ملخص
أصبح الأميركيون من أكثر شعوب الأرض ارتباطاً بفكرة المنظمات والجمعيات، والتنظيم الطوعي لمعالجة المشكلات، ونشر الأفكار، وحماية الحقوق والميول والانتماءات. إنها الفكرة التي انبثق منها عدد من أهم الحركات الاجتماعية في أميركا، من حركة إلغاء العبودية، إلى حركة الاعتدال، إلى حركة الحقوق المدنية. إنها الحركة التي تحولت لتصبح غريزة لدى الأميركيين، وإحدى أهم وأبرز سماته.
تحتفل الولايات المتحدة الأميركية يوم الرابع من يوليو (تموز) هذا العام، بمرور 250 عاماً على تأسيسها. 250 عاماً من الحرية، بدرجات متفاوتة، 250 عاماً من الاستقلال، مع وجود حفنة من الدول في كنفها يسمونها "تبعيات سياسية"، 250 عاماً من الديموقراطية، على رغم انتقادات بحدوث تجاوزات بين وقت وآخر، 250 عاماً من حكم القانون، على رغم ما يجري من تحايل أو تجاهل أو التفاف على نصوص لأغراض سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أحياناً، و250 عاماً أيضاً من الجمعيات والمنظمات التي تدعم الشيء وعكسه، وتوجه الرأي العام صوب اليمين أو في تجاه اليسار، وتسوق لسياسات وتروج لقرارات، وترعي البحوث والعلوم والهوايات والعاملين في مختلف المهن والحرف والوظائف والمتقاعدين والأطفال والمراهقين والمسنين والمشردين وأصحاب القدرات الخاصة.
في عام 2024، بلغ عدد المنظمات غير الربحية المسجلة لدى دائرة الإيرادات الداخلية في أميركا أكثر من مليوني منظمة. الرسم البياني الصادر عن "ستاتيستا" المتخصصة في بحوث المستهلكين والأعمال يشير إلى زيادة مستمرة في أعداد المنظمات والجمعيات التي يصفها بـ"المتأصلة بعمق في المجتمع والاقتصاد الأميركي"، متراوحة بين مؤسسات خاصة صغيرة إلى جمعيات خيرية عامة كبيرة، وتعمل في شتى المجالات، مثل التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والفنون والعلوم الإنسانية والشؤون الدينية.
وما يبدو غريباً لغير الأميركيين هو الطبيعي والمتوقع لكل مواطن أميركي، حيث المنظمات والجمعيات جزء لا يتجزأ من عدد من تفاصيل الحياة اليومية، أو في الأقل مكونات البيئة العامة. ويكفي أن المواطن الأميركي البالغ يشارك بنشاط في نحو 3.51 جميعة أو منظمة، حتى لو كانت تجمع مربي الزواحف، أو تعمل من أجل حماية حقوق الأميركيين الأصليين (الهنود الحمر)، أو تدافع عن حقوق مدخني السيجار أمام غزو قوانين منع التدخين، أو تجمع زارعي الخوخ الذي يلتصق بالفم، أو تدعم طائفة "المورمون" التي يحرم على أعضائها شرب الشاي والقهوة والكحول والتبغ وتفرض عليهم التبرع بـ10 في المئة من رواتبهم للكنيسة المورمونية، أو تدافع عن حقوق وموارد الأميركيين الأصليين (الهنود الحمر)، أو تسوق وتروج وتدافع عن التفوق العرقي أو الديني أو القومي، مثل "كو كلوكس كلان" التي قامت على أساس تفوق العرق الأبيض والقومية المسيحية والنزعة القومية الأصولية، أو تدعم الشوارب وتعمل على الحفاظ على مكانتها وهيبتها، وفي الوقت نفسه تجمع المال عبر الترويج للشوارب من أجل دعم مأوي النساء المعنفات، أو تقوم على حماية حق الأميركي في امتلاك وحمل الأسلحة، أو تمارس أنشطة الضغط السياسي لدعم سياسات لنصرة فئة بعينها أو تؤثر في علاقة أميركا بدولة أو طائفة أو جماعة بعينها، وقائمة أمة الجمعيات والمنظمات طويلة جداً.
أكثر من مليوني منظمة
تاريخ أميركا، وحاضرها، وفي الغالب مستقبلها عامر ومتخم بالمنظمات. وعلى رغم أنها تتوارى بعيداً من الأخبار الأميركية الساخنة التي تشغل العالم، وتحدد مسار ومصير عدد من دوله، إلا أنها (المنظمات) شكلت وما زالت جزءاً معتبراً من السياسة، ومن ثم الاقتصاد الأميركي في الداخل والخارج، وتلقي بظلالها، وتفرض آثارها على حياة وتوجهات ومصائر ملايين.
يمكن القول إن 250 عاماً من تاريخ أميركا صنعتها، أو أسهمت في صناعتها، المنظمات والجمعيات. على مدى قرنين ونصف، تغيرت أهداف المنظمات، وتبدّلت دوافعها، لكن ظلت قدراتها على توحيد فئات من الأميركيين، والتأثير فيهم، والسعي إلى تحقيق أهدافهم وأهدافها قوية ومؤثرة.
أكثر من مليوني منظمة بأصول قيمتها نحو 1.2 تريليون دولار، وهو ما يعادل تقريباً الموازنة السنوية لأربع إلى ست دول متوسطة إلى كبيرة الحجم، أو ما يقارب 30 إلى 50 دولة نامية، تقوم بدور الوسيط بين الأميركيين والسلطة، وتملأ الفراغات بينهما، وتمثل عن فئات، وتدافع عن حقوق، وتنشر ثقافة تعكس الطيف الكامل من الأفكار والمعتقدات والأهداف المتراوحة بين أقصى اليمين وأقصى اليسار على مقياس ريختر للتشدد والتطرف، والوسطية والتسامح، والغرابة والتفرد، والعنف واللين، والعنصرية والمساواة، والمحاباة والدمج، والرفض والقبول.
حين تحتفل أميركا بـ250 عاماً على وجودها، تحتفل كذلك بـ299 عاماً من مجتمعها المدني. نعم المجتمع المدني في أميركا أقدم من أميركا، أو بمعنى أدق أقدم من الحكومة الوطنية الرسمية الأميركية.
بحسب وثيقة نشرتها "اللجنة الاقتصادية المشتركة للكونغرس الأميركي"، أنشأ المستوطنون الأميركيون الأوائل منظمات تطوعية قائمة على المجتمع. وكانت هذه المنظمات ذاتية الحكم، حاسمة للبقاء والتماسك الاجتماعي. وتمضي ورقة عنوانها "المساحة الفاصلة: تجديد التقاليد الأميركية للمجتمع المدني"، لتشير إلى أن المجتمع المدني في أميركا شكل نوعاً من "القطاع الثالث" داخل المجتمع. هو قطاع قائم بذاته، مستقل عن أية حكومة (نظرياً)، أو القطاع العام، أو السوق، أو القطاع الخاص، وإن كان هذا لا يعني أن الدولة والصناعة لا تؤثران فيه.
وتشير الورقة إلى أن بعض هذه المنظمات يحصل على تمويل من الهيئات الحكومية والشركات، وتتأثر بالسياسات العامة والدورة الاقتصادية، لكن ما زال ينظر إليه باعتباره قطاعاً مستقلاً إلى حد كبير على مدار 250 عاماً، هي عمر أميركا، وقبلها بـ49 عاماً.
في خريف عام 1727، دأب 12 شاباً، غالبهم من التجار والحرفيين على الاجتماع مساء كل جمعة في حانة "إنديان هيد" في فيلادلفيا، وذلك لمناقشة قضايا فلسفية والأحداث الجارية وتبادل المعلومات والموارد. وأطلقوا على تجمعهم اسم "جونتو كلوب" (جونتو تعني مجموعة صغيرة حصرية وربما سرية من الأفراد الذين يتجمعون لغرض مشترك قد يتعلق بالمنفعة العامة)، وكان يقودهم شاب طموح في الـ20 من عمره يعمل في مجال الطباعة اسمه بنجامين فرانكلين.
وتحت قيادة فرانكلين، لم يقتصر دور "جونتو كلوب" على دعم أعضائه، بل أسهم في تأسيس عدد من المؤسسات البارزة في فيلادلفيا، مثل أول مكتبة إعارة قائمة على الاشتراك في أميركا الشمالية البريطانية، وأول فرقة إطفاء متطوعة في بنسلفانيا، والجمعية الفلسفية الأميركية، وأكاديمية فيلادلفيا التي أصبحت في ما بعد جامعة بنسلفانيا، وأول مستشفى خيري.
فيلادلفيا المعروفة بمسمى "مدينة المحبة الأخوية"، حيث اسمها "فيليا" مشتق من "فيليا" بمعنى الحب و"أديلفوس" بمعنى الأخ باليونانية، كانت تعكس رؤية مؤسسها ويليام بن في عام 1681، الذي رآها مدينة ترمز إلى التسامح والتكاتف المجتمع، وتقوم على السلام وحرية ممارسة الشعائر الدينية والحكم الذاتي. وما لا يذكر كثيراً في تاريخ بنسلفانيا، وبن، والمجتمع المدني هو أن بن احتفظ لنفسه بعدد من السود المستعبدين خلال فترة عمله، حتى مع تزايد عدم شعبية هذه الممارسة بين سكان بنسلفانيا.
توسيع قاعدة العمل المدني
أما فرانكلين، فقد مضى قدماً في توسيع قاعدة العمل المدني، وهي القاعدة التي استمرت عبر تاريخ أميركا، حتى أصبح الأميركيون من أكثر شعوب الأرض ارتباطاً بفكرة المنظمات والجمعيات، والتنظيم الطوعي لمعالجة المشكلات، ونشر الأفكار، وحماية الحقوق والميول والانتماءات. إنها الفكرة التي انبثق منها عدد من أهم الحركات الاجتماعية في أميركا، من حركة إلغاء العبودية، إلى حركة الاعتدال، إلى حركة الحقوق المدنية. إنها الحركة التي تحولت لتصبح غريزة لدى الأميركيين، وإحدى أهم وأبرز سماته.
وسواء كانت حركة إلغاء العبودية، أم المساواة، أو الحقوق المدنية من دون النظر إلى اللون أو العرق أو المعتقد أو النوع، أو تفوق البيض، أو قبول ومدج المهاجرين أو رفضهم ونبذهم، تظل المنظمات والجمعيات سمة أميركية أصيلة، استرعت انتباه الكتاب والمؤرخين والفلاسفة على مر تاريخ أميركا.
لا يمكن فهم هذا التاريخ والحاضر والمستقبل من العمل المدني دون اللجوء إلى ألكسيس دو توكفيل، هذا الدبلوماسي والمؤرخ والفيلسوف الفرنسي الذي زار أميركا بين عامي 1831 و1832 ليجذب انتباهه، ويدفعه للمراقبة والفهم والتحليل لهذا النمط من "التكاتف" والعمل الشعبي المدني من أجل الصالح العام، وربما الخاص.
في البداية، جاء الانبهار. أبدى دو توكفيل اندهاشاً وإعجاباً شديدين بالعدد الهائل والتنوع الكبير للجمعيات الأميركية، وفي مجلديه الأول والثاني تحت عنوان "الديمقراطية في أميركا" والصادرين في عامي 1835 و1840، كتب إنها "المرة الأولى التي يسمع فيها عن 100 ألف رجل تجمعوا وتعهدوا علناً على الامتناع عن تناول المشروبات الكحولية القوية. وجدت الفكرة مسلية أكثر منها جدية، لم أفهم لماذا لا يستطيع هؤلاء المواطنون شرب الماء ببساطة في خصوصية بيوتهم، ثم أدركت أن هؤلاء الأميركيين، الذين شعروا بالقلق من انتشار السكر حولهم، أرادوا أن يخرجوا إلى العلن بسلطتهم الأخلاقية هدفاً لنشر الرصانة والوعي الناجمين عن عدم شرب الكحوليات، لم يفعلوا ذلك كل على حدة مخاطباً الحكومة الرقابة على الحانات، بل فعلوها مجتمعين".
وهنا بدأت نظرية دو توكفيل عن الديمقراطية وربطها بالجمعيات والمنظمات المدنية، فكتب أن وجود المجتمع المدني ضرورة في الأنظمة الديمقراطية، "لأنها تحمي الحريات والحقوق الفردية من الاستبداد المحتمل أو الفعلي للدولة ذات السلطة المطلقة، كما تعمل الجمعيات كترياق للانطواء على الذات الذي هو النظير الطبيعي للفردية الديمقراطية.
ورأى دو توكفيل أن الأميركيين يشكلون جمعية لكل غرض، والهدف منها تلبية الاحتياجات الآنية، وتحقيق أهداف دائمة، ومنها ما يتم حله بمجرد تحقيق الغاية، أو يستمر.
واعتبر الدبلوماسي والفيلسوف الفرنسي الجمعية أو المنظمة نموذجاً تتفاعل من خلاله المجتمعات الديمقراطية مع الواقع، وذلك عكس فرنسا - في ذلك الوقت، إذ تظهر قضية أو مشكلة، فيلجأ الناس بصورة تلقائية إلى الدولة. ورآها قادرة مجتمعة على خلق شبكة من الكيانات اللامركزية التي تواجه الميل تجاه المركزية في النظام الديمقراطي، لذلك فإن المنظمات مكون رئيس لمعادلة القوى، وتشكل أحد أكبر الضمانات للحريات الديمقراطية. وبهذه القوى متعددة الاهتمامات ومختلفة الأهداف (المنظمات)، تتشكل قوة شعبية عظيمة تقي المواطنين من الوقوع في شباك أية سلطة استبدادية.
المنظمات والسلطة والخوف
توكفيل آمن بأن السلطة في الدولة الديمقراطية عليها ألا تخشى أو تحد من دور المنظمات أو اتساعها، حتى لو كان بدا وجودها غير مريح بالنسبة إلى الحكام. المؤكد أن الدبلوماسي والفيلسوف الفرنسي لم يدر بخلده أنه سيأتي يوم ويتهم بعضهم في هذه الديمقراطية المثالية السلطة باللجوء لفكرة المنظمات والجمعيات، أو المجتمع المدني، لتؤسس لأفكار تقف على طرف نقيض من عقيدة المجتمع المدني الذي يميل عادة إلى قيم التسامح والتعددية والقبول والحريات والمساواة.
في الرابع من يوليو (تموز) من كل عام، كان العالم يتذكر قصة بناء أميركا، وأسطورة الحلم الأميركي، وكل ما تمثله أميركا لسكان الأرض من قوة وهيمنة وتقدم وتحضر مع إشارة دائمة للمنظمات والجمعيات، المحرك الأكبر للتغيير الاجتماعي والمشاركة المجتمعية، وتوسيع الأفق الشعبي تجاه قيم التعددية وقبول الاختلاف.
وعلى رغم اختلاف القضايا والأهداف التي تقوم عليها نحو مليوني جمعية ومنظمة، إلا أن احتفاء من نوع خاص كان دائماً من نصيب تلك التي عملت في قيادة الإصلاح المجتمعي والحقوق المدنية. إنها الجمعيات والمنظمات التي عملت على مدار عقود طويلة وقادت عملية التغيير التاريخية ضد عدم المساواة المنهجي، والتفرقة العنصرية، والفصل العنصري، والتمييز لصالح البيض.
كانت الحرب الأكثر ضراوة وشراسة، ومجال العمل المدني الأكثر تطلباً للجهد والتضحية، وتطلعاً لتغيير اعتقد بعضهم إنه مستحيل. حدث التغيير "المستحيل"، وانتهى الفصل العنصري، وحصل السود والأقليات على حقوقهم كاملة، حتى إن أميركا شهدت وصول باراك أوباما، أول رئيس أسود في تاريخ أميركا إلى البيت الأبيض في عام 2009، واستمر فترتين.
في الاحتفال بمرور 250 عاماً على أميركا والحلم الأميركي والحضارة الأميركية، ومنظومة الجمعيات والمنظمات، وإرثها وحاضرها الفريد في القلب منها، يتوقف بعضهم متعجباً من مسار جديد لهذا الإرث، يبدو وكأنه يسير في الاتجاه المعاكس. أميركا عظيمة مجدداً وعلى رغم أن "ماغا" أو "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" ليست منظمة أو جمعية بالمعنى المعروف، لكنها تقوم بدور الجمعيات باحترافية. إنها الأيديولوجيا التي بناها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حملته الانتخابية الأولى، (على رغم أنها كانت موجودة بأشكال مختلفة وباهتة من قبل)، ثم في فترته الرئاسية الأولى، ثم حملته الانتخابية الثانية التي لم تتكلل بالفوز، وأخيراً في حملته الانتخابية الثالثة، وفترته الرئاسية الحالية.
تلعب "ماغا" كفكرة وشعار ومنهج، دوراً أبعد من فكر الحزب الجمهوري، وأعمق من برنامجه، وأكثر أصولية في أفكاره من اليمين المعتاد. لم يعد الأمر حزباً جمهورياً يتبنى سياسات تميل إلى اليمين فقط، بل أصبح هناك "جمهوري" عادي، و"جمهوري ماغا". الجمهوري العادي يميل إلى اليمين، محافظ إلى حد ما، يدعم الحق في امتلاك سلاح، وتقليص الهجرة، وتقييد الإجهاض، ولا يمانع الإنفاق العسكري بهدف التفوق والهيمنة، وأكثر تمسكاً بالدين، وتحديداً المسيحية.
أما الجمهوري الـ"ماغا"، فهو أكثر تشدداً في يمينيته، يميل إلى الطابع القتالي أو الحاد في التعبير عن توجهه. ويرى بعضهم أنه يجسّد مفاهيم التعصّب الحزبي والتطرف السياسي في أميركا. يعادي المثليين، ويميل إلى العنصرية، ولا يمانع كثيراً في اللجوء إلى العنف وقت الحاجة. يناصب وسائل الإعلام الرئيسة، لا سيما الليبرالية، العداء، ويعتبرها متحيزة ضده، أو أنها تعتنق الكذب، وتتحيز لآخرين لا يستحقون.
"ماغا" هي المنظمة الأوسع انتشاراً من دون وجود هيكل تنظيمي، والجمعية الأكثر إثارة للجدل والدفاع والاعتراض، من دون وجود ما يجمع بين أعضائها سوى الميل جهة اليمين. تأسست بناء على إيمان بأن أميركا كانت يوماً دولة عظيمة، لكن خسرت عظمتها بسبب التأثيرات الأجنبية في داخل حدودها عبر الهجرة والتعددية الثقافية، وكذلك بسبب العولمة والاندماج الزائد لاقتصادات وطنية متعددة.
أعضاء "ماغا" ومحبوها يعتقدون أن "هذا السقوط من العظمة والمكانة والهيبة يمكن أن يعالج عبر اتباع سياسات "أميركا أولاً، التي من شأنها أن تزود الاقتصاد الأميركي بقدر من الحماية، وتقلص الهجرة لحد كبير، لا سيما تلك القادمة من دول نامية، وكذلك تشجع أو تجبر الجميع على اعتناق وتطبيق ما يعتبره أعضاء "ماغا" القيم الأميركية التقليدية.
يشار إلى أن أنصار "ماغا"، لا سيما القوميون اليمينيون، يدعمون السياسات الرامية إلى منع المسلمين أو التضييق عليهم لمنعهم من دخول أميركا، أو إبقاء أعدادهم في أقل نطاق ممكن.
تحولات "أمة المنظمات" والمؤامرة
"ماغا" قلبت "أمة المنظمات" رأساً على عقب، لا كحركة فقط، لكن باعتبارها رمزاً للتغيرات الكبرى التي شهدها المجتمع الأميركي، التي تتبلور بعد 250 عاماً بصورة واضحة وصريحة وجريئة، من دون مواربة تذكر، أو حرج ملاحظ، أو حاجة إلى تجميل الأهداف والمصالح لأغراض تتعلق بالصوابية السياسية، أو ادعاء اعتناق قيم التعددية والتسامح والقبول.
إنها الحركة المائل أنصارها بصورة واضحة لتصديق نظريات المؤامرة، والأمثلة كثيرة. فمن إيمان يقيني بأن الانتخابات الرئاسية في عام 2020 تعرضت لعمليات تزوير مؤكدة نجم عنها خسارة المرشح ترمب، إلى القول إن الرئيس السابق أوباما ليس مواطناً أميركياً مولوداً في أميركا، إلى مخططات لاستبدال الغالبية البيضاء بآخرين من خلال سياسات الهجرة، وغيرها من تفسيرات تآمرية تتمتع بالقدرة على الانتشار السريع، والتغلغل الصامت إلى كثيرين ممن يعلقون مشكلات وضغوط وإخفاقات ومصاعب على شماعة المؤامرة حتى تتحول إلى حقيقة.
جزء من الحقيقة التي تعيشها أميركا والأميركيون في الذكرى الـ250 لتأسيس الدول الأقوى والأكثر تأثيراً في العالم هو ذلك التشابك المربك بالغ التعقيد، والغموض عميق الأثر الذي يربط بين منظمات وجمعيات وحركات من جهة، وبين ما يسمى بـ"الدولة العميقة" من جهة أخرى، وبين حاضر أميركا ومستقبلها من جهة ثالثة.
في تقرير لـ"اندبندنت عربية" عما يسمى بـ"الدولة العميقة" في أميركا (2022)، جرى تعريفها بأنها "مصالح تحتية مختبئة بين ثنايا النظام المؤسساتي السياسي، يديرها منتفعون لهم شغل شاغل في بقاء أهدافهم بعيدة من الأعين، وفي الوقت عينه لديهم من القدرة والمنعة، مما يمكنهم من تسخير الحكومة الظاهرة لخدمة وإدراك ما يتطلعون إليه، عبر التواطؤ والمحسوبية".
ولفرط غموض المصطلح، واختلاف معناه بحسب من يستخدمه وتوجهاته وميوله، ولكثافة استخدامه في العقد الأخير وكأن المقصود به معروف ومتفق عليه، فإن "الدولة العميقة" في أميركا باتت أمراً واقعاً، وثيق الصلة بالنظام، والمنظمات، والأفكار، وحاضر الدولة ومستقبلها، مع احتفاظه بغموضه وتعدد استخداماته وتناقضها.
دراسات عدة تشير إلى أن الدولة العميقة في أميركا هي "شبكة البيروقراطيين غير المنتخبين، ومسؤولي الاستخبارات، والمؤسسات العسكرية، وجماعات المصالح القوية التي يعتقد أنها تمتلك تأثيراً مستمراً في السياسات الوطنية والإشراف على الدولة، بغض النظر عن هوية الرئيس المنتخب أو الحزب الحاكم".
وضمن المكونات المذكورة، الوكالات المهمة، وعلى رأسها وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، ومكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) واللذان يمتلكان تفويضاً واسعاً، وسرية في التعامل مع ملفات الأمن القومي. وكذلك "المجمع الصناعي العسكري" الذي أشار إليه الرئيس السابق دوايت أيزنهاور في خطاب الوداع الشهير في يناير (كانون الثاني) عام 1961، وحذر فيه من خطورة التحالف بين الجيش وشركات ومصانع السلاح الكبرى، وخطورة ذلك على الديمقراطية والاقتصاد الأميركي.
كما تعد الشركات والكيانات المالية العملاقة أحد المكونات المذكورة في توليفة "الدولة العميقة"، إذ تؤثر نخب "وول ستريت" وجماعات الضغط في السياسات الاقتصادية والسياسية والتجارية على ساكن البيت الأبيض بصرف النظر عن انتمائه الحزبي أو توجهاته الأيديولوجية أو قاعدته الشعبية.
مصطلح وفكرة "الدولة العميقة" يعودان لما بعد الحرب العالمية الثانية، تحديداً عام 1947 حين صدر قانون الأمن القومي، وهو التشريع المهم الذي غير النهج الذي تتبعه أميركا تجاه ملف الأمن القومي. وتشير الباحثة في العلاقات الدولية في جامعة سان جوزيف في الهند غلينيس وينونا في ورقة عنوانها "تحت الستار: دور الدولة العميقة في القوة الأميركية" (2025) إلى أن هذا القانون أنشأ وكالات رئيسة مثل وزارة الأمن الداخلي، ومجلس الأمن القومي، ووكالة الاستخبارات المركزية، بصلاحيات تهدف إلى صياغة وتنفيذ السياسة الخارجية والداخلية الأميركية، مشيرة إلى إن "سي آي إيه" مثلاً عليها حماية المصالح الأميركية في الخارج، والقيام بتدخلات سرية من شأنها أن تغير السياسة العالمية، مثل التدخل غير المباشر للإطاحة بحكومات أو دعم احتجاجات، وغيرها مما تراها مؤثرة أو ضرورية على الأمن القومي الأميركي.
وتشير الباحثة إلى أن فكرة الدولة العميقة عادت في الوعي الأميركي العام بقوة في السنوات الأخيرة كشبح يطرد السياسة، وذلك عبر تصوير هذه الوكالات باعتبارها أعداء عارضوا خطط الرئيس ترمب وسياساته، وهو ما وجد صدى لدى قطاع عريض من الأميركيين لأسباب مختلفة تتراوح بين شعور بخيبة أمل من الهياكل السياسية التقليدية، والإحباط، والبحث عن شماعة لتعليق الإخفاقات.
يشار إلى أن عدداً من استطلاعات الرأي التي أجريت في سنوات بين 2016 و2020، أظهرت أن بين 50 و75 في المئة من الأميركيين يعتقدون أن صورة من صور الدولة العميقة تعمل في الخفاء.
وقد نبه استطلاع أجرته جامعة مونماوث الأميركية في نيو جيرسي من أنه على رغم الاعتقاد السائد بين غالب الأميركيين بوجود ما يسمى بـ"الدولة العميقة"، إلا أن معظمهم غير ملم بالمصطلح، أو المقصود به تحديداً. وما أن يتم شرحه، حتى يزيد اقتناع الغالبية بوجوده!
المثير أن المفكر وعالم السياسة والاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية الأميركي فرانسيس فوكوياما يرى "الدولة العميقة" ليست حكومة خفية أو مؤامرة، بل مصطلح يصف الجهاز البيروقراطي الدائم ومؤسسات الدولة التي تعمل وتضمن تحقيق الاستقرار السياسي، ووجودها (الدولة العميقة) مرهون بوجود دولة قوية تديرها مؤسسات قوية ومستقلة وتتسم بالكفاءة، وأن "الدولة العميقة" أبعد ما تكون عن الكيان الشرير، أو التنظيم الخفي، بل هي ضمان للتوازن الديمقراطي الذي يحمي أميركا من تقلبات السياسة ويضمن استمرار تقديم الخدمات للمواطنين، محذراً من خطورة تقويض أو إضعاف هذه المؤسسات، ومن ثم "الدولة العميقة".
هذا يعني أن جهود هدم "الدولة العميقة" في نظر فوكوياما هو اعتداء على قدرة الدول وسيادة القانون، كما حذر من أن استبدال الخبراء والمحترفين بموالين سياسيين يضعف نظام وقواعد الحكم الفعال والاستقرار والديمقراطية ودعائم الليبرالية التي قامت على أساسها الولايات المتحدة الأميركية قبل 250 عاماً.
تتقاطع المنظمات والجمعيات والحركات، مع "الدولة العميقة"، مع التغيرات الحادثة في الحكم والمجتمع والقيم الأميركية تقاطعاً تلخصه، وإن بصورة متطرفة، حركة "كيو أنون" التي عرفها العالم في واقعة اقتحام مبنى "الكابيتول" التاريخية في يناير عام 2021، وذلك لوقف التصديق على نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز بها الرئيس السابق جو بايدن وخسر ترمب.
يؤمن أنصار الحركة بنظرية المؤامرة إيماناً عميقاً، قوامها أن ترمب يشن حرباً سرية ضد عبدة الشيطان ومتحرشين جنسياً بالأطفال متغلغلين في أجهزة الدولة وشركات ووسائل إعلام. ويؤمن أنصارها كذلك بأن هذه المعركة خطوة نحو "يوم الحساب" الذي سيشهد إلقاء القبض على شخصيات بارزة أضرت بأميركا، وعلى رأسهم مرشحة الرئاسة السابقة عن الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، وأنهم سيعدمون.
مفترق طرق
في عيد تأسيس أميركا الـ250، يقف الأميركيون عند مفترق طرق وثيق الصلة بالمنظمات والجمعيات باعتبارهم "أمة من المنضمين" (كما جاءت الإشارة إليهم في وثيقة مكتبة الكونغرس). ينظرون إلى عقود طويلة من نضال السود وغيرهم من الأقليات عبر منظمات وجمعيات، من أجل القضاء على العبودية والفصل العنصري والتمييز بأنواعه، وتحقيق المساواة والعدالة، وضمان التمتع بكل حقوق المواطنة والحماية القانونية للجميع من جهة، وتجذر وترسخ ثقافة المجتمع المدني في كل كبيرة وصغيرة في حياتهم، وتحولها إلى "قطاع ثالث" في المجتمع لا يقل أهمية عن القطاعين العام والخاص، وحالياً هذا التحول المدهش في مفهوم المنظمات والجمعيات، الذي بات يتسع لأفكار وأهداف يبدو لبعضهم أنها تقف على طرف نقيض من عقيدة المجتمع المدني وثيقة الصلة بقيم المساواة والتنوع والتعددية والقبول وتقدير الاختلاف، التي كثيراً ما كانت المحرك الرئيس والدفاع الحامي لها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بين "ماغا" التي يعتقد داعموها ومناصروها والرئيس وفريقه بأن أميركا فقدت مكانتها العظيمة بسبب التعددية الثقافية وفتح الحدود أمام المهاجرين، إلى ناشطين ومؤثرين يدعمون الفكرة ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الناشط اليميني والمذيع والمؤثر الشاب شارلي كيرك، الذي اغتيل أثناء مناظرة في جامعة يوتا فالي في عام 2025، ومنظمته "تيرنينغ بوينت أميركا" الشبابية التي تعمل على نشر الأفكار اليمينية ومواجهة التيارات الليبرالية، وكتابه الصادر في عام 2020 تحت عنوان "عقيدة ماغا: الأفكار الوحيدة التي ستنتصر في المستقبل"، وحركة "كيو أنون" التي تشير استطلاعات وقياسات إلى أنها تحظى بدعم أو تأييد أو إيمان ببعض نظرياتها من مئات الآلاف من الأميركيين، واستمرار وجود وعمل جماعة "كو كلوكس كلان" التي تعد أقدم جماعة كراهية في أميركا، على رغم تفتتها وضعف نشاطها مقارنة بما كانت عليه قبل عقود طويلة، تقف "أمة المنضمين" ودولة المنظمات والجمعيات والحركات من جهة، ومنظمات أخرى تصارع من أجل البقاء والاستمرار ممثلة لتوجهات تقف على طرف نقيض من منظمات اليمين المتطرف، وما تواجهه من تخفيضات في التمويل، وبعض الاستهدافات بهدف تغيير مسارها وأهدافها، وتصويرها بأنها فاسدة أو معادية لأميركا أو تهدد أمنها.
يمكن القول إنه بدءاً من العام الـ251 لأميركا وما يليه، ستشهد الولايات المتحدة الأميركية تغيرات عدة بناء على تركيبة مجتمعها المدني، ومستقبل التيار اليميني، فإما المضي قدماً نحو مزيد من اليمينية بمساعدة المنظمات والجمعيات، وما ينجم عن ذلك من تغيير المعايير الديمقراطية، لا سيما أن الأجواء غارقة في الاستقطاب، أو تحدث تغيرات ديموغرافية كبرى وتتضح أنماط مختلفة من التصويت بين الأجيال الأصغر سناً الذين يمثلون قوة تصويتية ضخمة، ويعاد ضبط زوايا الأيديولوجيات بصورة مختلفة. في كل الأحوال، منظمات وجمعيات وحركات أميركا في القلب من المشهد وفي عين التغيير.