ينتظر عودة سريعة لما كان. لكن الوقت طال، والاستثناء صار قاعدة، والضيف صار جزءاً من المشهد اليومي، فيما بقيت الدولة واقفة عند الباب، لا تحسن الاستقبال ولا تملك خطة المغادرة.
قراءة ديموغرافية
يرى عضو المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان الدكتور علي فاعور أن "التجمعات اللاجئة والمهاجرة في لبنان بدأت كاستجابة موقتة لأزمات متعاقبة، من اللجوء الفلسطيني بعد عام 1948 إلى النزوح السوري بعد عام 2011، غير أن استمرار هذه الأزمات وتراجع فرص العودة حولا جزءاً واسعاً منها إلى مجتمعات مستقرة نسبياً، ذات خصائص ديموغرافية واجتماعية واقتصادية خاصة".
ويشير فاعور إلى أن "مرور الوقت أنتج أنماطاً واضحة من التركز المكاني في المخيمات والتجمعات العشوائية والأحياء الطرفية للمدن، ولا سيما في البقاع والشمال وضواحي بيروت، إذ نشأت شبكات سكنية واقتصادية وتعليمية مستقلة نسبياً عن محيطها المحلي. وبذلك لم تعد المسألة مرتبطة فقط باستضافة موجات بشرية عابرة، بل بظهور تجمعات سكانية كبيرة تؤدي دوراً متزايداً في إعادة تشكيل الخريطة السكانية والعمرانية والاجتماعية للبنان".
أرقام تغير وجه الخريطة اللبنانية
وتكشف المعطيات الديموغرافية عن تحول استثنائي في بلد لا تتجاوز مساحته 10452 كلم²، إذ إن عدد غير اللبنانيين المقيمين في لبنان بات يوازي تقريباً عدد اللبنانيين المقيمين أو يقترب منه. فقد أسهم طول أمد الإقامة، وارتفاع معدلات النمو السكاني داخل بعض هذه التجمعات، في انتقالها من حالة اللجوء الموقت إلى واقع اجتماعي أكثر استقراراً، بحيث باتت تمتلك آلياتها الخاصة في العمل والسكن والعلاقات الاجتماعية.
وبحسب التقديرات التي يعرضها فاعور لعامي 2025 - 2026 "يتراوح عدد النازحين السوريين في لبنان بين 2.5 و3 ملايين شخص، أكثر من ثلثيهم من دون إقامات رسمية"، ويقدر عدد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين "بما بين 350 و400 ألف شخص، يضاف إليهم ما بين 35 و40 ألف فلسطيني قدموا من سوريا. كما يتراوح عدد العمال والعاملات الأجانب بين 300 و350 ألفاً، وعدد العمال العرب وغير السوريين بين 150 و200 ألف، فيما يقدر عدد مكتومي القيد وعديمي الجنسية بما بين 250 و300 ألف، إضافة إلى فئات أخرى غير لبنانية يتراوح عددها بين 100 و200 ألف، وبذلك يصل المجموع التقريبي لغير اللبنانيين المقيمين في لبنان إلى ما بين 3.7 و4.1 مليون شخص".
في مقابل ذلك، يلفت فاعور إلى أن "عدد اللبنانيين المقيمين كان، وفق إدارة الإحصاء المركزي عام 2019، نحو 3.864 مليون نسمة، لكن الهجرة اللبنانية بين عامي 2019 و2025 دفعت ما بين 500 و600 ألف لبناني إلى مغادرة البلاد، مما يجعل عدد اللبنانيين المقيمين حالياً، وفق التقديرات بين 3.5 و3.6 مليون لبناني، وهكذا يصبح عدد غير اللبنانيين، المقدر بين 3.7 و4.1 مليون، مساوياً تقريباً لعدد اللبنانيين المقيمين أو متقدماً عليه في بعض التقديرات".
ويخلص فاعور من هذه المعطيات إلى أن "لبنان اليوم هو الأول في العالم من حيث نسبة اللاجئين إلى عدد سكانه، وكذلك من حيث كثافة اللاجئين قياساً إلى مساحة البلاد".
جغرافيا الهشاشة: حيث يتكدس الضغط
ولا يقتصر أثر موجات اللجوء والهجرة، وفق فاعور، على زيادة عدد السكان المقيمين في لبنان، بل يتعداه إلى إعادة توزيعهم جغرافياً بصورة غير متوازنة، "فقد تركزت الكثافات السكانية الوافدة في المناطق الأكثر هشاشة اقتصادياً، والأضعف من حيث البنية التحتية والخدمات العامة. وقد برزت هذه الظاهرة بوضوح في ضواحي المدن الكبرى والأحياء الفقيرة، مثل باب التبانة والقبة وأطراف مدينة طرابلس، والضاحية الجنوبية لبيروت، إضافة إلى عدد من التجمعات العشوائية في البقاع الأوسط والبقاع الغربي، وسهل البقاع الممتد بين زحلة وبر الياس وسعدنايل وتعلبايا والقرعون ومحيط حوض الليطاني".
ويشدد فاعور على أن "التغير الديموغرافي لا يتحول بحد ذاته إلى مصدر توتر اجتماعي، بل يصبح خطراً حين يترافق مع اختلال في التوازن بين عدد السكان والموارد المتاحة وفرص العمل والخدمات العامة. ففي الحالة اللبنانية، تزامن تزايد أعداد اللاجئين والنازحين والعمال الأجانب مع انهيار اقتصادي ومالي غير مسبوق، أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع قدرة الدولة على تأمين الخدمات الأساسية".
"فقراء يستضيفون فقراء"
وفي مسألة توزع اللاجئين والمهاجرين داخل أحياء ومخيمات وتجمعات موازية، يوضح فاعور أن "هذا التركز لم يؤد إلى نشوء مجتمعات منفصلة بالكامل عن محيطها المحلي، بل أفرز في كثير من الحالات نمطاً من التعايش القائم على الهشاشة الاقتصادية المشتركة. ففي عدد من الأحياء الشعبية في طرابلس، ولا سيما باب التبانة والقبة، وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي عدد من بلدات البقاع وعكار، استقر الوافدون إلى جانب فئات لبنانية تعاني أصلاً الفقر والبطالة وضعف الخدمات، ومن هنا برزت معادلة يختصرها فاعور بعبارة: فقراء يستضيفون فقراء".
ومع ذلك، يلفت فاعور إلى أن "هذا التفاعل لم يترجم دائماً اندماجاً اجتماعياً كاملاً، إذ بقيت الفوارق القانونية والاقتصادية والاجتماعية قائمة، مما أبقى العلاقة محكومة بدرجات متفاوتة من التعاون والتنافس في آن".
أزمة موارد لا صراع هويات
أما في شأن الحديث عن تعصب عكسي داخل بعض المجتمعات اللاجئة أو المهاجرة تجاه أبناء البلد المضيف، فيرى فاعور أن "المؤشرات لا تظهر أن التوترات القائمة تعود بصورة رئيسة لعوامل ثقافية أو هوياتية أو إلى رفض متبادل بين اللبنانيين والوافدين. فعلى رغم التحولات الديموغرافية الكبيرة التي شهدها لبنان خلال العقود الأخيرة، وبعد أكثر من 15 سنة على النزوح السوري، ما زالت العلاقات اليومية في معظم المناطق تقوم على التعايش والتفاعل الاقتصادي والاجتماعي، خصوصاً داخل البيئات الفقيرة التي يتقاسم فيها اللبنانيون والنازحون الظروف المعيشية نفسها، ولهذا تبدو التوترات الراهنة أقرب إلى انعكاس لأزمة موارد وخدمات منها إلى صراع هويات".
لبنان المفتوح لا يلغي قلق التوازن
في المقابل، يرفض المحلل السياسي يوسف دياب تصوير لبنان كـ "بلد تنتج فيه الهجرة تلقائياً مجتمعات مغلقة"، فهو يرى أن "لبنان، بطبيعته، مجتمع متنوع ومنفتح، وفيه مستويات واسعة من الاندماج بين الطوائف والمناطق والفئات"، معتبراً أن "الوافد إلى لبنان يجد نفسه غالباً داخل نسيج اجتماعي متعدد، لا داخل جدار مغلق".
ويستشهد دياب بـ "تجارب الفلسطينيين منذ عام 1948، والنازحين السوريين، والعمال المصريين والبنغال، كما يستحضر جماعات تاريخية استقرت في لبنان مثل الأرمن والأكراد والآشوريين". في نظره "كثيرون ممن جاؤوا إلى لبنان تأثروا بنمط الحياة فيه ووجدوا فيه مساحة عيش، لا لأنهم يحملون مشروعاً لتغيير التركيبة اللبنانية، بل لأن لبنان نفسه بلد قابل للاختلاط والتأثير المتبادل".
لكن دياب لا ينفي أن "التحولات السكانية تترك أثراً في التوازنات"، هو يقر بأن "التراكم العددي يمكن أن يسبب اختلالاً ديموغرافياً"، لكنه يرفض "تحويل ذلك إلى خطاب خوف من مكون بعينه".
سوق العمل بين الحاجة والمنافسة
ويقول دياب إن "اليد العاملة السورية والمصرية والفلسطينية وغيرها تؤثر في بعض القطاعات، لكنها لا تلغي الدور اللبناني" ولا تشكل، في رأيه، "منافسة شاملة". ويذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن "خروج هذه اليد العاملة دفعة واحدة من لبنان قد يؤدي إلى توقف ورش وأعمال وقطاعات خدماتية كثيرة، ولا سيما في المهن اليدوية والحرفية ومحطات الوقود وبعض الأعمال اليومية".
ويرى دياب أن "المنافسة موجودة، لكنها محصورة نسبياً"، مشيراً إلى أن "هناك مهن منظمة لا يستطيع غير اللبناني دخولها بسهولة أو من دون شروط قانونية صارمة، مثل المحاماة والطب والهندسة والطوبوغرافيا والترجمة، كما أن اللبنانيين يتجهون تقليدياً نحو التجارة والوظيفة العامة والقطاعات السياحية والمهنية المنظمة".
حين تستغل العصابات هشاشة الوافدين
ولا ينكر دياب "وجود مظاهر سلبية مرتبطة ببعض الوافدين"، لكنه يرفض تحويلها إلى "إدانة جماعية"، لافتاً إلى أن "بعض شبكات السرقة أو المخدرات أو الدعارة قد تستغل حاجة فئات فقيرة، بينها سوريون أو غيرهم، لكن ذلك لا يعني أن هؤلاء جاؤوا إلى لبنان بخلفية جرمية أو بمشروع أمني".
في هذه النقطة، يقول "يصبح الفقر شريكاً خفياً في الجريمة، الحاجة تفتح الباب. غياب القانون يوسعه، والعصابات، التي لا جنسية أخلاقية لها، تستغل الحلقة الأضعف. قد يكون الضحية وافداً، وقد يكون لبنانياً، وقد يكون المجتمع كله".
الهجرة ومثالها الأمثل بوعدي الفرنسي المغربي
من مفارقات الهجرة وانتماءاتها، لا بد من أن نضرب مثلاً بأحد أصغر لاعبي مونديال كأس العالم 2026 الجاري في أميركا وهو أيوب بوعدي الذي خطف الأنظار ونال شهرة لم ينلها من قبل، والمفارقة بدأت من هجرته الأولى.
فأيوب، الذي عاش فترة في فرنسا، بدءاً من ولادته في مدينة سنليس الفرنسية، لأبوين مغربيين، وصولاً للعبه في أكاديميات بلاد شارل ديغول حتى أصبح أصغر لاعب يخوض مباراة أوروبية في تاريخ نادي ليل، ومثّل كل منتخبات البلاد.
كان يمكن أن يكون قصة اندماج فرنسي مثالية، لكنه في مايو (أيار) الماضي اختار قميص "أسود الأطلس" بدلاً من منتخب فرنسا، وأبهر العالم بأدائه أمام مباراة منتخبه "الأم" أمام راقصي السامبا البرازيل.
قرار بوعدي الذي وازن بين بلاد المنشأ والتكوين بتمثيله لكل فئات منتخباتها، كتعايش مثالي وجد نفسه أخيراً أمام خيار "جذوره الأولى" بلاد المغرب.
قصة بوعدي تختصر بدقة المعضلة العالمية التي يطرحها هذا الملف، حتى حين يندمج "الجيل الثاني" من المهاجرين اقتصادياً وتعليمياً بالكامل، يظل سؤال الهوية حاضراً ومفتوحاً — وقد يحسمه الفرد لمصلحة جذوره لا انتمائه الجديد. ومثاله ليس استثناء ولكنه ضمن عيّنة من ظاهرة أوسع تتشكل حيناً بعد حين في ضواحي أوروبا وأحياء أميركا.
لنذهب مثلاً، لضاحية كلوي-سو-بوا الفرنسية، حيث يعيش آلاف من أحفاد المهاجرين الذين جاؤوا من المغرب العربي في الستينيات.
واليوم، يحملون الجنسية الفرنسية، ويتحدثون الفرنسية كلغة أولى، لكن ثمة دراسة تبدو صادمة لـPew Research 2023 تكشف عن أن غالبيتهم لا يشعرون بانتماء حقيقي إلى الهوية الفرنسية، ويعيشون في "أحياء موازية" نادراً ما يدخلها سكان البلد الأصليون.
وهذه العزلة، لم تفت عالِمَي الاجتماع أليخاندرو بورتيس ومين تشو في نظيرتهما "الاندماج المتشعب"، لا يندمج كل المهاجرين بالطريقة نفسها.
اقتصادات وشبكات اجتماعية موازية
حين يصل مهاجرون بكثافة عالية إلى منطقة جغرافية ضيقة، مع ضعف فرص الاقتصاد الرسمي، تتشكّل اقتصادات وشبكات اجتماعية موازية تكتفي بذاتها، كما حدث في ضواحي باريس الشمالية وأحياء برادفورد البريطانية.
وترى النظرية أن "بعضهم يحقق صعوداً اجتماعياً واقتصادياً ورياضياً ويندمج كما لو عروقه نشأت بينهم"، وأيوب المغربي الفرنسي، أو الفرنسي المغربي، مثال أمثل.
فيما قد يواجه آخرون التهميش أو التعثر الاجتماعي، وفقاً للنظرية، في حين ينجح فريق ثالث في تحقيق التقدم المهني والتعليمي مع الحفاظ على هويته الثقافية وروابطه المجتمعية.
وتؤكد النظرية أن فرص النجاح أو الإخفاق ترتبط بدرجة كبيرة ببيئة الاستقبال والدعم الأسري ومستوى التعليم والفرص المتاحة أكثر من ارتباطها بأصول المهاجرين أو ثقافتهم.
وعلى ما يبدو أن نقاط الخلاف بين السكان الأصليين والمهاجرين الوافدين، أو المولودين لأبوين مهاجرين، تبدأ غالباً من التنافس على الوظائف والسكن، ومن هنا قد يبدأ صداماً من نوع آخر.
التحدي الأكبر في وجه كثير من المهاجرين، هو لغة التعميم التي قد تواجهها إذا ما حدثت جريمة فردية فإنها تبدأ تتحول إلى وصمة جماعية كما حدث بعد هجمات كولونيا 2015، وفجوة قيمية حول الدين والمرأة في الفضاء العام.
وهجمات كولونيا 2015 هي سلسلة اعتداءات جنسية وسرقات جماعية استهدفت مئات النساء ليلة رأس السنة في مدينة كولونيا الألمانية على يد مجموعات من الرجال من أصول شمال أفريقية وعربية، وأسفرت تبعاتها عن صدمة مجتمعية عارمة وإقالة مدير شرطة المدينة جراء الفشل الأمني، ووجهت ضربة قاسية لسياسة "الباب المفتوح" للمستشارة السابقة أنجيلا ميركل تجاه اللاجئين، مما غذى تصاعد نفوذ تيار اليمين المتطرف المناهض للهجرة وتعديل القوانين الجنائية لتشديد عقوبات الجرائم الجنسية والترحيل.
وبالعودة إلى ما وراء كولونيا، تظل احتجاجات الضواحي الفرنسية 2005 و2023، التي اندلعت بعد وفاة شابين من أصول مهاجرة، المثال الأبرز على كيف تتحول العزلة إلى انفجار.
وتقول دراسة OECD PISA 2022 أن التعليم يلعب دوراً مزدوجاً، إذ وجدت أن أبناء المهاجرين في مدارس مختلطة يحققون نتائج أفضل بكثير من نظرائهم في مدارس "الجيتو" التعليمي، وهذا ما يشير إلى أن الفصل المكاني يُكرّس الفصل الثقافي.
ثمة باب ربما يطرقه اللاجئون في شتى البلدان، وهو استغلال أنظمة اللجوء، ففي ألمانيا مثلاً، رصدت السلطات عام 2023 آلاف الطلبات المكررة بهويات عدة، فيما تكشف تقارير Europol عن شبكات تهريب تستغل ثغرات قانونية لتجارة الإقامة.
يجب علينا التفرقة بين الجيل الثاني والثالث من المهاجرين، وهذا قلب المعضلة. إذ بعضهم كنموذج بوعدي يحتفظ بهوية مزدوجة صحية ويحقق نجاحات لبلدي المنشأ والجذور، فيما يعيش آخرون "لا انتماء مزدوج" كما رصدته دراسات ما بعد هجمات لندن 2005.
وهجمات لندن التي وقعت في السابع من يوليو (تموز) 2005 هي واحدة من أعنف الهجمات الإرهابية في تاريخها الحديث، عندما نفّذ أربعة انتحاريين بريطانيين هجمات متزامنة استهدفت ثلاثة قطارات في مترو الأنفاق وحافلة نقل عام في وسط المدينة.
وأسفرت التفجيرات عن مقتل 52 شخصاً وإصابة أكثر من 700 آخرين، إضافة إلى مقتل المنفذين الأربعة.
وكان المهاجمون مهاجرين وأبناء مهاجرين، وهم محمد صديق خان وشذاد تنوير وجيرمين ليندسي وحسيب حسين، وجميعهم بريطانيون تأثروا بالفكر المتطرف.
وتبنّى تنظيم القاعدة المسؤولية عن الهجمات التي هزّت بريطانيا وأدت إلى تشديد واسع للإجراءات الأمنية ومكافحة الإرهاب.
وإذا ما استعرضنا مثلاً لأنجع وأمثل نموذج تعايش ناجح فإن كندا قد تكون الأقرب، بفضل سياسة "التعددية الثقافية" الرسمية منذ 1971، التي تشجّع الاحتفاظ بالهوية الأصلية ضمن إطار قانوني واحد، لا الذوبان القسري.
تبدل حال اللاجئين إلى العراق بعد عام 2003
"أنا أنتمي إلى الجيل الثالث، أبي وأمي هما من الجيل الثاني ولدا في محلة قنبر علي ببغداد، أنا من مواليد عام 1982 لم أشعر أنني غريب عن البيئة العراقية وتربطني علاقات صداقة وطيدة مع العراقيين"... هذا ما يذكره لنا الصحافي والباحث الفلسطيني حسن الخالد الذي يوضح أن البيئة العراقية بالنسبة إلى اللاجئ الفلسطيني تبدلت بعد عام 2003 وازدادت تعقيداً بعد عام 2017.
يقول "بدأ أبناء الجيلين الثالث والرابع من الفلسطينيين الموجودين في العراق يلاحظون الفجوة الكبيرة، ولو وجه السؤال لأي فلسطيني يعيش في العراق حالياً سيجيب بحسرة وألم: إنه بدأ يشعر بالغربة، وهو الذي ولد وتربى وتزوج وأنجب أولاداً وأحفاداً هنا في العراق بدأ يشعر أنه غير مرحب به، بسبب حملات التحريض من قبل السياسيين والإعلاميين ضد الوجود الفلسطيني، وغالباً ما تجد هذه الحملات صداها في المجتمع العراقي على رغم الأواصر العميقة التي تربطنا بالبيئة العراقية".
بدأ الوجود الفلسطيني في العراق بعد عام 1948 وتعود أصولهم إلى مدينة حيفا ويبلغ عددهم نحو 5 آلاف فلسطيني، استقروا أولاً في معسكر الشعيبة في البصرة لينقلوا بعدها إلى بغداد والموصل. وتدريجاً ارتفع عدد الفلسطينيين ليصل إلى 35 ألف لاجئ قبل عام 2003، وهذه الإحصائية تشمل الفلسطينيين الذين نزحوا من لبنان إثر الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982 الذين نزحوا من الكويت بعد عام 1990، وبعد عام 2003 انخفض عدد الفلسطينيين إلى 5 آلاف بعد حملات القتل ضدهم بدوافع طائفية.
القضايا السياسية
وعلى رغم الوضع القانوني، لم يكن في مصلحة اللاجئ الفلسطيني إلا التعايش في البيئة العراقية، ولم يخلق المجتمع الفلسطيني مجتمعاً موازياً له داخل المجتمع العراقي، فالوجود الفلسطيني واسع الانتشار في مناطق الحرية والزعفرانية الدورة مع وجود مجمع سكني وحيد مخصص للفلسطينيين في منطقة البلديات، بني في أواخر عهد الرئيس أحمد حسن البكر. في هذا السياق، يوضح الصحافي والباحث الفلسطيني حسن الخالد أنه "على مر الحكومات المتعاقبة لم يكن اللاجئ الفلسطيني جزءاً من الصراع السياسي، ولكن بعد عام 2003 بدأ السياسيون العراقيون بزج اللاجئ الفلسطيني في هذا الصراع تحت مسميات ‘الإرهاب‘، وأن هناك من فجر نفسه من الفلسطينيين وسط تجمعات في العراق. بعدها شهدت شوارع بغداد لافتات رفعت تطالب بطرد الفلسطينيين، لتبدأ بعدها حملات القتل ضدهم".
في عام 2001 سمح للفلسطينيين بالعمل في الوظائف الحكومية إلا أن هذا القرار جرى إلغاؤه في عام 2017، ولم يعد يحق للفلسطينيين العمل في الوظائف العامة، كذلك ألغي القرار 202 لعام 2001 (هو تشريع أصدره مجلس قيادة الثورة المنحل في العراق، وكان يمثل الغطاء القانوني الذي يضمن مساواة اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في العراق بالمواطنين العراقيين في الحقوق والواجبات، باستثناء حق الحصول على الجنسية العراقية).
وفي هذا الشأن، يوضح حسن الخالد أن الفلسطيني لا ينافس العراقي في العمل بالوظائف الحكومية ولا الخاصة، "فاللاجئ الفلسطيني لا يسمح له بالعمل كسائق تاكسي، ولا يحق له الحصول على رخصة قيادة عمومية باسمه".
وفي السياق ذاته، يوضح أحمد زيدان أحمد رئيس مجلس وجهاء فلسطينيي العراق أن إلغاء قرار 202 جعل الفلسطيني لا يُعامل كعراقي ولا كعربي ولا كأجنبي، فالموظف الحكومي الفلسطيني تحرم عائلته من الراتب التقاعدي بعد وفاته باستثناء إذا كانت زوجته عراقية، وفيما يخص حقوق السفر كان الفلسطيني يمنح وثيقة سفر أمدها خمسة أعوام، لكن الوضع تغير الآن لتمنح له وثيقة سفر أمدها سنة واحدة، كذلك لا يحق للفلسطيني البقاء شهراً خارج العراق إذ تتطلب عودته إجراءات معقدة ووجود كفيل.
العراق طارد وجاذب
تورد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن هناك 350 ألف باحث عن لجوء موجودين في دهوك وأربيل وكركوك، وهذا مؤشر إلى أن العراق أصبح جاذباً لبعض الجنسيات على رغم القصور في قوانين اللجوء في العراق.
وحول هذه المسألة، يوضح حيدر الجوراني الباحث والأكاديمي المتخصص في علم النفس السياسي والاجتماعي أن العراق وتحديداً خلال الأعوام الـ10 الأخيرة بات طارداً وجاذباً في الوقت ذاته.
وعلى رغم تعدد تجارب وتنوع أسباب الهجرة والنزوح، فإن العراق يحتاج إلى تشريع قانون للهجرة وظواهرها للحفاظ على الأمن القومي العراقي من التبعات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المستقبل.
ويقول الجوراني "بقاء العمل بقانون اللاجئين السياسيين رقم 51 لسنة 1971 لا يتماهى مع متطلبات الدولة العراقية اليوم، لا سيما وأن وزارة الهجرة والمهجرين استُحدِثت بعد عام 2003 إلا أنها بحاجة إلى قانون وتشريعات تُنظم حركات الهجرة والنزوح وفقاً للأُسس الدولية المعتمدة (اللجوء السياسي ولم الشمل والزواج والعمل وغيرها من أسباب النزوح).
يرى الجوراني أن العراق متداخل ثقافياً واجتماعياً مع الدول الإقليمية، إلا أن عدم تحديث قوانين وضوابط الهجرة للمقيمين داخل العراق سيترك آثاراً وإشكاليات على المديين المتوسط والبعيد بين العراقيين والمقيمين من مختلف الجنسيات، من أخطرها الاتجار بالبشر على أساس العمل أو حتى تحت عنوان الزواج، كذلك فإن عدم تشريع قانون هجرة ونزوح وضوابط تنظم حق اللجوء والإقامة في العراق سيجعل المادة 21 من الدستور العراقي باباً مفتوحاً لملف هو الأخطر من نوعه، منها ما يتعلق بالسوريين الذين تطالب بهم سوريا بعد تسليمهم إلى العراق من قبل "قسد" والحديث في لبنان قبل يومين عن الرغبة في نقل مقاتلين تابعين لـ"حزب الله" مع عوائلهم إلى العراق.
سوريون في العراق
"تجربتي في العراق لا يمكن اختزالها بصورة واحدة فهي تحمل جانباً إنسانياً إيجابياً وجانباً آخر مرتبطاً بالتحديات التي يعيشها أي شخص اضطر لترك بلده"، هذا ما تقوله نور سالم الإعلامية والناشطة النسوية السورية المقيمة في العراق. وتوضح أن "السوريين لم يأتوا إلى العراق ككتلة واحدة تحمل مشروعاً أو ثقافة مختلفة، بل جاءوا نتيجة ظروف قاهرة مرتبطة بالحرب وانهيار الأمان الاجتماعي والبحث عن فرصة للحياة".
وتصف سالم العلاقة بين السوريين والعراقيين بأنها ليست علاقة مواجهة، فهناك زيجات وعلاقات صداقة وزملاء عمل، لكن في الوقت ذاته لا يمكن إنكار وجود صدامات لكنها لا تنبع من اختلاف الشعبين بقدر ما تنبع من واقع سياسي واقتصادي ضاغط على الجميع.
السياسية مجدداً
أثرت التحولات السياسية التي شهدتها سوريا على طريقة تناول قضية السوريين في البلدان التي استقبلتهم. بعض القوى السياسية تستثمر هذه التحولات لإعادة إنتاج خطاب طائفي أو تخويفي، وهذا ينعكس على حياة الناس العاديين، بحسب نور سالم التي رأت أن وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أدت دوراً مزدوجاً.
فهي من جهة قربت الناس، لكنها من جهة أخرى أسهمت في نشر صور نمطية عن السوريين. حتى اللهجة أصبحت أحياناً سبباً للحكم المسبق، فمجرد سماع شخص يتحدث بلهجة سورية أو بطريقة مختلفة قد يدفع هذا الأمر البعض إلى وضعه في قالب معين، على رغم أن اللغة والتنوع يجب ألا يكونا سبباً للتمييز لا للتحيز.
تعارض القيم
تكمل نور سالم وتوضح بأنه لا يمكن الحديث عن تعارض قيم حقيقي بين السوريين والعراقيين، لأن البنية الثقافية والاجتماعية بين المجتمعين متقاربة جداً من حيث اللغة والدين والعادات العامة.
لذلك ما يظهر أحياناً كاختلاف ليس صداماً بقدر ما هو اختلاف تجارب معيشية فرضتها الحرب والهجرة.
أسباب تحول دون اندماج المهاجرين في المجتمع المغربي
ظل المغرب طوال عقود بلد عبور للمهاجرين، لا سيما للوافدين من بعض بلدان جنوب الصحراء هرباً من ويلات الفقر والحروب والانقلابات العسكرية بهدف العبور نحو الضفة الشمالية للمتوسط.
ومع مطلع الألفية الثالثة بات البلد تدريجاً مكان استقرار لهؤلاء المهاجرين بالنظر إلى احتضان المجتمع المغربي الأجانب، إضافة إلى حاجة البلاد لقوى عاملة في بعض المجالات كالبناء والفلاحة والقطاع غير المهيكل.
شهد المغرب ارتفاعاً لافتاً في عدد الأجانب المقيمين فيه بلغ 148 ألفاً و152 شخصاً خلال عام 2024، مما يعادل 0.4 في المئة من إجمال السكان، جلهم من السنغال وساحل العاج وغينيا ومالي، بزيادة بلغت 76.4 في المئة مقارنة بإحصاءات عام 2014، بحسب المندوبية السامية للتخطيط (الحكومية)، تعمل الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المملكة على الحد من نسبة الاندماج التام للمهاجرين، وتسهم إلى جانب اختلاف ثقافة وقيم الطرفين في حدوث صراعات محدودة.
بين الاندماج والانغلاق
مع تزايد حجم الهجرة نحو المغرب تبدو حصيلة الاندماج التام للمهاجرين في المجتمع المحلي محدودة جداً ومحصورة في عدد قليل من أبناء الأثرياء الذين درسوا في المعاهد المحلية العليا وتمكنوا من تحقيق وضع اقتصادي واجتماعي مريح.
لكن الفئة الأكبر تسري عليهم الإكراهات المحلية المرتبطة بارتفاع نسب الفقر والبطالة وتراجع القدرة الشرائية، مما يدفعهم إلى العمل في القطاع غير المهيكل بأجور زهيدة.
ويشدد مراقبون على ضرورة دراسة مسألة الاندماج بحذر علمي، حيث يوضح الباحث في قضايا الهجرة حسن بنطالب أن الإدماج عملية طويلة ومعقدة لا يمكن قياسها في فترة زمنية قصيرة، وهي لا تتعلق فقط بالتمدرس أو تعلم اللغة، بل تشمل أيضاً فرص العمل والعلاقات الاجتماعية والشعور بالانتماء والمشاركة في الحياة العامة، وبما أن تجربة استقرار المهاجرين في المغرب لا تزال حديثة نسبياً، فإن الوقت لا يزال مبكراً لإصدار أحكام نهائية حول نجاح أو فشل عمليات الإدماج.
من جانبه يشير الباحث في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا أناس ابن الشيخ أن الاندماج يمثل رهاناً مركزياً، سواء على المستوى المؤسساتي من خلال سياسات الدولة واستراتيجياتها في مجال الهجرة، أو على المستوى الفردي من خلال سعي المهاجر للنفاذ إلى المجتمع المستضيف والاستفادة من موارده وتجاوز صعوبات العيش في عزلة قد تكون أحياناً اختيارية.
لكنها في كثير من الحالات مفروضة وقهرية، موضحاً أنه من هذا المنظور يمكن ملاحظة ميل بعض المهاجرين إلى السكن الجماعي ضمن مجموعات متجانسة نسبياً، غير أن هذا الميل النسبي لا ينبغي تفسيره دائماً بوصفه تعبيراً عن انغلاق ثقافي أو هوياتي، بل تفرضه عوامل متعددة، في مقدمها ارتفاع كلفة الإيجارات والحاجة إلى الاحتماء بالانتماء وتدبير مختلف أشكال الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية.
بمعنى آخر، فإن عدداً من المهاجرين، خصوصاً الموجودين في وضعية غير نظامية، قد ينزعون إلى نوع من "الانكفاء الهوياتي والمعيشي"، لكنه لا يكون دائماً اختياراً حراً، بل قد يكون نتيجة مباشرة لشروط الإقصاء والهشاشة وضعف فرص الاندماج، وفي المقابل، قد تختار فئة أخرى نوعاً من الانغلاق بسبب صعوبة التفاعل مع المحيط المحلي أو محدودية القدرة على الانتظام في الحياة الاجتماعية والممارسات الثقافية السائدة.
صراع القيم
يسهم الاختلاف الثقافي بين المهاجرين والمجتمع المحلي في حالات سوء فهم متبادلة تعمل إلى جانب ذلك الوضعية الاقتصادية والاجتماعية الصعبة لتلك الفئة في خلق صراعات تكون في بعض الأحيان عنيفة، إذ تشهد بعض المدن المغربية منذ أعوام حالات استيلاء مهاجرين أفارقة على بيوت فارغة، أو استمرار سكنهم في منازل على رغم انقطاعهم عن سداد الإيجار، كذلك سجلت حالات شغب في بعض الأماكن العامة (غابات وساحات عامة) عقب شن السلطات حملات لتفريق تجمعات لمهاجرين كانوا يحتلون تلك الأماكن، أو عقب نزاعات مع مواطنين محليين.
من ناحية أخرى، سجلت في الأعوام الأخيرة حالات اعتداء متبادلة بين مهاجرين أفارقة ومواطنين محليين، كان آخرها سحل مهاجر من جنوب الصحراء لامرأة في الشارع العام بمدينة الدروة بضواحي الدار البيضاء.
وبخصوص مدى مساهمة اختلاف ثقافة وقيم الطرفين في حدوث صراعات يقول الباحث حسن بنطالب "أفضل الحديث عن اختلافات ثقافية أكثر من الحديث عن صدام بين القيم، فالمغرب يستقبل أشخاصاً من بلدان أفريقية مختلفة، ولكل منهم لغته وعاداته وتقاليده وخلفياته الاجتماعية والدينية.
هذه الاختلافات قد تؤدي أحياناً إلى سوء فهم متبادل، لكنها لا تعني بالضرورة وجود قيم متناقضة أو غير قابلة للتعايش"، ويوضح أن ما يفسره البعض باعتباره صداماً ثقافياً يرتبط غالباً بالجهل المتبادل، باعتبار أن كثيراً من المغاربة لا يعرفون بصورة كافية المجتمعات الأفريقية جنوب الصحراء، كذلك فإن عديداً من المهاجرين يصلون إلى المغرب وهم يملكون معرفة محدودة بالمجتمع المغربي، هذا النقص في المعرفة المتبادلة يسهم في انتشار الصور النمطية وسوء الفهم.
من ناحيته يشير الباحث أناس ابن الشيخ إلى صعوبة حصر جميع الأحداث والصدامات التي كان المهاجرون طرفاً فيها، لأنها متعددة ومتفاوتة من حيث السياق والحجم والدلالة.
ويرى أن المهاجر يظهر غالباً كفاعل مركزي في الأحداث المرتبطة بالمناطق الحدودية، ولا سيما على مستوى محيط مدينتي سبتة ومليلية، حيث تتقاطع استراتيجيات العبور والضبط الأمني والهشاشة الاجتماعية وضغط الانتظار الذي قد يصل إلى أعوام.
ويضيف أن تلك الصدامات تعود إلى عوامل عدة، منها تشديد المراقبة الحدودية وتدهور ظروف العيش داخل بعض التجمعات الهامشية (الغابات والأماكن المهجورة والبعيدة)، وضعف فرص الحصول على العمل والسكن والخدمات، إضافة إلى التوترات التي قد تنشأ بين المهاجرين والسلطات، أو بينهم وبين بعض مكونات المجتمع المحلي، ولذلك لا ينبغي اختزال هذه الأحداث في سلوك المهاجرين وحدهم، بل يجب فهمها ضمن بنية أوسع تشمل سياسات الهجرة والحدود والهشاشة والانتظار وتدبير العبور.