Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متنزهات ترفيهية غادرت الرياض ولم تغادر ذاكرة سكانها

أعاد هدم ملاهي الخيمة للواجهة ذكريات جيل كامل ارتبطت طفولته بالمكان وظلت تفاصيله حاضرة في وجدانه على رغم اختفاء معالمه

كانت زيارة المتنزهات الترفيهية، خصوصاً خلال الأعياد، موعداً تنتظره العائلات بعد الانتهاء من زيارات الأقارب، فيما يعُدّ الأطفال الأيام بشوق وحماسة.(منتزة الخيمة)

ملخص

يرصد التقرير كيف تحولت ملاهي الرياض القديمة من وجهات ترفيهية محدودة إلى جزء راسخ من ذاكرة أجيال كاملة.
ومع تعدد الخيارات الحديثة، بقي الحنين حاضراً لأن الشوق لم يكُن إلى الألعاب وحدها، بل إلى الطفولة والعائلة وزمن أبسط.

ليست كل الأماكن التي تختفي تُنسى، فبعضها يغادر المدينة، لكنه يبقى مقيماً في ذاكرة سكانها لعقود. وهذا تماماً ما حدث لمدن الملاهي التي شكلت جزءاً من ذاكرة أجيال من أبناء الرياض. فما إن يُذكر اسم ملاهي الخيمة، أو ملاهي الروضة، أو البراجون، أو الحكيرلاند وغيرها، حتى يعود كثرٌ لطفولتهم قبل أن يعودوا للمكان نفسه.

ولعل ما يجعل تلك الأماكن حاضرة في الذاكرة حتى اليوم أنها لم تكُن مجرد مرافق للترفيه، بل جزءاً من تفاصيل الطفولة. وكانت زيارة المتنزهات الترفيهية، خصوصاً خلال الأعياد، موعداً تنتظره العائلات بعد الانتهاء من زيارات الأقارب، وتستعد له الأسرة مسبقاً، فيما يعُدّ الأطفال الأيام بشوق وحماسة.

توديع ملاهي الخيمة

ومع تداول خبر هدم متنزه الخيمة الترفيهي الأسبوع الماضي، بعد نحو أربعة عقود على افتتاحه عام 1987، استعاد سعوديون عبر مواقع التواصل الاجتماعي ذكرياتهم معه، مستحضرين تفاصيل لم تكُن مرتبطة بالألعاب وحدها، بل بكل ما كان يحيط بها، من رائحة الفشار وغزل البنات، إلى المحال الصغيرة والألعاب التي تستنزف آخر ما في الجيب من المال.

وكان سوار الألعاب الذي لا يتجاوز سعره 40 ريالاً سعودياً، أي نحو 11 دولاراً، أول ما يحصل عليه الطفل عند بوابة الملاهي النسائية، ليصبح بمثابة تصريح يرافقه طوال الزيارة، فلا يُسمح له بدخول أية لعبة قبل أن تتأكد المشرفة من وجوده حول معصمه.

وبعد العودة للمنزل، كان كثير من الأطفال يحتفظون بالسوار حتى صباح اليوم التالي، ليتباهوا به أمام زملائهم في المدرسة، وكأنه دليل موثق على يوم مليء بالمرح واللعب.

 

 

ذكريات الدخول المجاني

وعلى رغم اختلاف ملاهي الرياض في أحجامها وألعابها، فإنها ارتبطت بمرحلة عمرية كاملة، إذ لم تكُن مجرد وجهات للترفيه، بل مساحات اجتماعية جمعت العائلات والأصدقاء، وتحولت فيها بعض اللقاءات المتكررة إلى معارف وصداقات استمرت أعواماً.

وتقول نورة خالد عن ذكرياتها مع ملاهي الخيمة تحديداً إنها اعتادت زيارتها أسبوعياً، خصوصاً خلال إجازة الصيف، مشيرة إلى أنها كانت تتمنى دائماً أن يرافقها والدها، إلا أن الملاهي كانت مخصصة للنساء والأطفال. ومع ذلك، كانت أسرتها تحرص على ألا يمر أسبوع من دون أن تفي بوعدها باصطحابها إليها.

ولم تبدأ متعة الزيارة عند بوابة الملاهي فقط، بل سبقتها طقوس خاصة داخل المنزل، فبعد أن ينتهي والدها من قراءة الصحف، كانت تتصفحها بحثاً عن القصاصات التي تمنح دخولاً مجانياً إلى ملاهي الخيمة، ثم تقصها وتحتفظ بها حتى موعد الزيارة.

 

وتضيف أن الأفعوانية كانت لعبتها المفضلة، إضافة إلى لعبة "الكاروسيل"، المعروفة بالأحصنة الدوارة، والألعاب المائية مثل الزحاليق الحلزونية، فضلاً عن لعبتي الفناجين والأخطبوط الدوار. وكانت تكرر ركوب ألعابها المفضلة أكثر من مرة، مستفيدة من السوار الذي يتيح لها التنقل بينها طوال اليوم.

أما سارة خالد، فتتذكر أنها كانت ترتدي حذاءً مرتفعاً قليلاً لتبدو أطول، حتى يسمح لها بركوب الألعاب الخطرة، إذ كانت المشرفات يقسن طول كل طفل قبل دخوله. وتتذكر أيضاً حزنها حين كبر شقيقها قليلاً، ولم يعُد يُسمح له بالدخول معهم إلى الملاهي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الرياض الجديدة... وترفيه مختلف

لم يكُن اختفاء تلك الملاهي معزولاً عن التحولات التي شهدتها الرياض، بل جاء امتداداً طبيعياً لاتساع المدينة وتغير أنماط الحياة فيها. ومع ظهور المجمعات التجارية الكبرى، انتقل جزء كبير من النشاط الترفيهي إلى داخل المولات، حيث أصبحت الألعاب جزءاً من تجربة أوسع تجمع التسوق والمطاعم والفعاليات في مكان واحد.

وتنوعت الخيارات لاحقاً بين الألعاب الإلكترونية ومراكز المغامرات والوجهات التفاعلية، لتتراجع تدريجاً فكرة مدينة الملاهي المستقلة التي كانت تمثل مقصداً رئيساً للعائلات.

ويرى الباحث الاجتماعي محمد الحمزة أن هذا التنوع لم يلغِ قدرة الوجهات الحديثة على صناعة الذكريات، لكنه غيّر طريقة تشكل "الذاكرة الجماعية". ففي الماضي، كانت مدن الملاهي محدودة العدد، مما جعلها نقاط التقاء مشتركة تراكمت فيها ذكريات أجيال متعاقبة. أما اليوم، فأدى تعدد الخيارات وسرعة تغير المشاريع الترفيهية إلى إضعاف الارتباط الطويل بمكان واحد، فأصبحت التجارب أكثر تنوعاً، لكنها أقل رسوخاً في الذاكرة الجمعية.

ويضيف الحمزة أن الحنين إلى مدن الملاهي القديمة لا يتعلق بالمكان وحده، بقدر ما يرتبط بالمرحلة العمرية التي عاشها الإنسان فيه.

فالمكان، بحسب تعبيره، يعمل بوصفه محفزاً للذكريات، بينما يكون الشوق الحقيقي إلى المشاعر المرتبطة به مثل براءة الطفولة واجتماع الأسرة والأصدقاء وقلة المسؤوليات. ولهذا، قد يعود الإنسان للمكان نفسه بعد أعوام، لكنه لا يجد السعادة ذاتها، لأن ما تغير ليس المكان وحده، بل الإنسان أيضاً وظروف حياته.

وربما لهذا لا يثير ذكر البراجون أو ملاهي الروضة أو تولان أو الحكيرلاند أو الخيمة نقاشاً حول الألعاب التي كانت فيها، بقدر ما يفتح باباً واسعاً للقصص. قصص تبدأ بعبارة "تتذكر يوم..."، ثم تمتد إلى زمن كان يبدو أبسط، ليس لأن كل شيء فيه كان أفضل، بل لأن الطفولة كانت قادرة على أن تجعل مكاناً صغيراً يبدو أكبر من العالم كله.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات