ملخص
صفقة واحدة من كل ثلاث صفقات بيع منازل في إنجلترا تنهار قبل اكتمالها، ما يؤدي إلى خسائر جماعية تُقدر بنحو 529.4 مليون دولار سنوياً نتيجة الرسوم القانونية وكلفة الانتقال غير المستردة.
تستعد الحكومة البريطانية لإجراء إصلاحات واسعة في سوق العقارات تهدف إلى إنهاء ممارسات مثل رفع سعر العقار بعد قبول عرض الشراء، والحد من انسحاب المشترين أو البائعين من الصفقات من دون تبعات، وذلك ضمن خطة لإصلاح نظام شراء وبيع المنازل الذي تصفه بأنه "معطل".
في النظام الحالي في إنجلترا وويلز، يستطيع البائع قبول عرض لشراء عقاره ثم التراجع عنه لاحقاً لمصلحة عرض أعلى، كذلك يمكن لأي من طرفي الصفقة الانسحاب قبل تبادل العقود النهائية من دون تحمل أي مسؤولية قانونية أو مالية.
وبموجب القواعد الجديدة التي أعلنتها الحكومة، ستصبح الاتفاقات بين البائع والمشتري ملزمة قانونياً في مرحلة مبكرة من عملية البيع، مع فرض غرامات مالية على الطرف الذي ينسحب من الصفقة خارج الشروط المتفق عليها.
وسيُلزم البائعون ووكلاء العقارات بإعداد ملفات متكاملة للعقار قبل عرضه للبيع، تتضمن جميع المعلومات المتعلقة بالكلفة والعيوب الفنية ورسوم الخدمات ووضع العقار ضمن سلسلة البيع، بما يتيح للمشتري الاطلاع على الصورة الكاملة منذ البداية.
وقال وزير الإسكان البريطاني ستيف ريد إن المشترين والبائعين اضطروا لأعوام إلى تحمل أخطار انهيار الصفقات في أي لحظة، ما يؤدي إلى ضياع أشهر من العمل وآلاف الجنيهات الاسترلينية من دون أي مساءلة للطرف المتسبب.
وأضاف أن الإصلاحات تستهدف تبسيط إجراءات البيع وتقليص البيروقراطية، بما يمنح المشترين والبائعين قدراً أكبر من اليقين والثقة عند إتمام الصفقات.
مدونة سلوك جديدة
من المقرر أن تصدر الحكومة في وقت لاحق من هذا العام مدونة سلوك جديدة تحدد الحد الأدنى من المعايير المهنية لوكلاء العقارات، كذلك ستطلق في عام 2027 مشاورات في شأن إلزام العاملين في القطاع بالحصول على مؤهلات مهنية، إلى جانب توسيع استخدام الأدوات الرقمية لتسريع عمليات البيع والشراء.
وتعتزم الحكومة تقديم مشروع القانون الخاص بالعقود الملزمة وملفات البيع إلى البرلمان قبل عام 2029.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة "غارينغتون بروبرتي فايندرز"، جوناثان هوبر، لصحيفة "التايمز"، إنه من غير المقبول في عام 2026 أن يتولى أشخاص يفتقرون إلى أي خبرة إدارة أكبر صفقة مالية في حياة معظم المواطنين، في إشارة إلى الحاجة لرفع معايير التأهيل المهني في القطاع.
وتستند الإصلاحات إلى النموذج المطبق في اسكتلندا، إذ تُستخدم العقود الملزمة وتُقدم معلومات العقار مسبقاً منذ عقود، ومن المتوقع أن يمتد هذا النظام بصيغة معدلة إلى بقية أنحاء المملكة المتحدة.
وتشير بيانات شركة "هامبتونز" العقارية إلى أن شراء المنازل في اسكتلندا في المتوسط أسرع بنحو سبعة أسابيع مقارنة بإنجلترا، كذلك فإن معدل فشل الصفقات هناك يقل إلى نحو النصف.
لكن التجربة الاسكتلندية أظهرت أيضاً أن بعض المشترين والبائعين باتوا يؤخرون الالتزام القانوني حتى المراحل الأخيرة من الصفقة، خشية التعرض لغرامات مالية إذا تراجعوا عنها، ولا سيما في ظل ارتفاع كلفة الاقتراض.
خسائر بأكثر من نصف مليار دولار سنوياً
تشير الإحصاءات إلى أن صفقة واحدة من كل ثلاث صفقات بيع منازل في إنجلترا تنهار قبل اكتمالها، ما يؤدي إلى خسائر جماعية تُقدر بنحو 400 مليون جنيه استرليني (529.4 مليون دولار) سنوياً نتيجة الرسوم القانونية وكلفة الانتقال غير المستردة.
ويبلغ متوسط مدة شراء منزل في إنجلترا نحو أربعة أشهر، بينما تتوقع الحكومة أن تؤدي الإصلاحات الجديدة إلى تقليص هذه المدة بنحو أربعة أسابيع.
وتشمل الخطة أيضاً رقمنة عملية بيع العقارات بالكامل، عبر إنشاء سجلات رقمية للعقارات وملفات بيع إلكترونية تتيح تبادل المعلومات بصورة فورية، إضافة إلى اعتماد التحقق الرقمي من الهوية والتوقيع الإلكتروني والاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في الإجراءات القانونية، بهدف تقليل الازدواجية، والحد من الاحتيال، وتسريع إنجاز الصفقات.
من جانبها رحبت الرئيسة التنفيذية لمجلس المرخص لهم بأعمال نقل ملكية العقارات، شيلا كومار، بهذه الإصلاحات، مؤكدة أنها ستؤسس لنظام حديث ومتكامل يتيح للمشترين والبائعين متابعة مراحل انتقال الملكية بسهولة وكفاءة أكبر.
واستعرض التقرير تجربة كلير ويسكر، وهي مؤسسة شركة متخصصة في خدمات شراء العقارات، التي تعرضت أكثر من مرة لفقدان منازل وافقت على شرائها بعد أن قبل البائع عروضاً أعلى من مشترين آخرين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقالت إنها فوجئت في إحدى الحالات بإلغاء الصفقة من دون أي إخطار، واضطرت في حال أخرى إلى رفع عرضها بنسبة 10 في المئة للحفاظ على المنزل، وهو ما استنزف موازنة كانت قد خصصتها لتجديد العقار لسنوات لاحقة، معتبرة أن النظام الحالي يفتقر إلى الحد الأدنى من العدالة والوضوح بالنسبة للمشترين.
إجراءات بيروقراطية
من جانبه، قال المستثمر والاستشاري في سوق العقارات بالمملكة المتحدة، محمد أحمد العجمي، إن سوق العقارات السكنية في بريطانيا، وعلى رغم التقدم الكبير الذي حققته لندن في التكنولوجيا المالية، لا يزال يعتمد على إجراءات تقليدية تؤدي إلى إطالة أمد عمليات البيع والشراء وتؤثر في كفاءة السوق.
وأضاف العجمي في تصريحات لـ"اندبندنت عربية" أن تجربته الأخيرة في بيع عقار بمنطقة فولهام كشفت أن الاتفاق على السعر لا يعني إتمام الصفقة، إذ تبقى المعاملة "خاضعة للعقد"، وهو ما يترك المجال مفتوحاً أمام التأخير أو انسحاب أحد الأطراف قبل التوقيع النهائي.
وأوضح أن البائع يصبح خلال هذه المرحلة معتمداً على سرعة استجابة جهات عدة، تشمل شركات إدارة العقارات والمحامين والهيئات المختصة، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخير يمتد لأسابيع أو حتى أشهر.
وأشار إلى أن طول فترة إنجاز الصفقات يفتح الباب أمام ممارسات معروفة في السوق البريطانية، مثل خفض بعض المشترين عروضهم في اللحظات الأخيرة مستغلين طول الإجراءات، أو قبول البائع عرضاً أعلى من مشترٍ آخر قبل إتمام البيع، وهو ما يؤدي إلى تعثر عدد كبير من الصفقات ويزيد من كلفة المعاملات على جميع الأطراف.
ورحب العجمي بخريطة الطريق التي أعلنتها وزارة الإسكان البريطانية في يونيو (حزيران) الجاري، معتبراً أنها تمثل تحولاً مهماً في آلية إدارة سوق العقارات.
وقال إن الإصلاحات تستند إلى ثلاثة محاور رئيسة، أولها إلزام البائع بتوفير جميع البيانات القانونية والفنية للعقار قبل طرحه للبيع، بما في ذلك الرسوم والخدمات وأي نزاعات قائمة، الأمر الذي يعزز الشفافية ويقلل المفاجآت التي تظهر خلال مراحل التفاوض.
وأضاف أن المحور الثاني يتمثل في إنشاء سجل رقمي لكل عقار، بحيث تنتقل بياناته القانونية والفنية مع انتقال الملكية، وهو ما يختصر كثيراً من الوقت ويقلل الحاجة إلى تكرار الإجراءات في كل عملية بيع.
أما المحور الثالث، بحسب العجمي، فيتعلق بإدخال عقود أكثر إلزاماً في مراحل مبكرة من الصفقة، بما يفرض التزامات مالية على الطرف الذي ينسحب من دون مبرر، الأمر الذي من شأنه الحد من التلاعب بالأسعار في المراحل النهائية من عمليات البيع.
وأكد العجمي أن هذه الإصلاحات لا تستهدف فقط تسريع إنجاز الصفقات، وإنما تعزز أيضاً جاذبية السوق العقارية البريطانية للمستثمرين المحليين والأجانب، من خلال رفع مستوى الشفافية وتحسين كفاءة المعاملات.
وأشار إلى أن ربط الجهات الحكومية والمحامين وشركات إدارة العقارات ضمن منظومة رقمية موحدة سيسهم في تقليص الوقت اللازم لإتمام عمليات البيع، وتحرير رؤوس الأموال التي كانت تبقى معطلة بسبب طول الإجراءات.
واختتم العجمي تصريحاته بالقول إن سوق العقارات البريطانية تمتلك مقومات قوية للحفاظ على مكانتها العالمية، إلا أن نجاح الإصلاحات سيعتمد على سرعة تنفيذها والتزام جميع الأطراف بتطبيقها، بما يضمن الانتقال من الإجراءات الورقية التقليدية إلى منظومة رقمية أكثر كفاءة وشفافية.