ملخص
بعد أن كانت القوائم تخضع للمناصفة بين الرجال والنساء باسم القانون، تقلص التمثيل إلى الثلث، ثم تراجع إلى إعفاء حضور المرأة عند الضرورة مع ضمان وجود أدنى، مما أثار جدلاً نسائياً واسعاً.
تشهد الانتخابات التشريعية في الجزائر تراجعاً لافتاً في حضور المرأة ضمن قوائم المرشحين، إذ بلغ عددهن أكثر من 2000 مرشحة سواء تحت غطاء الأحزاب السياسية أو مستقلين، مما يهدد بضعف التمثيل النسوي في البرلمان المقبل.
2032 مرشحة و13 مليون ناخبة
كشفت السلطة المستقلة للانتخابات أن عدد النساء المرشحات لانتخابات الثاني من يوليو (تموز) المقبل بلغ 2032 مرشحة، بما يعادل 21 في المئة من المجموع الكلي المقدر بـ9854 مرشحاً، وهو رقم "ضعيف" مقارنة بعددهن في التشريعيات الماضية التي جرت في يونيو (حزيران) 2021، حين ترشحت نحو 8305 نساء في قوائم حزبية وحرة، تحصلت 34 منهن على مقاعد في البرلمان من أصل 407 مقاعد.
وعلى رغم أن تراجع ترشح المرأة مر من دون "ضجيج"، إلا أن تمثيل النساء لأكبر كتلة انتخابية يطرح التساؤلات ويجعل المعادلة غير مقنعة، لا سيما في ظل سعي السلطات إلى ترقية المشاركة السياسية للمرأة عبر إجراءات تحفيزية وتعديلات قانونية، إذ يشكلن الكتلة الأكبر ضمن الهيئة الناخبة في البلاد بـ57 في المئة من مجموع الناخبين المسجلين في القوائم الانتخابية، بما يعادل نحو 13 مليون ناخبة من أصل ما يقارب 24 مليون ناخب.
الإعفاء من نسبة الثلث
وبين من ربط التراجع باستمرار ضغط تقاليد المجتمعات المحلية وضعف الممارسة السياسية و"فشل" التجارب السابقة، أرجعت فئات واسعة الوضع إلى قرار السلطة المستقلة للانتخابات إعفاء القوائم من شرط الثلث النسوي الملزم، على رغم تأكيدها أن الإعفاء من شرط تمثيل النساء، بالنسبة إلى القوائم التي لم تستوف نسبة الثلث المنصوص عليها في القانون العضوي للانتخابات، لا يعني بأي حال من الأحوال الإعفاء الكلي من التمثيل النسوي.
وشددت السلطة المستقلة على أن هذا الإجراء يخص فقط الإعفاء من نسبة الثلث، مع إلزامية إدراج حد أدنى من التمثيل النسوي ضمن القوائم الانتخابية.
المادة 200 في قفص الاتهام؟
كذلك تحملت المادة 200 من قانون الانتخابات جزءاً من المسؤولية، عقب العدد الكبير من الإقصاءات التي طاولت مئات المرشحين، مما دفع الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون، إلى انتقاد ما سمته "أسباب مهينة لشرف الإنسان أدت إلى إقصاءات شملت الرجال والنساء"، وقالت "حين تمس النساء يصبح الأمر أخطر بكثير"، منددة بإقصاء مرشحات بسبب تحقيقات إدارية تفيد صلتهن بأعمال مشبوهة والمساس بأخلاقيات الحياة السياسية.
وبعدما كانت القوائم تخضع للمناصفة بين الرجال والنساء باسم القانون، تقلص التمثيل إلى الثلث، ثم تراجع إلى إعفاء حضور المرأة عند الضرورة مع ضمان وجود أدنى، مما أثار جدلاً نسائياً واسعاً، إذ رأت فئات أن هذا الإجراء يشكل تراجعاً عن المكاسب المحققة، بينما رأت أخرى أن الخطوة يترتب عنها تقليص وجود العنصر النسوي في المجالس المنتخبة.
تفكيك الذهنيات الذكورية المهيمنة
وفي السياق، أشارت الناشطة السياسية ذهبية معماس إلى أن المناصفة بين الرجال والنساء في القوائم الانتخابية لم يحقق أي أثر ملموس في تعزيز انخراط المرأة في العمل السياسي أو تمكينها من الولوج الفعلي إلى الهيئات التشريعية والمجالس المنتخبة، موضحة أن هذا الإجراء دفع بالأحزاب إلى إدراج النساء في القوائم بطريقة شكلية، من دون اعتبار حقيقي لمعايير الكفاءة أو الخبرة السياسية أو المسار النضالي، مما أفرغ المناصفة من مضمونها وأضعف جدواها. وأكدت أن تقليص نسبة تمثيل النساء من النصف إلى الثلث لن يفضي إلى تغيير نوعي في مستوى حضورهن داخل المؤسسات، لأن الإشكال لا يرتبط بالنسبة العددية بقدر ما يتعلق بآليات التفعيل وطبيعة الممارسة السياسية، مضيفة أن المقاربة الحالية لم تستوعب التحديات الحقيقية، ولم تنجح في معالجة العوائق العميقة التي تحول دون مشاركة المرأة بفعالية في الحياة السياسية والمؤسساتية.
وأبرزت معماس أن "تعزيز حضور المرأة يستوجب تفكيك الذهنيات الذكورية المهيمنة على الفضاء السياسي، واعتماد تدابير عملية من شأنها ضمان تمثيل فعلي، من بينها إدراج النساء في المراتب الأولى ضمن القوائم الانتخابية، أو اعتماد مبدأ التناوب بين الجنسين في ترتيبها"، موضحة أن المبررات المقدمة بخصوص إلغاء شرط المناصفة تفتقر إلى قوة الطرح، وتعكس في جوهرها غياب إرادة سياسية حقيقية لإدماج المرأة في الفعل السياسي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"تعزيز مكانة المرأة لا يمر عبر إقرار قوانين"
من جانبه، شدد المتخصص في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية عمر تركي أن موضوع تعزيز مكانة المرأة في المشهد السياسي الجزائري لا يمر عبر إقرار قوانين وفرضها فرضاً، بل يحتاج الأمر إلى مسار سياسي طويل وعمل مجتمعي دائم، ينهي الصورة النمطية السلبية للمرأة. وقال إن الوصول إلى هذا الوضع يستدعي تعزيز النشاط الدائم والمستمر والمتواتر للنساء عبر مختلف الهياكل الحزبية، ومنحها الفرصة للوصول إلى مناصب قيادية، مضيفاً أن هناك ضرورة أيضاً لتعزيز وجود المرأة في المنظمات النقابية وجمعيات المجتمع المدني، والتي من خلالها يجري إعطاء الفرصة للنساء للتقرب من المجتمع، وإبراز قدرات المتميزات منهن، وأشار إلى أن وسائل الإعلام تلعب دوراً مهماً في إبراز النماذج النسوية الناجحة في جميع المجالات، وبخاصة تلك التي تعد حكراً على الرجال، وأهمها المجالات السياسية والاقتصادية.
وأوضح تركي أن تعزيز دور المرأة في المجتمع يتطلب أيضاً إصلاح المناهج التعليمية التي دأبت على مدار العقود الماضية على تقديم المرأة على أنها خُلقت لتكون ربة منزل فقط ولا دور لها في بناء المجتمع، وتلك مسؤولية كبيرة، ومن دونها لا يمكن تحقيق أي تقدم يذكر للمرأة. وشدد على أنه من خلال المناهج الدراسية وتنظيم حملات إعلامية ممنهجة ومدروسة، مع دعم وجود النساء في المراكز القيادية في مؤسسات اقتصادية ومنظمات المجتمع المدني، كلها عوامل ستفتح الطريق واسعاً أمام الحضور القوي والفاعل للمرأة في المشهد السياسي، ومن دون ذلك يبقى حضورها صورياً وشكلياً لتجميل الأعراس الانتخابية فحسب.