Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإيرانيون في معركة "بقاء" تحت وطأة الغلاء والفقر

بعدما انطفأت نيران الحرب وجدوا أنفسهم يواجهون أزمات الغذاء والسكن والارتفاع المتواصل في أسعار الأدوية

نحو 60 في المئة من الإيرانيين لا يملكون أي أمل في تحسن الأوضاع خلال الفترة المقبلة (أ ف ب)

ملخص

انتهت الحرب في الميدان، لكن بالنسبة إلى ملايين الإيرانيين لا تزال معركة الخبز والسكن والعلاج مستمرة، فيما تتزايد التوقعات بأن تشهد البلاد خلال الأشهر القليلة المقبلة موجة جديدة من الاحتجاجات بفعل تفاقم الأزمات المعيشية

في وقت بدا خلاله أن الحرب المكلفة التي شهدتها الأسابيع الأخيرة وضعت أوزارها مع الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار، فإن الأزمة الحقيقية بالنسبة إلى ملايين الإيرانيين ربما بدأت للتو، فهي أزمة لا تتجلى في السماء أو ساحات القتال، بل في موائد الطعام الخاوية، وإيجارات المساكن الباهظة، وطوابير الخبز، والارتفاع المتواصل في أسعار الأدوية.

وتظهر تقارير نشرت أمس الثلاثاء الموافق الـ16 من يونيو (حزيران) الجاري، أن الاقتصاد الإيراني يواجه موجة جديدة من الضغوط المعيشية، في وقت بات خلاله عدد كبير من المواطنين عاجزاً عن تأمين متطلبات الحياة الأساس. وحتى المسؤولون الحكوميون بدأوا يقرون إلى جانب من هذه الحقيقة.

ووفقاً لنتائج استطلاع جديد أجرته وزارة الداخلية في حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، فإن نحو 60 في المئة من الإيرانيين لا يملكون أي أمل في تحسن الأوضاع خلال الفترة المقبلة، فيما أكد أكثر من 60 في المئة أنهم لم يعودوا قادرين على تحمل مزيد من الضغوط الاقتصادية.

وتأتي هذه الأرقام في وقت تشير خلاله المؤشرات إلى تراجع مستوى الرضا الاجتماعي في إيران إلى أدنى مستوياته التاريخية، إذ تفيد البيانات الحكومية بأن ما لا يزيد على ربع السكان يشعرون بوجود قدر من العدالة والمساواة في المجتمع.

أجر يوم عمل لا يكفي لوجبة غذائية واحدة

يمكن رصد مؤشرات تآكل القدرة الشرائية في أبسط السلع الاستهلاكية. فعلى سبيل المثال، حُدد الحد الأدنى للأجر اليومي للعمال في عام 2026 عند 554 ألف تومان، أي ما يعادل نحو 3.7 دولار فحسب، وهو مبلغ لا يكفي حتى لشراء 250 غراماً من لحم الغنم.

وفي وقت تقدم خلاله السلطات زيادة الأجور بنسبة 60 في المئة على أنها إنجاز كبير، تكشف الأسعار في الأسواق واقعاً مختلفاً، فقد ارتفع سعر كيلوغرام لحم الغنم من نحو 700 ألف تومان (4.7 دولار) قبل عامين إلى أكثر من مليونين و300 ألف تومان (15.3 دولار) حالياً، وبذلك لم تتحسن القدرة الشرائية للعمال، بل تراجعت بصورة حادة مقارنة بالأعوام الماضية.

ويقول حسين، وهو عامل يبلغ من العمر 34 سنة في مصنع لقطع غيار السيارات بضواحي العاصمة طهران، لـ"اندبندنت فارسية"، "كنا نشتري اللحم للأطفال مرة أو مرتين في الشهر، أما الآن فمعظم الوجبات تعتمد على البطاطا والبيض، وفي كل مرة أدخل فيها إلى محل الجزارة أشعر أن الأسعار ودخولنا تعيش في عالمين مختلفين".

ويضيف حسين أنه كان يأمل بعد انتهاء الحرب أن تنخفض الأسعار ولو قليلاً، إلا أن كلف الغذاء والنقل وإيجار السكن واصلت ارتفاعها.

نزوح قسري من المدن

بدوره، تحول السكن إلى أحد أكبر هواجس الأسر الإيرانية، فقد ذكرت وكالة "إيلنا" الحكومية أن التقديرات تشير إلى وصول سعر المتر المربع من الشقق السكنية في طهران إلى نحو 183 مليون تومان، أي ما يعادل نحو 1220 دولاراً، فيما يتحدث خبراء عن احتمال ارتفاع الأسعار بنسبة تراوح ما بين 15 و30 في المئة إضافية حتى نهاية العام.

وفي ظل هذه الظروف، أصبح امتلاك منزل حلماً بعيد المنال بالنسبة إلى كثير من أصحاب الرواتب، فيما تلتهم إيجارات المساكن أكثر من نصف دخل عدد كبير من الأسر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقول عاطفة، وهي معلمة تبلغ من العمر 29 سنة وتقيم في مدينة كرج، "انتقلنا من طهران إلى كرج قبل ثلاثة أعوام لتقليل النفقات، أما الآن فقد رفع صاحب المنزل الإيجار إلى درجة باتت تجبرنا على الانتقال إلى إحدى المدن المحيطة بمدينة كرج، وفي كل عام نجد أنفسنا نبتعد أكثر".

وقد تحول هذا المسار، من طهران إلى كرج، ثم من كرج إلى المدن التابعة والمحيطة بها، ومنها إلى مناطق أبعد، إلى ظاهرة متزايدة الانتشار، وهي تنقلات لا تعكس خيارات سكنية جديدة بقدر ما تعكس عجز الأسر عن تحمل كلف السكن في أماكن إقامتها السابقة.

هواجس تأمين الخبز

في موازاة ذلك، تحولت أزمة الخبز إلى أحد أبرز رموز الضغوط الاقتصادية الجديدة في إيران، وبينما تؤكد الحكومة أنها لا تعتزم رفع أسعار الخبز، تفيد تقارير ميدانية نشرها موقع "تابناك" بوجود نقص في الخبز العادي، مقابل زيادة المعروض من أنواع الخبز المضاف إليها السمسم أو غيره من الإضافات، والتي تباع بأسعار تفوق الأسعار المعتادة بأضعاف. ويشكو كثير من المواطنين من تراجع وزن أرغفة الخبز وانخفاض جودتها.

ويقول رضا، وهو متقاعد يبلغ من العمر 67 سنة ويقيم في مدينة أصفهان، "لم يعد من السهل العثور على الخبز العادي، فكل مخبز تقصده يبيع خبزاً بالسمسم أو بالخضراوات بأسعار مضاعفة، صحيح أن سعر الخبز لم يرتفع رسمياً، لكننا ندفع عملياً مزيداً من المال كل يوم".

المتقاعدون بين المرض وكلفة العلاج

ولا تقتصر الضغوط الاقتصادية على العمال والمستأجرين، بل تشمل أيضاً شريحة المتقاعدين التي تواجه تحديات متزايدة. وتشير تقارير حديثة لوكالة "إيلنا" إلى أن عدداً من المراكز الطبية في إيران أوقف التعامل مع التأمين الصحي التكميلي الخاص بالمتقاعدين، مما يضطرهم إلى الانتظار أشهراً طويلة لاسترداد نفقات العلاج، فيما لا يعاد إليهم في بعض الحالات سوى جزء من المبالغ التي دفعوها.

وبالنسبة إلى كبار السن الذين يعانون أمراضاً مزمنة، فإن ارتفاع نسبة المساهمة الشخصية في كلف العلاج وتراجع التغطية التأمينية يضعانهم أمام معادلة قاسية، وهي الاختيار بين العلاج وتلبية الحاجات الأساس الأخرى للحياة اليومية.

جرس إنذار للسلطة

ما يميز هذه الأزمة عن سابقاتها لا يقتصر على المؤشرات الاقتصادية وحدها، بل يتعداه إلى تراجع الأمل الاجتماعي، ففي وقت ينظر فيه نحو 60 في المئة من الإيرانيين إلى المستقبل بتشاؤم، وتؤكد غالبية السكان أنها لم تعد قادرة على تحمل مزيد من الضغوط الاقتصادية، لم تعد المشكلة محصورة في التضخم أو أزمة السكن فحسب.

فالحرب انتهت، لكن تداعياتها الاقتصادية بدأت تتكشف تدريجاً، فقد أدت زيادة أسعار مواد البناء وارتفاع كلف النقل وتصاعد التوقعات التضخمية وتراجع القدرة الشرائية، إلى تراكم مجموعة من الضغوط التي باتت تؤثر بصورة مباشرة في الحياة اليومية لملايين الإيرانيين.

وربما تختصر كلمات أحد العمال في طهران، خلال حديثه مع "اندبندنت فارسية"، صورة الواقع الإيراني اليوم بقوله إنه "لم يعد أحد يتحدث عن شراء منزل أو سيارة، بل حتى هاتف المحمول أو حاسوب شخصي، لقد تقلصت الأحلام كثيراً، وأصبح أقصى ما نتمناه أن نتمكن من البقاء حتى نهاية الشهر".

وبالنسبة إلى أكثر من ثلاثة أرباع الأسر الإيرانية، ربما توقفت الحرب العسكرية لكن معركة تأمين الخبز وإيجار السكن ونفقات العلاج لا تزال مستمرة. وفي ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتزايد السخط المعيشي، تتزايد التوقعات بأن تشهد إيران خلال الأشهر المقبلة موجة جديدة من الاحتجاجات الواسعة ضد السلطات.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير