Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العنصرية تنبعث في بريطانيا... وهكذا نتصدى لها

يقول نائب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لامي: "نشأت في زمن كان حليقو الرؤوس يجوبون الشوارع حيث أقيم ناشرين الكراهية، لكن ما بقي في ذاكرتي وجوه من وقفوا معنا، وتلك هي روح التضامن التي يجب أن نحييها اليوم

 التضامن ليس شعاراً بل واجب يتعين أن نعمل عليه كل يوم، ويتطلب منا أن نقف إلى جانب بعضنا بعضاً عندما تكون الأمور صعبة، وليس فقط عندما تكون سهلة  (غيتي)

ملخص

بريطانيا تواجه موجة جديدة من الانقسام، لكن تاريخها يثبت أن التضامن كان دائماً مصدر قوتها وتقدمها، من رفض عمال القطن للعبودية إلى نضال جيل ويندراش وكرنفالات “الروك ضد العنصرية”. فالوحدة، لا الكراهية، هي ما يصنع هوية الأمة.

يسود اليوم في بريطانيا شعور متزايد بأن نسيج المجتمع بدأ يتمزق تحت وطأة الانقسام، فبعضهم يريد إقناعنا بأننا أكثر انقساماً مما نحن عليه في الواقع، فيزرعون الخوف ويؤججون الغضب، ويدفعون الجار إلى معاداة جاره.

لكنهم يخطئون في حق هذا البلد، فغالبية الناس يريدون العيش في مجتمع متسامح ويشعرون بالاشمئزاز من التصريحات العنصرية التي أدلت بها نائبة حزب "ريفورم" سارة بوتشين، حين قالت إن الإعلانات تحوي عدداً كبيراً جداً من الوجوه السمراء والآسيوية.

إنهم يدركون خطورة أن تصبح مثل هذه العبارات أمراً عادياً، ويقفون معنا في وجه عودة هذا الشكل الفجّ من العنصرية.

بريطانيا قصة تقدم، وما غذّى هذا التقدم عبر الأجيال هو تاريخنا المنسي من التضامن، فخلال الحرب الأهلية الأميركية رفض عمال مصانع القطن في شمال إنجلترا التعامل مع القطن المزروع بأيدي العبيد في الجنوب الأميركي، على رغم علمهم بأن ذلك قد يكلفهم مصدر رزقهم، ومع ذلك اتخذوا موقفاً مبدئياً ونظروا عبر المحيط إلى ظلم بعيد وقالوا "ليس باسمنا".

لقد أسهمت هذه الروح من التضامن في تشكيل ملامح بريطانيا الحديثة كما أصبحت عليه اليوم، وتجلت الروح نفسها أيضاً خلال حملة "مقاطعة حافلات بريستول" Bristol Bus Boycott عام 1963، عندما توحد الناس من مختلف الأعراق والخلفيات لمساندة العمال السود والآسيويين الذين ناضلوا ضد حظر عنصري منعهم من العمل ضمن طواقم الحافلات المحلية.

خلال "شهر تاريخ السود" Black History Month نحتفي بقصص البريطانيين السود، لا باعتبارها منفصلة عن تاريخنا الوطني بل كجزء أساس منه، فهي قصص شجاعة وعطاء لكنها أيضاً روايات عن التضامن والأمل في جعل بلادنا مكاناً أفضل للجميع.

بعد الحرب العالمية الثانية، عندما دُعي أفراد "جيل ويندراش" Windrush العظيم إلى بريطانيا [مواطنون من دول أفريقية وكاريبية انتقلوا إلى المملكة المتحدة للمساعدة في إعادة إعمارها بعد الحرب العالمية الثانية]، واجهوا العداء والعنصرية لكنهم صمدوا وأسسوا لأنفسهم حياة هنا، وأسهموا في الوقت نفسه في إعادة إعمار البلاد بعد الحرب، وكان التضامن جلياً منذ البداية، فعلى سبيل المثال نُظم أول كرنفال كاريبي في عام 1959 بدعم أشخاص من جميع الأعراق والخلفيات، وذلك بعد عام واحد فقط من أعمال الشغب في ضاحية "نوتينغ هيل" في لندن. [أول موجة عنف عنصري في بريطانيا الحديثة، وحينها تعرض السكان البريطانيون من أصل كاريبي لهجمات متكررة من مجموعات عنصرية بيضاء تُعرف باسم "تيدي بويز"].

ثم برز في الحياة العامة أشخاص رائدون من السود، مثل بيرني غرانت الذي تولى مقعد دائرة توتنهام في البرلمان من قبلي، وبول بواتنغ وهو أول وزير أسود في تاريخ الحكومات البريطانية، فلقد ناضل هؤلاء لكسر الأبواب المغلقة كي يتمكن أشخاص مثلنا من العبور من خلالها بسهولة أكبر، وفي صفوف حركة "العمال"، كما في سائر المجتمع، كان التضامن حاضراً معهم ومعنا جميعاً.

قصص البريطانيين السود هذه تذكرنا بأن تقدم مجتمعهم لم يتحقق تلقائياً، فالرحلة كانت شاقة ولم ينس أحد منا مآسي كتلك التي حدثت مع ستيفن لورانس (الطالب البريطاني الأسود (18 سنة) عندما قُتل في اعتداء عنصري جنوب شرقي لندن عام 1993)، لكن التضامن كان حاضراً عند كل منعطف.

شهدت بنفسي ما حدث عندما كنت فتى يافعاً في لندن، حيث الوجه القبيح للانقسام يظهر بصورة يومية، وكنت أرتعد خوفاً عندما كان حليقو الرؤوس يجوبون أحياءنا ناشرين الكراهية في زوايا الشوارع ومدرجات ملاعب كرة القدم، وأذكر مرة أني كنت أمشي مع أمي وأختي حين بصق أحدهم علينا لمجرد كوننا ما نحن عليه، لكن ما بقي محفوراً في ذاكرتي أكثر من كل ذلك هو الأشخاص الذين وقفوا في وجه هؤلاء، متطوعون من مختلف الأعراق والخلفيات اصطفوا جنباً إلى جنب رافضين الخضوع للترهيب، ولم يكن معظم هؤلاء من السياسيين أو الناشطين بل كانوا من جيراننا وأصدقائنا، أناس طيبون أدركوا أن ما حدث هو خطأ، وكانوا مصممين على القيام بما يلزم لتصحيح الوضع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سيتذكر بعضهم كرنفالات "الروك ضد العنصرية" Rock Against Racism التي نظمت خلال سبعينيات القرن الماضي، فقد أقيمت تلك الفعاليات في أنحاء البلاد، بما في ذلك في "فيكتوريا بارك" في هاكني شرق لندن، حيث سار إلى هناك ما يقدر بنحو 100 ألف شخص في تظاهرة انطلقت من ميدان "ترافالغار سكوير" وسط لندن، تعبيراً عن رفضهم للتعصب، وكان حفلاً موسيقياً جمع فنانين من السود والبيض على السواء من فرق مثل "ستيل بالس" Steel Pulse (لموسيقى الريغي) و"ذا كلاش" The Clash(لموسيقى الروك)، ورقص خلاله الناس وغنوا من أجل بريطانيا أكثر تسامحاً.

كانت الثقافة تفعل ما تعجز القوانين وحدها عن فعله وهو توحيد الناس حول قضية مشتركة، وكنت حينها في السادسة من عمري فقط لكنني لا أنسى ذلك الشعور بالفخر حين رأيت كل هؤلاء، من خلفيات مختلفة، يقفون معاً علناً وبشجاعة ضد العنصرية التي واجهتها وفي وجه العنصرية التي عانيت منها.

تلك التجارب أسهمت في صقلي وأظهرت لي أن التضامن ليس مجرد شعار بل واجب يتعين أن نعمل عليه كل يوم، فالتضامن يعني أن نقف إلى جانب بعضنا بعضاً عندما تكون الأمور صعبة، وليس فقط عندما تكون سهلة.

كذلك لا يقتصر "شهر تاريخ السود" على النظر إلى الماضي واستذكار أحداثه وحسب، بل هو أيضاً تجديد لالتزامنا الدروس التي علمنا إياها عمال المصانع في الشمال ونشطاء بريستول وأولئك الأشخاص في لندن وفي مختلف أنحاء بلادنا خلال سبعينيات القرن الماضي، الذين واجهوا العنصرية بشجاعة.

إن في التضامن قوة وهو الذي يوحد الغالبية المحترمة حتى في وجه محاولات قلة صغيرة لتفريقنا.

في مكتبي صورة غالباً ما أجد نفسي أتامل فيها، تظهر مارتن لوثر كينغ جونيور عندما كان يشارك في مسيرة من أجل الحقوق المدنية في الولايات المتحدة عام 1965، إلى جانب الحاخام أبراهام جوشوا هيشل، وكان هذان القائدان من عالميْن مختلفيْن تماماً، يسيران جنباً إلى جنب من أجل قضية مشتركة.

إنها أكثر من مجرد صورة لرجلين، إنها رمز للتضامن والأمل والشجاعة والإيمان والصداقة المشتركة، فالصورة تجسد الإيمان بأن التقدم ممكن عندما يتحد الناس معاً.

هذه الروح هي جوهر بريطانيا التي أعرفها وأحبها، بريطانيا التي يرفض فيها الناس الشرفاء إغراء الكراهية ويختارون بدلاً من ذلك طريق الوحدة.

 

ديفيد لامي هو نائب رئيس الوزراء ووزير العدل في بريطانيا

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء